‎النَّسْرُ الكَرِيمُ ‎كانَ المَلِكُ يَسيرُ مُضطرباً يَدْرَعُ غُرفتَهُ ذَهاباً وإياباً، فهام في عالَمِ الأَحلامِ. ‎شاهِدَ المَلِكُ في غَفْوَتِهِ القصيرةِ حُلُماً رهيباً: كانَ جالساً على عرشه يُحيط به الأعيان ورجالات القصر. وفجأةً هَبَطَ ولَكنَّ الطَّيفَ الأَسودَ وقالَ مُبتسماً: وهُما، وما إن اختلى الْمَلِكُ بِنَفْسِهِ حَتَّى رَاحَ يَضحك كالأطفال، فارتدى ملابسَهُ وقَصَد في ‎الحال إلى جَناحِ المَلِكة. وحَنا الأبُ السَّعِيدُ على السرير بعَينَينِ مِلَوْهُما الحُبُّ والحنان. ‎سُرَّ المَلِكُ بطفله الجميل، وانصرفَ المَلِكُ أَمرَ المَلِكُ بإقامة الأعيادِ في أرجاء المملكة ثلاثةَ أَيَّامٍ. فبقيَ كُلَّما ذَهبَ ليَزورَ طفلَهُ يَستغربُ حالَهُ أَكثَرَ قالَ: كاملُ الخِلْقَةِ، والله وحدَهُ قَد شَاءَ أَن يَكونَ الأميرُ فَجَلَسَ فِي مَعْزِلٍ عَنِ النَّاسِ يُردِّدُ فِي سِرِّهِ، لن أرضى بهذا الواقع المُحْجِل هَذَا الصَّبِيُّ لَن يكون يوماً مَلِكاً على شعبي. ‎أَنَا المَلكَ القوي العظيم! ‎حاسم: ‎بعد أيام كانَ المَلِكُ المغرورُ قَد أَتى إلى قرارٍ . وغَدا المَلِكُ يُخاطِبُ نَفْسَهُ فيَقولُ: «بهَذا يَنسى الجميع ما كانَ مِن أَمرِ هَذا وتعودُ المَلِكَةُ إِلى إِنجَابِ بَنِينَ أَصِحَاءَ ‎في عَشِيَّةِ أَحدِ الأَيَّامِ استدعى المَلِكُ أَحدَ خُدامِهِ ‎المخلصين، وأمرَهُ بأَنْ يَحمل الأمير الصغير خلسة إلى البرية ويَطرَحَهُ فيها ليموت. وهو يبكي عاجزاً متحسراً. ولَكنَّ النَّسرَ تَسَمَّرَ دهشةً لدى مشاهدته طفلاً بريئاً، وعلى مَعرفَةِ نِيَاتِهِم وأسرارِهِم. وكانَ عله واسعاً مريحاً في أعلى قِمَّةِ مِن قمم ذلك الجبلِ الوَعْرِ ولَمّا شَاهَدَ النَّسْرُ الطِّفل على تِلكَ الحالِ رَقَّ له، هَذَا الطِّفلُ ابْنُ مَلِكٍ مَغرُورٍ، كان يَختارُ له مِنَ القوتِ ما يُلائمُ سِنَّهُ وتَكوينَهُ. فإذا بالأمير العجيب شاب قوي جميلُ الطَّلعَةِ. يُبادِلُ إخوانَهُ النُّسورَ العَيشَ وَالمَوَدَّةَ. في تِلكَ الفَتْرِةِ كَانَ المَلِكُ قَد طَعَنَ فِي السِّنِّ. وَكَانَ الْمَلِكُ قَد نَدِمَ وَأَدركَ هَوْلَ صنيعه، فبدأ بإصدار الأوامر للبحثِ عَنِ الأميرِ. إلى أَن فَقَدَ المَلِكانِ كلَّ رَجَاء في العثور على ولدِهِما. ولَمْ تُنجِبِ المَلِكَةُ أولاداً غَيْرَ ابْنِهَا الْأَوَّلِ، كانَ الحُلمُ الرَّهيبُ يَتردَّدُ على المَلِكِ تَكراراً فَيَزِيدُ اضطرابه وشقاءَهُ. وفُقدانُ الأميرِ يَعني انقراضَ السُّلالةِ المَلَكِيّةِ. وحانَتْ مِنهُمُ التفاتةٌ إِلى القِمّةِ فرَأَوْا عُشَّ نُسورٍ بَدا وكأَنَّهُ مُعلَّقٌ بَينَ السَّماءِ والأرضِ. يَلِجُ العُشَّ ويَخرُجُ مِنهُ كما يَفعلُ النّاسُ في مَنازلِهِم. ‎وبَلغَ المُسافرونَ المدينةَ فتَحدَّثوا عَمّا شاهَدوهُ فَوقَ الجبلِ. فسارَعَ يَنقُلُ القِصَّةَ إلى المَلِكِ. تَدفَّقَ الجَيشُ مِن أَبوابِ المدينةِ يَجتاحُ السَّهلَ كالسَّيلِ. ‎استقامَ المَلِكُ فَوقَ صَهْوةِ جَوادِهِ يَتفحَصُ الجبلَ مَلِيّاً. وكانَتْ نسائِمُ الجبلِ العالي تُداعِبُ شَعرَ الشّابِّ الّذي انسَدلَ على كَتِفَيهِ طويلاً ناصعَ البَياضِ. وشَرَعَ يَدورُ حَولَ السَّفحِ لاكتشافِ مَمرِّ نَحوَ القِمّةِ. ولكنَّ اللّهَ الّذي يَحكُمُ النّاسَ جَميعاً شاءَ أَن يَكونَ اليومُ يومَ فِراقٍ. أتَرى ذَلكَ الجيشَ الغَفيرَ؟ إِنَّ والدَكَ المَلِكَ على رأسِهِ، هُناكَ تاجٌ مَلَكيٌ يَنتظرُكَ ليَرْقى بكَ إلى العَرشِ. ‎استدارَ المَلِكُ نَحوَ ابنِهِ فوَجدَهُ شابّاً جميلَ الطَّلعةِ، فاحتَضنَ ابنَهُ يُقبِّلُه ويَبكي. فأَسرعَ الأَهلونَ لمُلاقاةِ الأميرِ الطَّريدِ ملاقاةَ الأبطالِ. ‎وأَمّا لقاءُ المَلِكةِ الأمِّ ووحيدِها فقَدْ كانَ مؤثراً يَفوقُ حَدَّ. ‎بِعدَ سَنواتٍ تَنازلَ المَلِكُ عَنِ العَرشِ للأَميرِ الشَّابِّ الشّائبِ.