غير أن هذا قد شق عليها فاعتزلته و حلفت ألا تكلمه، فما دخلت عليه حتى حضرته الوفاة، وقد بلغ الحقد بموسى على أمه مبلغا عظيما، فبعث إلى أمه بطعام مسموم، فجاءوا بكلب فأكل منها فتساقط لحمه، فقال لها كيف رأيت الطعام؟ فقالت وجدته طيبا، فقال: لم تأكلي ولو كنت أكلت قد استرحت منك، أما الخيزران فقد أدت فيها معاملة ولدها لها إلى سوء العلاقة بينهما، ولما علمت بعزم الهادي على خلع أخيه من ولاية العهد من بعده فاتفقت مع حاشيتها على الفتك به وذلك سنة ( 170هـ / 787م ) ، وبذلك انتهت المعركة السياسية بينهما و تخلصت من عدوها اللدود الذي كان فلذة كبدها و أحب الخلق إليها . ثم آلت الخلافة إلى ولي العهد من بعده أخيه أمير المؤمنين هارون الرشيد. وخرجت الخيزران إلى مكة في شهر رمضان فأقامت بها حتى شهدت الحج فقسمت بالمدينة أموالا طائلة وأجازت بجوائز عظيمة خصت بها قريش و الأنصار ووجوه أهلها، وزوجت أيتاما وقسمت في النساء آنية ذهب وفضة مملوءة من أنواع الطيب، وكست كسوة كثيرة وعطاءا كبيرا. وهذا إن دل على شيء فان الخيزران قد شاركت في الكثير من أعمال الخير والبر و الإحسان مما كان له أثر طيب في المجتمع، وبما أن الرشيد كان الابن الأفضل لدى الخيزران، هذه السيدة على مدى عقدين أو أكثر - مطلقة اليد وتتصرف في شؤون المملكة، بتشجيع من الخليفة دون أي اعتراض من أحد، ولم يكن لابنها الرشيد إلا الاسم دون الرسم. ويذكر أن الخيزران كانت متشوقة للبطش أكثر من الرشيد نفسه وأرادت منذ البداية أن تأمر بقتل كل من تسرع في خلع الرشيد عن ولاية العهد ودعا إلى بيعة جعفر بن موسى الهادي من القواد ورجال الحاشية، ومن هنا نلاحظ أن الخيزران أرادت أن تفرض سيطرتها على زوجها وبنيها وأن تنفرد بأمور الحكم لوحدها، ذلك أنها قد احترفت السياسة ولعبت دورا مغايرا لنساء القصر عبر عدة خلفاء وكانت هي الحاكمة المتحكمة في شؤون البلاد إلى أن وفتها المنية. باستقرائنا لمختلف النظريات التي أرخت للدولة العباسية في المشرق الإسلامي نجدها تفيد أن هذا العصر قد عرف نساءا متشبعين بالفكر السياسي بعد أن استقوه من ينابيعه الأصلية في حجتهم الأصلية للسيطرة، تمثيل هذا الحضور لا تتعدى دائرة الأصحاب وبعض الأتباع القلائل. ومما لاشك فيه أن الخيزران كانت على صلة بهذا منذ أن وطأت قدمها ارض البلاط العباسي ضمن هذه السيرورة التاريخية والتدافعات السياسية، مما جعلها تفرض نفسها وتثبت دعائمها على العامة والخاصة على حد سواء ومما يترجم ذلك مختلف الجهودات النظرية أنه قد كان لدسائس الجواري ومدى ضعف الخلفاء، إزائهن أثر بالغ في المملكة فعلى الرغم من أن الخليقة محمد المهدي كان ثالث خليفة عباسي حكم البلاد، إلا أنه كان متأثرا بالخيزران وهذا إن دل على شيء فهو يدل على حجم الضعف الذي كان عليه بعض الخلفاء العباسيين أمام النساء ولاسيما الجواري، فضلا عن ذلك فقد تدخلت كثيرا من شؤون السياسة فهي التي دفعت الخليفة محمد المهدي على مبايعة ولدها موسى الهادي وهارون الرشيد للخلافة،