خصائص النظرية البنائية في عملية التعلّمُ/التعليم إن الممارسات البنائية التعليمية سواء أكانت في مجالات العلوم أم الدراسات الاجتماعية أم الرياضيات أم القراءة والكتابة فإنها تتصف بالمميزات المشتركة الآتية : تنظم التعلّمُ والتعليم حول أفكار أو محاور كبيرة مهمة. تنظيم التعلّمُ والتعليم حول أفكار أو محاور كبيرة مهمة أبدت إحدى المعلّمات استياءها من الطريقة المتبّعة في كتاب التاريخ في معالجة موضوع الحرب العالمية الأولى، إذ شعرت بأن تلامذتها (الصف الأول الثانوي) فهموا بأن أسباب الحرب ناتجة من اغتيال شخص في عربته. وهي تمتد بجذورها إلى تاريخ قديم. ومن أجل أن تحّول تفكير تلامذتها نحو فهم تعقيدات أسباب الحرب العالمية الأولى، ينظر المتعلّمون إلى التعلّمُ بأنه يشتمل على تذكُّر الحقائق، على أنه هدف (Breitex and Scard malia 89) وبكلمات أخرى فإنهم لا يتابعون الدرس بغرض التعلُّم بل بفكرة تنطوي على كتابة الفروض وتنفيذ الأنشطة والنجاح في الامتحانات. يعتقد علماء النفس المعرفيون بأن نظرة المتعلّمِين للتعلّمُ على أنه مجرد نشاط وليس غاية، إلى أن يكونوا سلبيين خلال الدرس. فكيف يستطيع المعلّم أن يحوّل النظرة إلى الهدف وليس إلى النشاط؟ وهنا يشير المعرفيون إلى أهمية دور المعلّمِ في أثناء الدرس إذ ينبغي عليه أن يباشر في شرح المفاهيم الأولية والتعميمات، إن المناهج والكتب المدرسية تخلو نسبيّاً من المحاور والأفكار العامة والمبادئ، أما النظرية البنائية في التعليم عن الحروب فإنها تشدد على انخراط المتعلِّم في قضايا تدور حول النزاعات الإنسانية، أما الحروب فإنها تقدم كمجموعة من الأحداث تساعد المتعلّم على بناء مفهوم أوسع حول التاريخ. وعندها يأتي دور المعلّم في تنظيم التعلّم حول أفكار عامة ومبادئ وتعميمات. وإن أفضل طريقة كي يسترجع المعلّمِون المعرفة ويطبقوها هي طريقة الوضعية- المشكلة (problem- situation) التي تثيرهم وتحضّهم على التفكير والتنظيم وحل المشكلات. وقد ظهرت أهمية تركيز الدروس وتوسيعها حول أفكار أو محاور في محاولات عدة لإصلاح المناهج خلال العقد الأخير من القرن العشرين. كما قدّمَ منهج فنون اللغة القراءة في مضمون يركِّز على المحاور كالخيال والواقع، وإن الخلفية العقلانية المنطقية التي تستند إليها هذه التغيرات هي اعتبار المتعلّمين قادرين على تعلّم المعنى والاستيعاب من خلال تنظيم المعلومات بأنفسهم، وكلما قُدّمِت الدروس على شكل بنيات كبيرة من المعرفة -كالمفاهيم والتعميمات والمحاور- كلما قام المتعلّمون بربط ما يتعلّمونه بخبراتهم السابقة. وأن "الحرب كانت بسبب خلاف على أرض أو كلة"، فالمعرفيون البنائيون يؤكدون على أن المتعلّمين يحاولون دائمًا إيجاد معنى لكل ما يتعلّمونه. فالسلوكيون يرون المعلومات الأولية على أنها استعداد للتعلّم، وعندما تكون المعلومات ناقصة فإن دور المعلّم هو ببساطة كليّة تقديم المعلومات الجديدة للمتعلّم كي يكتسبها. أما المعرفيون فإنهم ينظرون إلى المعلومات المكتسبة (المعرفة المسبقة) على أنها بناء معرفي – أو تصورات تتطلب فهمًا أعمق، (Floden 1991) كان "دايفيد أوزوبل" أول عالم نفس تربوي أميركي تحدث عن أهمية المعرفة المكتسبة كبنى معرفية أو شيماته (schemata) للوصول إلى تعلّم ذي معنى. وأعلن بأن الأفراد يتعلّمَون عندما يحوّلِون المادة الجديدة إلى شيماته (schemata) يعيدون بناءها أو تكييفها ضمن اطار بنيوي خاص بهم. فإن مفهوم "المنظّم المتقدّم أو التمهيدي (advanced organizer)" يقدّم للمتعلّمِين الدعم التعليمي الذي يسهّلِ التعلّم ذا المعنى، وهو أي المنظّم المتقدّم خلاصة المفاهيم والتعميمات والأفكار التي يتم تعلمها، والمعروضة على مستوى شامل وعام. ويعتقد أوزوبل بأن "المنظّم المتقدّم" يساعد المتعلمين على بناء معرفتهم الجديدة. والمقدمات والخلاصات والأسئلة في نهاية الفصل قبل قراءة النص المطلوب معالجته. لنفترض مثلاً أنك تعلّم عن الحرب العالمية الأولى، ولن يبذلوا جهدًا لبناء منهجهم حول ما يتعلمون وسيتعاطون بسلبية مع الدرس. ولكن إذا امتلكوا أفكارًا ومعلومات عن الدرس أو إذا حاول المعلّم تنظيم الدرس حول عناوين كبيرة أو محاور حيث يستطيع المتعلّمون أن يبنوا عليها، فإنهم ولا شك سيندمجون في التفكير الفاعل الذي ينتج منه تعلّم له معنى وتذكّر. يعتبر المعرفيون بأن الأهمية ليست لكمية المعلومات المقدّمة للمتعلّمين بل في كيفية تحويلها إلى معلومات ذات معنى بحيث يمكن فهمها واستخدامها بطريقة أفضل. والتعلّم بالاكتشاف وحل المشكلات. كما أن ذكر أهداف الدرس للمتعلّمين ينبّهِهم إلى ما سيتعلمونه والى ما سيصبحون قادرين على عمله في نهاية الدرس. ويركزون أيضًا على إعطاء أمثلة حسية من الحياة الواقعية وإلى السؤال عن رأي المتعلّمين الشخصي في كيفية الاستفادة من المعلومات الجديدة في حياتهم الاجتماعية. أي عندما يحوّل المعلّم تدريجيًا عملية التعليم نحو المتعلّمين فيصبحون هم مسؤولين عن تعليم زملائهم متبعين أسلوب النمذجة (modeling). ويمكن للمعلّمِ هنا بعد أن يشرح مفهومًا معينًا، كما يمكن للمعلّم بعد إنجاز عمل معين أن يطلب إلى بعض التلامذة إعادة شرح عملية الوصول إلى الإنجاز على اللوح وأمام جميع المتعلّمين. التي تعتبر من أهم الطرائق المرتكزة على النظرية البنائية والتي كان من روادها عالم النفس السويسري جان بياجيه، وهذه الطريقة تشدّد على فهم المتعلّمِين وسعيهم للحصول على المعلومات والخبرات بأنفسهم. بالإضافة إلى إعادة النظر بأساليب تفكيرهم الأصلية. ويرى أنصار هذه الطريقة بأن التعلّم ذا المعنى يتحقق للتلامذة عندما يعملون فرديّاً وجماعيّاً، ولا سيما عندما ينفّذون الأنشطة التي تتطلب عمل فرق بشكل تعاوني، وعندما يدركون شخصيّاً ويفهمون أشياء بأنفسهم بدلاً من تلقيّها من أشخاص آخرين. وأخيرًا في طريقة حل المشكلات (problem- solving) ولاسيما في التعامل مع المشكلات ذات التنظيم أو البناء الضعيف، وهي غالبًا ما تكون مشكلات نواجهها في حياتنا اليومية. لا توجد إجراءات بسيطة محدّدة يمكن تطبيقها للوصول إلى حلول معينة، مثل: كيف يمكنني أن أستفيد من أوقات فراغي بشكل أفضل؟ أو كيف يمكنني أن أجعل درسي محور جذب لانتباه المتعلّمين؟ وعندما يسال المتعلّمون وإذا حاولنا التطرّق إلى الاستراتيجيات الفكرية المتبعة في حل المشكلات الحياتية المعيشة، نرى كيف أن الخطوات المتبعة في استراتيجية حل المشكلات هذه تجعل الموضوع أو المواضيع الفرعية ذات معنى بالنسبة للمتعلّمين، - تعيين المشكلات أو العوائق. وقد تكون المعتقدات قوية بحيث يتجاهل المتعلّمِون العبارات التي لا يوافقون عليها أو الأشياء التي يرفضون رؤيتها بشكل صحيح. فإذا قدّمت مثلاً درسًا في العلوم ممهدًا بما يأتي: إن الكائنات الصغيرة (germs) تدخل أجسامنا لتعيش فيها بهدوء وتأكل وتنمو. في حين ينظر التلامذة إلى هذه الكائنات على أنها تهدّد الجسم وتؤذيه أكثر من كونها مجرد أجسام تسعى إلى السلام في هذه البيئة الجديدة. ويمكن أن يطبق هذا النزاع في الدراسات الاجتماعية عندما يتحدّى المعلِّمون المعلومات المكتسبة حول حوادث معينة، وفي اللغة العربية عندما يطلبون إلى المتعلّمين التنبؤ حول ما يمكن أن يحصل عند قراءة قصة أو نص معين ، إلى أن أفضل سبيل لخلق هذا التحدي هو في تصميم دروس يمكنها أن تخلق نزاعًا أفهوميّاً، إفساح المجال للشكّ وعدم اليقين يعتقد البنائيون بأن حل المشكلات نادرًا ما يؤدّي إلى حلول سريعة وبسيطة وصحيحة. فإن المشكلات العالمية معقدة ومركزة وغير منظمة وغالبًا ما تكون الحلول عديدة ومتنوعة. يعتبر البنائيون تعليم الخط على أنه حل لمشكلة لأنه يتضمن اكتشاف المشكلة، لكن الخط في الوقت عينه، لم يعتبره البعض حلاّ لمشكلة لأنه محدود في الفكرة والمجال. هذا إذا اعتبرنا بأن مهمة التلميذ تكمن في الوصول إلى الجواب الصحيح أكثر من الاقتناع أو التعبير. وقد قدم علماء النفس المعرفيون والبنائيون تجديدات حول تعليم الكتابة، تشدد على أن تعليم الكتابة يمرّ في تعليم المتعلّمِين لمقاربة الكتابة من طريق أنشطة حل المشكلة. التي تعتبر إجراءات عملية تقود التلامذة إلى تغيير أهدافهم واتباع المرونة في ضوء عدم التلاؤم او الوصول إلى معلومات متناقضة. وتمت مراجعة العديد من الاستراتيجيات لمساعدة المتعلّمين على التذكّر، ويجد المتعلّمِون القصديون أنفسهم مسؤولين عن تعلّمهم بمعنى أنهم يجدون أنفسهم لا المعلّمِين مسؤولين عن إدارة قدراتهم الذاتية للتعلّم. وإن المتعلّم الجيد يكون على مسافة أقرب من إدراكه وتقييمه لاستيعابه الذاتي أكثر من المتعلِّم العادي. وإن استخدام المتعلّم لاستراتيجيات معرفية وإدارتها يمكن تلخيصها في خطاب "برايتر" في قوله: "نحن نصل إلى الاستنتاجات ذاتها من خلال عدة طرائق : ولكي نعرف ماذا يعلّم في المدارس فإنه ينبغي على المتعلّمين أن يبذلوا مجهودات فكرية متضمنة في الأنشطة المدرسية. ومن دون هذا التعلّمُ القصدي المرتكز على مهارات التفكير، جعل التعلّم مغامرة معرفية تعاونية واستنادًا إلى نظرية التعلّم المعرفية، بالينسكار 89) بالإضافة إلى وجود عوامل أخرى تجعل من التعلّمُ الذي يتم في محيط اجتماعي أكثر أهمية وفاعلية، ولنطّلع على بعض هذه العوامل: أ- النمو في المفاهيم: Conceptual Growth إن التعلّم الفريقي أو الجماعي هو قوة أساسية لتعزيز النمو في المفاهيم كما يشير إلى ذلك كل من براون وكامبيون في العام 86 فالتعليم الجماعي يدفع المتعلّمِين الى تكييف تفكيرهم بما يتناسب مع الآخرين. ب- الدعم الاجتماعي: Social Support فالتعليم الجماعي وحل المشكلات يسمح للمتعلّمِين معرفة وتصوّر ولعب أدوار وتحمّل مسؤوليات مختلفة (مثلاً: الباحث، فإن استراتيجيات التفكير غالبًا ما تظهر وتصبح واضحة. فالأبحاث حول التعلّم الاجتماعي يبيّن بأن الأطفال يتعلّمَون بعضهم من بعض طرائق التفكير الجيد كما أشار إلى ذلك . عالم النفس زيمرمان عام 1990. تقييم تحصيل المتعلّم خلال الدرس وتقليديّاً يجري الامتحان بعد الانتهاء من الدرس أو الوحدة أو بعد فصل دراسي أو مدة معينة. ويعتقد علماء النفس المعرفيون بأن فصل الامتحان عن الدرس يؤدي إلى نتائج مخيّبة للآمال (Wiggins) لأنه أولاً، لا يحصل المتعلّمون على تغذية راجعة حول إجاباتهم إلا بعد فترة طويلة من إنجازهم الحقيقي. قد يفقد المتعلّمون الارتباطات بين ما يحدث في الصف وما يحدث في يوم الامتحان، يقدّم للمتعلّمين تغذية راجعة مباشرة تسمح لهم بإدراك الارتباطات والعلاقات بين موضوع الدرس والامتحان،