إن ضعف النهج التعددي ليس خطأ الحكومة الأمريكية وحدها بأي حال من الأحوال. فقد سعت الصين إلى توسيع نطاق برنامج الأسلحة النووية الخاص بها، وتزايد اتسام السياسة الخارجية الروسية تحت حكم الرئيس بوتين بالنزعة الانتقامية؛ أي الرغبة في استعادة السيطرة — أو على الأقل الهيمنة — على ما فقدته من أراضٍ؛ فقد استند بوتين في اعتلائه سُدة الحكم في روسيا — إلى حدٍّ ما — على وعده باستخدام القوة العسكرية الروسية لمنع الشيشان من الانفصال عن الاتحاد الروسي، وساند بوتين أيضًا إقليمين انفصاليين في جورجيا، التي تأسست عام ١٩٩١ كإطار لحفظ الصلات بين روسيا والجمهوريات حديثة الاستقلال. قد تكوِّن تنظيمًا إقليميًّا خاصًّا بها لتعزيز القيم الديمقراطية. نرى في جميع تلك الاتجاهات دليلًا على أنه، فإن ما نراه حقيقةً هو الواقع الدائم لمنظومة الدول المستقلة ذات السيادة التي نعيش فيها: التنافس والصراع فيما بين القوى الكبرى، على الصعيدين العالمي والإقليمي على حد السواء. ويتغير الاستحواذ على الإمكانات العسكرية والاقتصادية والعلمية والتكنولوجية باستمرار، ثمة توازنات مهمة بين الصين واليابان، وبين إسرائيل والدول التي تتزعم العالم الإسلامي (مصر وإيران وباكستان والمملكة العربية السعودية). والنتيجة الطبيعية الحتمية المترتبة على وجود منظومة دولية من الدول التي تتسم بطبعها بالفوضى، دون وجود قوة واحدة قادرة على السيطرة على العالم في صورة نوع من الإمبراطورية العالمية — هي أن تواجه الدول «المعضلة الأمنية» التي ستفضي استجابتها لها إلى إطالة أمد انعدام الأمن والنزاع. وفي العلاقات بين الدول، عندما تقرر الدول التي تشعر بتزايد ضعفها وانعدام أمنها أن تستثمر في تعزيز أمنها الخاص، الذي استخدم فيه نظرية الألعاب ليبين أنه إذا كانت الحرب مكلفة والسلام مفيدًا، فإذا أمكن إثبات أن الحرب عالية التكلفة والخطورة، على العلاقات مع الجهات الفاعلة من غير الدول، عندما تطلب النصح من قيادات القوات المسلحة. ومن المفيد أن نذكر أن الحلفاء لم يتمكنوا من تحقيق النصر في الحرب العالمية الثانية إلا بشق الأنفس، وتفوقهم في مجال تكنولوجيا الأسلحة النووية، الذي عانته تشيكوسلوفاكيا وألمانيا الشرقية وبولندا والمجر، إن أكثر قواعد إدارة الدول حكمةً هي التي أدلى بها فيجيتيوس، فإن مجرد امتلاك كميات كبيرة من الأسلحة وأعداد كبيرة من القوات لا يعني بالضرورة أن مثل تلك الدولة الحصينة ستتحول إلى دولة معتدية. فأمور عديدة ستتوقف على الحنكة السياسية لزعماء الدول وعلى طريقة استجابتهم للضغط المتولِّد عن الأحداث. بل إنَّ الديمقراطيات القوية — كما سنرى في القسم التالي — لديها سجلٌّ حافل بالتدخلات القمعية في إطار سياساتها الخارجية والأمنية في السنوات الأخيرة. مستخدمةً في كثير من الأحيان قوة نارية واسعة النطاق، أي جلْب الموت والدمار على السكان المدنيين. ٤) الدول القمعية والدول الليبرالية إن القمع هو استخدام القوة المادية أو التهديد باستخدامها بغرض الإجبار أو الإقناع أو التقييد. وجميع الدول قمعية بطبعها؛ إذ إن جميع الحكومات والنظم تحتاج إلى استخدام القوة لفرض القانون، والحركة الوحيدة التي تعارضُ من حيث المبدأ سلطاتِ الحكومة وإعمال الدولة للأنظمة القانونية، التي تعضدها ضمنيًّا القوة القمعية؛ تُظهر دراسة أُجريت عن النظم السياسية الحالية في العالم الحديث أن ثمة اختلافات بيِّنة في درجة القمع الذي تُعمله الدول. فمن ناحية ثمة دول تتميز بعناصر قوية من الليبرالية والديمقراطية، وتُصان سيادة القانون في ظِل سلطة قضائية مستقلة. وفي هذه الدول الديمقراطية الليبرالية لا تمثِّل القدرات القمعية لدى الحكومة وقوات الأمن التابعة لها — في الأوقات العادية — جانبًا مخيفًا ودائم الوجود في الحياة اليومية، وتكون الشرطة مُدرَّبة على استخدام الحد الأدنى من القوة، وعلى الرغم من أن الحرب على الإرهاب التي شُنَّت منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر أدَّت بالعديد من الديمقراطيات إلى اتخاذ تدابير أقوى لمكافحة الإرهاب، فلم يسفر ذلك في أي حالة عن الانقلاب على المؤسسات الديمقراطية والتخلي عن القيم الليبرالية. وتمثِّل رواية أورويل «١٩٨٤» رواية أخلاقية ثمينة بالنسبة إلى زمننا، فيما يتعلق باحترام القيم الديمقراطية الليبرالية، فثمة أمثلة عديدة على إساءة استخدام السلطات القمعية. وحتى أعظم ديمقراطية في العالم — الولايات المتحدة الأمريكية — تحمل سجلًّا حافلًا بإساءات استخدام خطيرة للسلطات القمعية لدى الدولة، فعلى سبيل المثال، بل أمَدَّتها في كثير من الأحيان بمساعدات مادية ولوجيستية وعسكرية جوهرية لمواصلة انتهاكاتها لحقوق الإنسان. على سبيل المثال: احتجاز السجناء طويل الأمد دون محاكمة بزعم ضلوعهم في جرائم إرهاب، وتسليم المشتبه بهم بغرض استجوابهم إلى نُظُم يمارَس فيها التعذيب بصورة اعتيادية. ونظام بول بوت في كمبوديا. بيد أن ثمة بعض التحذيرات المهمة التي يجب أن تؤخذ في الاعتبار عند تصنيف الدول استنادًا إلى درجة إعمالها للقمع؛ أولًا: ستكون تفاوتات هائلة في مقدار القمع المستخدم داخليًّا استنادًا إلى التغيرات الحادثة في نوع النظام. على سبيل المثال: انطوت نيجيريا على مستويات مرتفعة للغاية من القمع عندما تأسست ولاية بيافرا الانفصالية لفترة وجيزة، حيث واجهت المملكة التي سادها السلام سابقًا تمرد جماعات ماوية مسلحة. ثمة تفاوتات هائلة في استخدام الدول المقْدمة على حرب كاملة — أو متورطة فيها — للقمع. على سبيل المثال: كانت عملية الصدمة والرعب — التي نفذتها الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة عند غزو العراق عام ٢٠٠٣ — أحدَ أوضحِ الأمثلة على استخدام القوة العسكرية على نحو واسع النطاق؛ إذ مثلت استخدامًا متعمدًا للقوة العسكرية القمعية لإشعال فتيل حرب لم تحصل على أمر رسمي بالموافقة عليها من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. فعلى الرغم من أن الولايات المتحدة والمملكة المتحدة تقعان ضمن فئة الديمقراطيات الأقل اعتمادًا على استخدام القوة القمعية، أو على التهديد باستخدامها في الحكم الداخلي؛ فكلاهما ضالع في استخدام القمع الشديد كأداة من أدوات السياسة الخارجية. تصنيف الدول حسب مدى اعتمادها على القمع في سياساتها ٥) القمع الاقتصادي من الخطأ أن ننظر إلى استخدام قوات الجيش أو الشرطة على أنه الشكل الوحيد للقمع المتاح للدولة. ففي السياسات الداخلية قد تقْدم الدولة على تطبيق تدابير اقتصادية تعسفية، واستغلال سيطرة الدولة على الاقتصاد استغلالًا ضاريًا إلى حد بعيد في بلدان مثل كوريا الشمالية وروسيا البيضاء. على سبيل المثال: بين العامل وصاحب العمل، قد لا يتاح أمامه بديل واقعي سوى القبول بوظيفة متدنية الأجر بظروف عمل متدنية كي يعول أسرته. ولكنه أيضًا ليس قمعًا تفرضه الدولة، لذا فأنا أستبعد ما يسمى «العنف الهيكلي» في المجتمعات الرأسمالية من السلطات القمعية التي تستخدمها الدول. إلا أن ثمة نماذج لا حصر لها لدول تستخدم تدابير اقتصادية قمعية في صورة عقوبات كأداة من أدوات السياسة الخارجية، عندما أعلن استقلاله عام ١٩٦٥؛ وكان مثالًا صارخًا آخر على قوة العقوبات الاقتصادية، فثمة اتفاق سائد على أن العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية والمجتمع الدولي عام ١٩٩١، فيما يتعلق بليبيَّين متهمَين بالتورط في التفجير التخريبي لطائرة بان آم ١٠٣ فوق لوكيربي في اسكتلندا في ديسمبر ١٩٨٨، لعبت دورًا كبيرًا في إقناع العقيد القذافي بتسليم الشخصين المشتبه بهما للمحاكمة على يد قضاة اسكتلنديين في هولندا. حظرَ تصدير المواد الحيوية لتكنولوجيا صناعة الطاقة إلى ليبيا، وفرض قيود على التجارة منعت ليبيا من توسيع نطاق تجارتها مع بلدان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، في وقت كان النظام فيه في أمسِّ الحاجة إلى تعميق الروابط الاقتصادية التي تربطه بالبلدان الغربية، وإلى اجتذاب الاستثمارات الرأسمالية الغربية. وكان حظر الطيران المباشر إلى ليبيا أقل أهمية بكثير من منطلق اقتصادي، ولكنه كان مهينًا بالنسبة إلى نظام القذافي. ويمكن للعقوبات الاقتصادية المنتقاة بعناية والموجَّهة أن تقمع أنظمة بعينها في ظروف محددة،