شغلت قضيّة النّهضة من حيث نشأتها وتكوّنها وتطوّرها حيّزا هاما من كتابات مالك بن نبي، فقد كان منهجه تحليل السّبل التي من شأنها أن تسهم في تحديد الكيفيّة التي تبني بها الأمم حضاراتها، وهذا لا يتأتّى إلا بمعرفة أسس البناء وإدراك عوامل الهدم وفهمهما فهما دقيقا من خلال النّظر في تاريخ الحضارات السّابقة، فهي كالسّلسلة الواحدة والأمم حلقاتها كما شبّهها ابن نبي، فكلّ أمّة من هذه الأمم مجبرة على القيام بدورها ضمن الحلقة الخاصّة بها ضمن إطار زمني محدّد والتّاريخ كفيل بالحكم عليها من حيثُ نجاحها أو فشلها، ويرى ابن نبي أن تكوين الحضارة إنّما يكون في نفس الظّروف والشّروط التي قامت بها الحضارة الأولى مستشهدا على ذلك بالحضارة الإسلاميّة في عصورها الزّاهرة. كما سلّط ابن نبي الضّوء على علاقة رجال الدّين بالمناخ السّياسي السّائد وتأثير ذلك على نهضة الأمم وتطوّرها، وهكذا أتيح للإصلاح أن يمسك مقاليد النّهضة الجزائرية، بل برز بشكل واضح في السّنوات الأخيرة في بلداننا العربيّة من خلال استغلال بعض رجال الدّين مطيّة لنشر ودعم تصوّرات الحكّام لقضايا سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة تضمن لهم الاستمراريّة في الحكم ووأد أي تغيير من شأنه أن يخلق معارضة لهم أو للسّياسات التي يتبنّونها. إن الحكم الدكتاتوريّ القائم على بثّ الخوف في نفس كل طامح للتّغيير وإسكات أيّ صوت معارض لا يمكن أن يساهم في نهضة الأمم وازدهارها، فمثل هذه الحضارة إن وُجدت لا يمكن أن تبقى، لهذا فالتغيير يعدّ من بين أهمّ الشّروط التي تقوم عليها أي حضارة وأساس كلّ نهضة، لخّصها مالك بن نبي في قوله: "وإنها لشرعة السماء، فالتّغيير يبدأ بنثر بذور الإصلاح في نفوس الأجيال من خلال تقديس الهيكلين الأساسيين المسجد والمدرسة باعتبارهما منطلقا للبعث الرّوحي والبعث الفكري اللذين هما عماد كلّ حضارة كما وصفهما ابن نبي، وهذا ما يُلاحظ اليوم في بلداننا العربية من خلال توجيه الخطاب الديني لخدمة مصالح شخصية ضيقة وحصره في مواضيع معينة وإهمال أخرى مع مساواتها لها في الأهمية بل يشكّل بعضها ركيزة أساسية لبناء أيّ حضارة وبعث أيّ نهضة، ونظرا لأهمية الجانب الروحي والجانب الفكري فقد كان لهما دور محوري بارز في حضارتنا الإسلاميّة من دار الأرقم بن أبي الأرقم إلى المسجد النّبوي زُرعت بذور العلم والمعرفة فأنبتت رجالا تشبّعوا روحيّا وفكريّا فأينعت أعظم حضارة في التاريخ. وحتى يكون العلاج ناجعا ينبغي أن يكون التّشخيص دقيقا، ومنه يقول ابن نبي: "… نجد كلّ مصلح قد وصف الوضع الرّاهن تبعا لرأيه أو مزاجه أو مهنته، بينما قد رأى رجل دين كالشّيخ محمد عبده لا تحلّ إلا بإصلاح العقيدة والوعظ" وهذا الوصف في رأي ابن نبي لا ينطبق على المرض بل على أعراضه، وهنا تكمن مشكلة العالم العربي الذي حاول حلّ مشكلاته من خلال استيراد حضارة جاهزة،