سبق أن أشرنا إلى أن كلمة خوارج أطلقت على أولئك النقر الذين خرجوا على علي بن أبي طالب بعد قبوله التحكيم عقب معركة "صفين" إذا اعتبر هؤلاء التحكيم خطيئة تؤدي إلى الكفر، ومن ثم طلبوا من "علي" أن يتوب من هذا الذنب وانتهى الأمر بأن خرجوا من معسكره. وقد قبل الخوارج هذه التسمية، ولكنهم فسروا الخروج بأنه خروج من بيوتهم جهاداً في سبيل الله، وفقاً لقوله تعالى: ﴿ وَمَن يَخْرُج من بيته مهاجرا إلى الله وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾ [النساء : ١٠٠). وقد أطلق على الخوارج أيضاً اسم "الشراة" وربما يكونون هم الذين وصفوا أنفسهم بذلك؛ الأمر الذي أدى ببعض مؤرخي الفرق إلى اعتبار الخروج تياراً عاماً يشير إلى كل من خرج على الإمام الحق، أو كان بعدهم على التابعين، كما ذكرالإمام أحمد بن حنبل، وقد أورد كل من البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي سعيد الخدري أنه قال : "بعث علي بن أبي طالب إلى رسول الله ﷺ من اليمن بذهبة في أديم مقروط لم تحصل من ترابها، قال فقسمها بين أربعة نفر بين عيينة بن حصن، والأفرع بن حابس، والرابع إما علقمة بن علاثة، وإما عامر بن الطفيل. فقال رجل من أصحابه: كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء. فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال : "الا تأمنوني، قال: فقام رجل غائر العينين مشرف الوجنتين ناشر الجبهة كث اللحية محلوق الرأس مشمر الإزار، فقال : يا رسول الله اتق الله . أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله ؟ قال : ثم ولى الرجل، فقال خالد بن الوليد : يا رسول الله إلا أضرب عنقه ؟ فقال : لا ، قال خالد : وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه ؟ فقال رسول الله ﷺ : إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس، قال أظنه قال : لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود (۱) . عن علي رواية أنه قال : إذا حدثتكم عن رسول الله ﷺ حديثاً، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول : ( سيخرج قوم في آخر الزمان حداث الأسنان، يقولون من خير قول البرية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم يوم القيامة (٢) . أو عبد الله بن ذي الخويصرة، عن أبي سعيد الخدري قال: "بينا النبي الله يقسم جاء عبد الله بن ذي الخويصرة التميمي فقال : اعدل يا رسول الله، قال عمر بن الخطاب : دعنى أضرب عنقه، آيتهم رجل إحدى يديه أو قال : ثدييه، أو قال : مثل البضعة تدر در يخرجون على حين فرقة من الناس. قال أبو سعيد : أشهد أني سمعت من النبي ﷺ ، وأنا معه جيء بالرجل على النعت الذي نعته النبي ﷺ ، وتذكر المصادر أن ذا الخويصرة هذا هو حرقوص بن زهير السعدي، ويذهب ابن الجوزي إلى أنه أول خارجي خرج في الإسلام آفته أنه رضي برأي نفسه، ولو وقف لعلم أنه لا رأي فوق رأي رسول الله ﷺ (۱). كما أنه كان من قادة الخوارج الذين انشقوا على "علي بن أبي طالب، وكان من أشد الخوارج على علي كة، وقتل في معركة النهروان سنة سبع وثلاثين (٢). ورغم الارتباط الفعلي بين ذي الخويصرة، وانحازوا إلى حروراء وعينوا شبث بن ربعي التميمي ليكون أميراً عليهم للقتال، وجعلوا عبد الله بن الكواء اليشكري أميراً للصلاة، وأعلنوا أن الأمر شورى بعد الفتح، فإن الخليفة علياً حاول أن يقنعهم بالرجوع إلى صوابهم، وحينما سألهم ابن عباس عن الأسباب التي دفعت بهم إلى مفارقة معسكر الخليفة قالوا بأنهم نقموا عليه ثلاثة أمور : 1- أنه بقبوله "التحكيم قد حكم الرجال في أمر الله، حتى يظهرحكم الله. ولم يأخذ غنائمهم . وغنيمة أموالهم وذراريهم، أو كافر، 3- وأخيراً، فإن علياً بقبوله و التحكيم قد محا نفسه عن إمرة المؤمنين (*) وفي رأيهم أنه إن لم يكن أمير المؤمنين، فإنه لأمير الكافرين (۱). وقد بين لهم ابن عباس خطاهم في هذه الآراء، إذ ورد في القرآن فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا ﴾ [النساء: ١٣٥، وقال: إن يُريدا إصلاحا يوفق الله بينهما . فقد خالف كتاب الله . وذكر ابن عباس لهم، أن التحكيم في أمر أميرين، والتحكيم لأجل الصيد. أما بالنسبة للقضية الثانية. فقد أشار ابن عباس إلى أنه كان من ضمن القوم المقاتلين في معركة الجمل أم المؤمنين عائشة. فهل يسبي الخوارج أمهم، أم ينكرون أنها أمهم؟ وقال لهم ابن عباس : فوالله لئن قلتم : ليست بأمنا خرجتم من الإسلام، لقد خرجتم من الإسلام، لأن الله تعالى قال: ﴿ النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ﴾ [الأحزاب: 1] . وهذا خلاف القرآن، [الحجرات: ٩] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخْوَيْكُمْ ﴾ [الحجرات : ١٠]. فأخبر الله تعالى بأنهم مؤمنون مقتتلون، ودل القرآن على إيمانهم وأخوتهم مع وجود الاقتتال والبغي، وأما القضية الثالثة، عن نفسه أمير المؤمنين، وذلك حينما قال لعلي في صلح الحديبية : اكتب لهم كتاباً فكتب علي : هذا ما اصطلح عليه محمد رسول الله، فقال المشركون : والله ما نعلم أنك رسول الله، لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك . وقد محا نفسه (۱). بهذه الحجج القوية استطاع ابن عباس (۲)، أن يرد طائفة كبيرة من الخوارج إلى الحق والصواب، ويقال : إنه لما عاد ابن عباس إلى علي سأله عن الخوارج إن كانوا منافقين. فقال ابن عباس : "والله ما سيماهم بسيماء المنافقين، فخرج إليهم بنفسه، وذكرهم بموافقتهم السابقة على الهدنة، وأخيرا عادوا معه إلى الكوفة، وأصبحوا يرددون أن لا حكم إلا لله ، سياسة لينة محاولاً إقناعهم بالحجة، ولا نقاتلكم حتى تبدؤونا " (٢) . وقبل أن يحين موعد "التحكيم جاء بعض الخوارج إلى علي طالبين منه الرجوع عن التحكيم، فلم يجبهم إلى ذلك مؤكداً أنه لا يخلف العهد والميثاق، وأنه يستجيب إلى أمر الله الذي يقول : وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بعد توكيدها وقَدْ جَعَلْتُمُ الله عَلَيْكُمْ كفيلاً) [النحل: ٩١). وعرضوا الأمر على بعض زعمائهم فرفضوا . ونزلوا النهروان، ويتجمعوا هناك (١) . وبعد أن صدر قرار التحكيم، بدأ علي يستعد الغزو الشام، ورد المخالفين إلى صفوف الجماعة. واستطاع "علي"أن يقنع هؤلاء بأن الخطر الحقيقي يكمن في الشام، واستحلالهم لدماء المسلمين وأموالهم، الذي لقوه في طريقهم، وقالوا له : هل سمعت من أبيك حديثاً عن رسول الله ﷺ تحدثناه؟ قال : نعم، فكن عبد الله المقتول . فذكرهما بكل خير، فجعله محقاً في أولها وآخرها، وعن علي قبل التحكيم وبعده، فأخذوا عليه بذلك أنه لا يتبع الهدى، حينئذ لم يجد علي بدأ من الاستجابة لطلب أتباعه الذين رأوا ضرورة المسير إلى الخوارج؛ ليفرغوا منهم قبل التوجه إلى الشام، ولما قابل "علي" الخوارج طلب منهم تسليم قتلة عبد الله بن خباب للقصاص منهم، فقالوا: كلنا قتلناه (۲) ، فصمم على قتالهم بعد أن تبين له أنهم الفئة الخارجة التي أشار إليها الرسول عليه الصلاة والسلام في أحاديثه وخطب علي أصحابه، وأخبرهم بما سمع عن رسول الله ﷺ في شأن الخوارج، وأغاروا على سرح الناس. وكانت ذكرى الموقعة دافعاً لهم إلى مزيد من العنف، والإباضية وغيرهم، ولما تولى الخلافة عمر بن عبد العزيز حاول أن يردهم إلى الحق (۲)، كما حاول علي بن أبي طالب من قبل، إذ رأى من بينهم كما قال : أناساً قد ضللوا فضلوا، وردهم إلى الصواب، وهكذا استمر الخوارج شوكة في جنب الدولة الأموية يجهدون، وبعض مناطق من اليمن والجزيرة، الخوارج بالجزيرة عام ۱۳۸ هـ وقتل منهم عدد كبير (٤) . دامت خمس عشرة سنة، وقتل فيها خلال ٣٧٥ موقعة ما يربو على الثلاثين الفا (۱). وفي عهد المهدي خرج يوسف بن إبراهيم المعروف بالبرم بخراسان (۲)،