يؤكد «ريبو» أن الميل يسبق الإحساس باللذة وليس العكس، فالميل هو الحقيقة الأولية في الحياة العاطفية، حيث يتولد الشعور باللذة أو الألم كنتيجة للميل الكامن في داخل الإنسان. ويرى أن الميل أعمى، وعندما يحقق غرضه، يجد الفرد في ذلك إشباعًا ولذة، مما يدفعه إلى تطلبه من جديد. في منظور ريبو، لا يمكن دراسة الحياة الباطنية للإنسان بشكل موضوعي، بل يقتصر ما يمكن تحقيقه على دراسة تصرفاته الظاهرة التي تكشف عن ميوله. لذلك، يعتبر أن ميول الكائنات الحية، وخاصة الإنسان، تتجلى بوضوح في حركاتها وسلوكها، مما يعني أن أي ميل يتم التعبير عنه جليًا من خلال الحركات التي يقوم بها الفرد. والميل، في رأيه، ليس شيئًا غامضًا، بل هو حركة تحدث بالفعل أو حركة في طور التكوّن والاستعداد. وفي مسعى منه لمنح الميل مزيدًا من الأهمية والوضوح، يعمد ريبو إلى ربطه بآلية فيزيولوجية تظهر على ملامح الوجه وأطراف الجسد. فالميل هو حالة من التأهب والتهيؤ للحركة قبل وقوعها فعليًا. فالحيوان المفترس الذي ينهش فريسته بأنيابه، على سبيل المثال، يقوم بذلك تنفيذًا لميل كامن. وعندما يستعد هذا الحيوان للهجوم على فريسته، فإنه يرسم حركة الهجوم في جسده قبل التنفيذ، ويدخل في حالة انطلاق وتسارع أثناء ملاحقته لفريسته. وبعد أن يشبع حاجته، تتوقف حركته الأولية ويرتاح، وهذا يدل على تفاوت كمية الحركة في كل مرحلة، مع إمكانية ملاحظة الحركة وقياس دقتها بدقة، مما يسمح بدراسة الميول وقوتها بتفصيل. بناءً على ذلك، فإن تعريف الميل كحركة يُعد مفيدًا جدًا من الناحيتين العملية والواقعية، لأنه يتيح لنا دراسة الميول بطريقة منهجية، وحتى قياس قوتها واتجاهها. فالحركة تكون هي السبب في ظهور الإحساس، وليست نتيجته، وذلك بناءً على سرعة الحركات ومدى تكرارها، بالإضافة إلى موضوعها، وتكون هذه الحركات هي المدخل للكشف عن الميل. فمثلاً، تكرار فعل التدخين يعد علامة تكشف لنا عن ميل الفرد إلى التدخين؛ فالبدء بالتدخين يوقظ الميل إلى المنبهات، وتكرار هذا الفعل يرسخ العادة، حيث يجد الإنسان فيها بعض الراحة، ولا يخلق الميل لديه من العدم، كما قد يظن عامة الناس. وفي سياق مشابه، دعت المدرسة السلوكية التي أسسها عالم النفس الأمريكي «واطسن» في أواخر القرن التاسع عشر، والتي عاصرت الإنجازات العلمية الكبرى في علوم الطبيعة (كالفيزياء والكيمياء وعلوم الحياة والفلك)، إلى أن كل ما لا يمكن مراقبته من الخارج لا يمكن اعتباره موضوعًا نفسيًا قابلاً للمعرفة العلمية والموضوعية. ولهذا، فإن السلوكيين لا يهتمون بالميل كقوة دينامية كامنة أو كحالة شعورية عاطفية داخلية، بل يتعاملون معه كسلوك يظهر على شكل استجابة أو رد فعل لمؤثر خارجي. فصوت الجرس هو المؤثر، ودخول التلاميذ إلى الصف هو الاستجابة. وكذلك، قطعة اللحم هي المؤثر الذي يدفع الكلب إلى الاقتراب منها وأكلها، فيكون الاقتراب والأكل هما الاستجابة. ويذهب الطبيب الفرنسي «بيار جانيه»، الذي عاصر كلاً من «ريبو» والمدرسة السلوكية، إلى التأكيد على أن كل فعل أو سلوك يقوم به الإنسان هو نتاج وجود ميل لديه. ويمكن للميول أن تحدد مسارات سلوكية مختلفة؛ فقد يدفع ميل واحد صاحبه إلى تبني سلوكين مختلفين: فالميل إلى المطالعة، مثلاً، يمكن أن يقود صاحبه إلى قراءة الكتب في صالون البيت أو في المكتبة العامة. كما يمكن لنوعين مختلفين من الميول أن يتجليا في المسار السلوكي ذاته. فمثلاً، في مهنة الخياطة، قد تعبر هذه المهنة عن الميل لكسب المال، أو الميل لإصلاح الثياب، أو الميل لجمع شمل العائلة. وباختصار، فإن أي سلوك نقوم به يعبر عن ميل واحد أو أكثر. لقد سعى جميع هؤلاء المفكرين وعلماء النفس والفلاسفة إلى جعل علم النفس علمًا وضعيًا يضاهي علوم الطبيعة في منهجيته ودقته. وحاولوا جاهدين الوصول في علم النفس إلى نفس النتائج الموضوعية والدقيقة التي توصلت إليها علوم الطبيعة.