ومما يتفرع على تقسيم الواجب المؤقت إلى واجب موسع وقته، و واجب وقته ذو شبهين: أن الواجب الموسع وقته يجب على المكلف أن يعينه بالنية حين أدائه في وقته ، لأنه إذا لم ينوه بالتعيين لا يتعين أنه أدى الواجب المعين إذ الوقت يسعه وغيره، فإذا ن صلى في وقت الظهر أربع ركعات فإنه نوى بها أداء واجب الظهر كان أداء له ، وإذا لم ينو بها أداء واجب الظهر لم تكن صلاته أداء له ، ولو نوى التطوع كانت صلاته تطوعا . وأما الواجب المضيق وقته فلا يجب على المكلف أن يعينه بالنية حين أدائه في وقته، لأن الوقت معيار له لا يسع غيره من جنسه فبمجرد النية ينصرف ما نواه إلى الواجب، فإذا نوى في شهر رمضان الصيام مطلقا ولم يعين بالنية الصيام المفروض انصرف صيامه إلى الصيام المفروض ، ولو نوى التطوع لم يكن صومه تطوعا بل كان المفروض، لأن الشهر لا يسع صوما غيره . وأما الواجب المؤقت بوقت ذي شبهين ، فإذا أطلق المكلف النية انصرف إلى الواجب، فهو في هذا كالمضيق، وإذا نوى التطوع كان تطوعًا لأنه صرح بنية ما يسعه الوقت، وبما يخالف الظاهر من حاله وهو في هذا كالموسع . ومما يتفرع عن تقسيم الواجب إلى مؤقت ومطلق عن التوقيت، أن الواجب المعين وقته يأثم المكلف بتأخيره عن وقته بغير عذر لأن الواجب المؤقت في الحقيقة واجبان فعل الواجب وفعله في وقته . فمن فعل الواجب بعد وقته فقد فعل أحد الواجبين وهو الفعل المطلوب، وترك الواجب الآخر وهو فعله في وقته، فيأثم بترك هذا الواجب بغير عذر . وأما الواجب المطلق عن التوقيت فليس له وقت معين لفعله، وللمكلف أن يفعله في أي وقت شاء ولا إثم عليه في أي وقت . التقسيم الثاني: ينقسم الواجب من جهة المطالب بأدائه إلى واجب عيني وواجب كفائي. فالواجب العيني : هو ما طلب الشارع فعله من كل فرد من أفراد المكلفين، ولا يجزئ قيام مكلف به عن آخر كالصلاة والزكاة والحج والوفاء بالعقود واجتناب الخمر والميسر . لا من كل فرد منهم، بحيث إذا قام به بعض المكلفين فقد أدى الواجب وسقط الإثم والحرج عن الباقين، وإذا لم يقم به أي فرد من أفراد المكلفين أثموا جميعاً بإهمال هذا الواجب، وإطفاء الحريق ، ورد السلام، وأداء الشهادة . فهذه الواجبات مطلوب للشارع أن توجد في الأمة أيا كان من يفعلها، وليس المطلوب للشارع أن يقوم كل فرد أو فرد معين بفعلها ؛ لأن المصلحة تتحقق بوجودها في بعض المكلفين ولا تتوقف على قيام كل مكلف بها . فالواجبات الكفائية المطالب بها مجموع أفراد الأمة، بحيث إن الأمة بمجموعها عليها أن تعمل على أن يؤدى الواجب الكفائي فيها، عليه أن يقوم به ، وغير القادر على أدائه بنفسه عليه أن . يحث القادر ويحمله على القيام به ؛ فإذا ا أدي الواجب سقط الإثم عنهم جميعا، وإذا أهمل أثموا جميعًا : أثم القادر لإهماله واجباً قدر على أدائه، وأثم غيره لإهماله حث القادر وحمله على فعل الواجب المقدور له ، وهذا مقتضى التضامن في أداء الواجب، فلو رأى جماعة غريقا يستغيث، وفيهم من يحسنون السباحة ويقدرون على إنقاذه، وفيهم من لا يحسنون السباحة ولا يقدرون على إنقاذه، وإذا لم يبادر. من تلقاء نفسه إلى القيام بالواجب ، فعلى الآخرين حثه وحمله على أداء واجبه ، وإذا لم يؤد الواجب أثموا جميعاً . وإذا تعين فرد لأداء الواجب الكفائي كان واجبًا عينيا عليه ، فلو شهد الغريق الذي يستغيث شخص واحد يحسن السباحة، ولو لم ير الحادثة إلا واحد ودعي للشهادة، ولو لم يوجد في البلد إلا طبيب واحد وتعين للإسعاف ؛ فهؤلاء الذين تعينوا لأداء الواجب الكفائي ، يكون الواجب بالنسبة إليهم عينيا . التقسيم الثالث : ينقسم الواجب من جهة المقدار المطلوب منه إلى محدد وغير محدد. فالواجب المحدد : هو ما عين له الشارع مقداراً معلوما، بحيث لا تبرأ ذمة المكلف من هذا الواجب إلا إذا أداه على ما عين الشارع ؛ كالصلوات الخمس والزكاة والديون المالية، فكل فريضة من الصلوات الخمس مشغولة بها ذمة المكلف حتى تؤدى بعدد ركعاتها وأركانها وشروطها ، وزكاة كل مال واجبة فيه الزكاة مشغولة بها ذمة المكلف حتى تؤدى بمقدارها في مصرفها . وكذلك ثمن المشترى وأجر المستأجر وكل واجب يجب مقداراً معلومًا بحدود معينة، ومن نذر أن يتبرع بمبلغ معين لمشروع خيري فالواجب عليه بالنذر واجب محدد . والواجب غير المحدد : هو ما لم يعين الشارع مقداره بل طلبه من المكلف بغير تحديد، كالإنفاق في سبيل الله، والتعاون على البر والتصدق على الفقراء إذا وجب بالنذر، وإطعام الجائع وإغاثة الملهوف وغير ذلك من الواجبات التي لم يحددها الشارع، لأن المقصود بها سد الحاجة، ومما يتفرع على هذا التقسيم : أن الواجب المحدد يجب دينا في الذمة، وتجوز المقاضاة به،