في الجانب الجنوبي من المدينة، عند الشيخ الحلمان، وطِبَّه النفسي بلا رقابة من أحد، حتى من أولئك الأطباء النفسيين المتخصصين، الذين كانت عياداتهم في وسط المدينة خالية بفعل انسياق الناس وراء الحلمان وغيره من أولئك المعالجين. وتساهم بشكل أو بآخر في انتشارهم وسط البسطاء، وقد سمعت من قبل بأسماء مثل الشيخ الكشَّاف، وكانت لشخصيات لا بد أنّها تشبه الحلمان، الرجل المسن الفصيح الذي نازلني في عيادتي وكسب، وأعرف أنه يعمل مساعدًا للحلمان، ويطمح لافتتاح عيادته الخاصة بعد أن تدرَّب، ولن يكون اسمه رطل حين يفعل، سيعثر على اسم موحي يستخدمه بلا شك. كانت العيادة عبارة عن بيت صغير من الخشب الخشن، معروش ب (الأسبست) وسط زقاق ضيق من أزقة الحي العشوائي، وما كان بالمرغنية كلها وما جاورها من الأحياء، ساكن لا يعرف من هو الشيخ الحلمان، فقد تطوَّع العشرات لإرشادي بطيب خاطر، كان الباب مدهونًا بالأخضر، وتحتها مباشرة كتب بالأبيض، يشبه خطوط التلاميذ الصغار: حجًا مبرورًا. صلّوا على خير المرسلين. وتلك الكتابة أيضًا من أسلحة غزو الأدمغة، ولن يخطر ببال البسطاء اليائسين بأمراض وهمية، أنهم يرتكبون إثمًا وهم يطرقون أبوابًا، صبغت بالورع والتقوى، والصلاة على الرسول الكريم- صلّى اللّه عليه وسلّم -. كانت العيادة مزدحمة جدًا في ذلك المساء من شهر أكتوبر، سحابة من البخور الكثيف الخانق الرائحة تغطي هواء الصالة المتوسطة في اتساعها، وعدد بلا حصر من الرجال والنساء، يتقاسمون الأرض على حصير من سعف النخيل الأصفر، ويحدَّقون جميعًا نحو الباب المغلق في الوسط، والذي لا بد أنه يوجد خلفه الحل أو الفرج من تلك المحن التي تؤرقهم، وكان حامد رطل متأنقًا في زي أخضر، على رأسه طاقية حمراء لم تفلح في تغطية شعره الأبيض كاملًا، وحول رقبته مسبحة من الخرز اللمَّاع، ويقف عند باب الغرفة المغلقة، الذي ينساب البخور من تحته إلى الصالة. كنتُ أرتدي اللباس المحلي المكون من الثوب الأبيض والعمامة البيضاء، وقد نزعت نظارتي الطبية قبل دخولي، لذلك لم يعرفني حين لمحني أدخل، فظنني مستشفيًا عند شيخه، ولا عرفتني تلك الفتاة النضرة التي كان وجودها في تلك البقعة المريبة مفاجأة حقيقية لي، بالرغم من أنها أدارت وجهها نحوي، فتاة الأرق والقلق من طرف واحد، التي دلقها إدريس في طريقي ذات يوم، ولا بد أنّها تبحث عن حل لمشكلتها، ورأت غيري من الأطباء ولم يفدها أحد. توحيد القلوب بالمحبة. عبارات رنانة يستخدمها أولئك المعالجون، وتشد الجهلة والبسطاء إلى الشَّرَك، سأكمل مهمتي في السؤال عن (إدريس علي) ومحاولة معرفة مكانه من حامد رطل، أحاول إخراج تلك الفتاة من شَرَك الحلمان أو حجاب يأتي بالبعيد؟ ⁃ كان حامد رطل يسألني وقد التقط من الأرض دفترًا كبيرًا شبيهًا بدفاترنا التي نسجل عليها أسماء المرضى، يرد العجوز: لم يبد خائفًا أو مرتابًا، يمارس نشاطًا مشروعًا تحت سمع وبصر الدنيا كلها. وخطر لي أن أسأله عن المتاجرة بآلام الآخرين كما سألني من قبل، لكن هؤلاء الناس قد تبرمجوا على حمل الضغينة تجاه الأطباء وحدهم، ولم يتبرمجوا على حمل الضغينة تجاه أنفسهم، ويتفنّنون في وضع أسعاره، لكن باستمرار، ولا يظنونها تؤثر على قوت أحد. ولم يرتعد، كان جلا طويلا، يرتدي سروالًا أبيض من قماش (التريفيرا) الشفاف، بأن دوره هو القادم، وعليه أن يدخل إذا خرج المريض من عند الشيخ، تأملني الرجل مرة أخرى، بعد أن نزعت عمامتي، وعرفني، فرصة سعيدة يا طبيب. لم أكن أشاركه الرأي بأنها فرصة سعيدة، مُحتالي الخفي الهارب، من (إدريس علي)؟ وملامحه المستغربة صادقة أيضًا، ولا بد أن أعرف الحقيقة. - الشاب الذي أهدائي قلم زينب الغالي، وأرسلكم إلى عيادتي بثلاث حافلات من ماركة (روزا)، هل نسيت؟ لقد كسرت القلم في لحظة انفعال وأنت ألصقته، هل تذكر ؟ وعلب سجائر، وربما أكياسًا، - نعم. حين أخبرنا عنك، وعن إنسانيتك، لكنه ليس من أهلي. صدقت العجوز حامد رطل، التصديق، ولكن مباهاة من معتوه بصداقة طبيب، لم يسألني رطل عن تلك المكافأة التي أدخرها لإدريس، وأطل من الباب مرة أخرى ليتاكد من سير الأمور، وعاد إليّ صامتًا. - وتلك الفتاة المسجلة في دفترك باسم هويدا. وتجلس في الركن مواجهة باب الدخول، - الشيخ سمَّاها المبروكة، ورضيت. لا تخبر أحدًا أرجوك. كانت صدمة عنيفة لي، وأنا أسمع ذلك الكلام الهامس، تمامًا كما حدث لمريضتي نجفة، صاحبة الصداع المزمن. ولا كانت تسكن عواطفي، ولا أعرف لم حزنت وتكدرت وأوشكت أن أقتحم العيادة الشرك، وغرفة الحلمان لأخنقه، ولا رددت حتى على العجوز في شأن معرفتها، وما هو يدا سوى فتاة قلقة منحها الحلمان أملًا، ولم أكتب،