25 الباحث: إبراهيم دحمان جامعة وهران01 أحمد بن بلة ولفتت انتباه النقاد على مرِّ العصور واختلاف الأزمان، الذي نظَّرَ فيه للشعر والأدبية بعامة، إن جميع الأساليب الشعرية تنتج من الانزياح، وما الأسلوبية الغربية الحديثة إلا صورة باسم جديد للبلاغة العربية، but no longer a term West theory مقدمة تُعدُّ اللغةُ من الظواهرِ الإنسانية الفريدة والمعقدة، ونالت اهتماماً كبير من لدن اللغويين والمفكرين، سعياً منهم لفهم أسرارها، ولوظيفتها التواصلية بين بني البشر. كلٌ منها حسب الإجراءات التي اعتمدت عليها، وفي هذا السياق موضوع بحثي معنونا بـ: الشعرية من المنظورين العربي والغربي دراسة في المصطلح والأصول. وهنا أقف على العناصر الأساسية المشكّلة للعنوان، لفهم مدلولاته ومعانيه اللغوية والاصطلاحية. 1- مفهوم المصطلح. 1-1 لغة:الشعرية مصطلَح مشتق من لفظ الشعر، وتكاد تتفق المعاجم اللغوية حول تحديد مفهوم الشعر، إذ نجده في لسان العرب لابن منظور في شرحه لمادة (شعر) قوله: “شَعَرَ بِهِ، وأَعلمه إياه، والشِّعر منظومُ القولِ غلب عليه لِشَرفِه بالوزن والقافية“1، فالشعور بالشيء يعني الإحساس به، ويذكر صاحب معجم مقاييس اللغة: “(شعر) الشَّين والعَين والرَّاء أَصلان مَعروفَان، يَدلُ أَحَدهُمَا عَلى ثباتٍ وَالآخر عَلى علِمٍ وعَلَم، الشّعَار: الذي يَتنادى بِهِ القومُ في الحَرب لَيعرف بَعضُهم بَعضَا. وَالأصلُ قَولهم شَعرت بِالشَّيء إِذَا عَلمتَه وَفَطِنتَ له، تَشَـــــاعر: ادّعَــــى أَنَّهُ شـــــاعرٌ. الشَّـــــاعرُ قَـــــــائلُ الشعرِ. الشعّر: كَلامٌ مَوزون مُقفى قَصدا“3، والفطنة، هكذا يتجلى المعنى لمفهوم الشعرية من خلال وجهة النظر المعجمية؛ إذ يتعلق بالعلم والفطنة، المعبِّر عن أحاسيسه وعواطفه. 1-2 اصطلاحاً: نتعرض لمعناه الاصطلاحي، من المسلَّم به أنه قد تعددت المفاهيم حول الشعرية، وتبحث عن قيمه الفنية والجمالية، بحيث إن “اللغة الشعرية تختلف، كما ينبغي أن يكون ذلك معروفاً لدى الناس، أو اللغة المعيار، وإيقاظ مشاعره. والمتَتَبِع لمفهوم الشعرية يجد أنها تشير إلى علمين متمايزين في آن واحد؛ وكل ما يتعلق به، وذلك لما فيه من جمالية وغموض وقيمة بلاغية على حساب النثر، من جهة أخرى تأتي ليقصد بها دراسة كلاً من الشعر والنثر معاً، أو العمل الأدبي كيفما كان نوعه إذ “تتصرف دلالتها المفهومية إلى كل الأجناس الأدبية، فتسلط عليها بالمعالجة الإجرائية “5، فتقوم بدراسة المكونات الأدبية فيها، وتركز على الوظيفة الشعرية للنص بصفة خاصة فالشعرية تعنى باللغة التي تخترق المعيار. أي بصورة أخرى ما الذي يجعل من الرسالة اللغوية عملا أدبياً شعريا. وخلق الحسن بالمفارقة والانزياح عن المألوف. يعرف مدلولها حركة مد وجزر، فيمتد ليشمل كل الرسائل اللفظية، و“كل رسالة مهما كانت تتضمن وظيفة أدبية، فالوظيفة الشعرية بجانب تلك الوظائف المختلفة موجودة في جميع الأقوال اللغوية. فالوظيفة المرجعية تتجلى بوضوح أكثر في النصوص التاريخية، الأمر نفسه للوظيفة الشعرية؛ إذ تكثر في النصوص الشعرية، والمعبرة عن أحاسيس الكاتب ووجدانه، حيث “إن وظيفة اللغة الشعرية هي تصوير الوجدان الذي يفيض من العاطفة المتأججة للشاعر، فتمثُلُ هي أيضا متأجّجةً ذات عنفوان جائش، وُشْكانَ ما تتجسّد نسْجاً فنّيّا جميلا، يسحر المتلقّي ويبهرُه“7، وينبه رومان جاكبسون (jakobson Roman ) إلى أن هذه الوظيفة يجب التماسها في أشكال الرسالة اللفظية المختلفة وأنها لا تقتصر على الشعر لوحده، فالوظيفة الشعرية هي السمة التي تزين النص الأدبي، 2- الشعرية في النقد الغربي: في التراث الغربي– أرسطو– يعتبر كتاب (فن الشعر) لأرسطو من أهم الكتب النقدية في مجال الشعرية، والذي كان له أثر على الدارسين من بعده عبر مختلف العصور، وذلك لما يطرحه فيه من أفكارٍ ونظريات تتعلق بالشعر؛ كل هذه حين نشمله بالنظرة الكلية، فيقوم الشاعر بتصوير الواقع أو الأشياء الجميلة للواقع في قَالب شعري بلغة تثير النفوس والعواطف، ويرسم الواقع كما يجب أن يكون عليه، بل يسعى إلى خلق عالم أفضل، ويقول أرسطو في موضع آخر عن المحاكاة “يجب أن نسلك طريقة الرسامين المَهرة، كذلك الحال في الشاعر إذا حاكى أناساً شرسين أو جبناء أو فيهم نقيصة من هذا النوع في أخلاقهم فيجب عليه أن يجعل منهم أمجادا ممتازين“12، فهي في الرسم مغايرة لما هي عليه في النقش، أو الموسيقى، أو الشعر، والمحاكاة تشمل جميع الفنون الجميلة وكل الأشياء الموجودة في العالم الواقعي وبواسطتها يتمم الإنسان النقص الموجود في الواقع الحسي. والشعرية التي أتى بها أوسع وأعم من الشعرية الحديثة المقتصرة على الشعر والأدب، لأن ” فكرة المحاكاة هي قطب الرّحى في تحليل أرسطو، ومركز اهتمامه بالعملية الإبداعية لا تتمثل في الشعر وحده، بل هي جوهر الفنون كافة“13، مما يبيّن أن الشعرية الحديثة أخذت حيزاً محدوداً، أقل مما كانت تشير عليه اللفظة من قبل عند أرسطو. ومن هنا يمكن القول أن كتاب “فن الشعر” لأرسطو هو المحاولة الأولى لتنظير الأدب، عند الغــــربيين المحدثين: رومان جاكبسون (jakobson Roman ): إن رؤية جاكبسون للشعرية متأثرة باللسانيات، فهي “تتعلق بمسائل ذات بنية لغوية، تماماً كما يهتم تحليل الرسم بالبنيات التصويرية، غايتها معالجة الوظيفة الشعرية والبحث في علاقتها بالوظائف اللغوية الأخرى. كما خصّ لموضوع الشعرية مقالاً له بعنوان (ما الشعر؟) الذي يقول فيه “أن محتوى مفهوم الشعر غير ثابت وهو يتغير مع الزمن، إلا أن الوظيفة الشعرية عنصر فريد لا يمكن اختزاله بشكل ميكانيكي إلى عناصر أخرى، يكشف هذا القول بأن الشعر لا يبقى دائما ضيق الأطر، محدود الأفق، تهيكله عناصر ثابتة، بل على العكس من ذلك؛ هو دائم التغيير والتّحول، وما وصلت إليه الشعرية الحديثة من تجاوز لبعض الخصائص التي اتصف بها، لأن اللغة عنده ليست مجرد رصد لكلمات لها دوال ومدلولات يستعملها المتلقي للتعبير عن معنى معين، بقدر ما هي دراسة علمية يفترض على صاحبها معرفةً خاصّة بمفرداتها حتى لا يقع في الخطأ، فالتحكم في اللغة يعني ملامسة الشعرية في جوهرها18. والرسالة، عناصر العملية الاتصالية الوظائف اللغوية المرسل الانفعالية المرسل إليه التأثيرية الرسالة الشعرية القناة الانتباهية المرجع المرجعية الشفرة الميثالغوية وتنتج من خلال تأدية الأفراد للعملية التواصلية، عن طريق التعبير عن عواطفه وأحاسيسه، لذا فهي مهيمنة في النصوص التي تعبر عن الوجدان والعاطفة. الوظيفة التأثيرية: وتقوم على عنصر المرسل إليه، غرضها إقناع الطرف المستقبل للرسالة بحثه بالقيام بعمل ما، أو نهيه عن الإتيان به، وكذا لإحداث التجاوب معه، الوظيفة الشعرية: تقصر على الرسالة في حد ذاتها، من خلال ما تتوفر عليه من جمال لغوي وحسن أسلوبها، وشد انتباه المستقبل حتى لا يغفل عن الاستماع أو الشرود عن الرسالة، وتكثر في عمليات التواصل السمعية. الوظيفة المرجعية: وهي التي تحيل من خلال لغة الرسالة إلى الفضاء الخارجي للنص، وتستعمل بكثرة في النصوص النقدية. من خلال تركيزه على الأدبية والقيمة المهيمنة، وكان هدفه الأساسي هو البحث عن أدبية النص. جون كوهين Jean Cohen: وموضوعها الشعر، “فالشعرية علم موضوعه الشعر“20. لذا فهو يفصل بين الشعر والنثر، لذا فهي مقتصرة عليه لوحده، فالشاعر عند كوهين لا يتحدّث كما يتحدث الناس، بل لغته غير عادية ومخالفة للغة غيره، وهذا ما يجعله يملك أسلوباً فريدا. ومن هذا المنطلق تقوم الأسلوبية عند كوهين بالبحث عن هذه اللغة الشعرية، واستنباط خصائصها الفريدة والمميزة، فهي لغة تتسم بالغموض، ومن الصعب معرفة المعيار الذي انزاحت عنه، ويسميها كوهين باللغة العليا21، فشعريته شعرية انزياحية. إن الشعرية هي دراسةٌ للغة الشعر، والبحث عن خصائصه الفريدة التي تولدت فيه بعد انزياحه عن النثر، وهو الخرق الذي يمنح النص الشعري شعريته الأسلوبية“22، ويعتبر أن النثر كله معيار، مع العلم أن كلاً من النثر والشعر يوجد فيهما شعرية وأسلوبية خاصة. تبحث شعرية تودوروف عن الأدبية في الخطاب الأدبي، وموضوع دراستها الشعر والنثر معا، بحيث تسعى شعرية (تودوروف) إلى البحث عن “أدبية الخطاب الأدبي بعيدا عن الخطابات الأخرى ذات الطابع الفلسفي والتاريخي، ذلك أن العلاقة بين الشعرية والعلوم الأخرى – التي لها أن تتخذ العمل الأدبي موضوعاً – هي علاقة تنافر“23، فتقتصر الشعرية على أدبية العمل الأدبي وخصائصه التي يمكنها أن تميزه عن غيره. وأهم ما يلاحظ على شعرية تودوروف ذلك السؤال الذي صاغه بقوله ما الأدب؟ يقول: “هذا هو أول سؤال جوهري يطرح على شعرية داخلية، بحيث يعد الأدب نظاما ثانويا أدواته اللغة الموجودة فيه. فالشعرية من المنظور الغربي هي دراسة البنية اللغوية للعمل الأدبي بطرق لسانية، مع التمييز بين لغة الشعر ولغة النثر، ومحاولة الكشف عن طرق الانزياح وأساليبه المتعددة، 3- الشعرية في النقد العربي: ودراسات الأوائل، لم ترد في تراثنا النقدي، ولعل أكثر المصطلحات قربا من مصطلح الشعرية هو مصطلح النظم“25، نذكر من ذلك على سبيل المثال: فإن “للشعر صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم كسائر أصناف العلوم والصناعات“26 يقتضي ذلك أن تكون فيه مراتب من حيث الإجادة والاحترافية، فكما أن لجميع الصناعات قوانين تسير على وفقها وقواعد تحكمها، الأمر نفسه بالنسبة للشعر، إذ يستطيع الناقد أن يميز جزل الشعر من رديئه، كما أنّ الجاحظ معروف باهتمامه الكبير بالألفاظ، له وجهة خاصة في الشعر؛ إذ يرى أن الحسن والجمال والتفاوت بين كلام الناس راجع إلى حسن تأليفهم للكلام من عدمه، الأمر نفسه للشعراء، فجميل الشعر ما حسن سبكه وانتظامه، ويرى أن المعاني معلومة ومتعارف عليها لدى الجميع، وجنس من التصوير“28، فالشاعر الفحل هو من يقوم بانتقاء اللغة ويحسن رصفها؛ بحيث لغة الشعر تختلف عن لغة النثر، فقد حدّه بأنه: “قولٌ موزونٌ مقفى دَالٌ عَلى مَعنى“30. وبهذا أقام أربعة شروط يستلزم توافرها في أي قول حتى يغدوَ شعراً. والموزون بأن يكون على وزن أحد البحور الخليلية الستة عشر، والمقفى هو الذي له قافية موحدة في أخر أبياته، ما يعطي جرساً ونغماً واحدا على طول القصيدة، دالٌ على معنى يخرج من هذا الكلام الفارغ والهذيان بأن يشمل البيت على معنىً يشير إليه، ويُعدُّ عمله هذا إضافةَ نقدية في الشعرية العربية، “فلعله الوحيد من بين القدماء الذي اجتهد في تفصيل الحديث عن قضايا الشعرية بمعاظم مكوناتها التي كانت سائدة على عهده، وبعده ظهرت العديد من الاتجاهات والآراء النقدية في مجال الشعر، ومن أهمها مبدأ القصديّة، وبهذا نجد أن موضوعات الشعرية العربية عند القدامى تمحورت حول مسائل محددة منها: قضية الفصاحة والجزالة، وكذا مسألة الطبع والصنعة، وقضية اللفظ والمعنى. وأشير هنا إلى بعض منها فأذكر: – أدونيس: وما توصلت إليه من نتائج، وبين التراث والأعمال العربية القديمة، فهو يرى أن القرآن الكريم كان دافعا للعرب نحو الكتابة، والخوض في مختلف الدراسات اللغوية بعامة. وتعتبر الدراسة الشعرية من نتاج تلك الدراسات المختلفة التي توصلوا إليها إذ يقول:”هكذا كان النص القرآني في تحولٍ جذريٍ وشاملٍ: به وفيه تأسَّسَتِ النقلةُ من الشفويةِ إلى الكتابة“32. حتى القرن الأول من الهجرة، وكذا تفسير القرآن، وصولاً إلى علوم اللغة المختلفة عامة والشعر والدراسات الأدبية بخاصة. وبلاغته التي عجز الشعر عن مجاراته فيها، و“يخلص أدونيس إلى أن جذور الحداثة الشعرية العربية بخاصة والحداثة الكتابية بعامة كامنة في النص القرآني“33، إذ أثّرت الدراسات القرآنية المختلفة في توجيه الرؤيا للشعر، وجعله يَنحوَ نَحو شعريةٍ جديدة، من عمود الشعر والطبع والسليقة، إلى التشطير34 والتخميس35 والزخرفة اللفظية والتنميق. قدّم كمال أبو ديب موقفه من الشعرية في كتابه (في الشعرية)، إذ الشعرية– بحسب رأيه– تظهر في النص حين يخرج من الاستعمال العادي إلى استعمال مجازي، فــ“الشعرية ليست خصيصة في الأشياء ذاتها، فلا ميزة للكلمة بانفرادها، فالقيمة الجمالية للغة تأتي حينما تنزاح عن استعمالها الحقيقي المألوف الاتصالي، هذا لأن “استخدام الكلمات بأوضاعها القاموسية المتجددة لا ينتج الشعرية، بل ينتجها الخروج بالكلمات عن طبيعتها الراسخة إلى طبيعة جديدة،