إن الهدف الأسمى الذي تسعى إليه كافة التشريعات الإجرائية هو أن يصيب القاضي الحقيقة في حكمه سواء بالإدانة أو بالبراءة وهو لا يصل إلى هذه الحقيقة ما لم يكن لديه يقين مؤكد بحدوثها، فالقاضي أساس عدله يستمده من اقتناعه بأدلة الإثبات المطروحة أمامه وانطلاقا من هذا، يتجلى بوضوح أهمية موضوع الإثبات الجزائي. ذلك أن الجريمة عندما تمس امن المجتمع ونظامه تتولد عنها بالضرورة سلطة المتابعة الجزائية لتوقيع العقوبة، إحقاقا للعدل وإنصافا للمجتمع المتضرر منها. وبما أن الجريمة واقعة تنتمي إلى الماضي وليس في وسع القاضي أن يعاينها بنفسه أو أن يتعرف على حقيقتها وبالتالي تعين عليه الاستعانة بوسائل تعيد أمامه رواية ما حدث، بحيث تتمثل هذه الوسائل في أدلة الإثبات الجزائي، وهذه الأدلة هي الأداة الضرورية التي يعول عليها القاضي في التحقيق في الوقائع المطروحة أمامه وذلك من حيث وقوع الجريمة أو عدم وقوعها أصلا ومن حيث إسنادها إلى المتهم أو براءته منها.من هنا فإن أهمية دراسة هذا الموضوع والموسوم بـ "الشهادة في الإثبات الجزائي" تفترض أغلب الدعاوى الجزائية بمختلف أنواعها ومراحلها الاستعانة بشهادة الشهود، وقد تكون الشهادة في كثير من الأحيان الدليل الوحيد في الدعوى الجزائية، وعلى الرغم من أن الشاهد شخص تلعب الصدفة الدور الكبير في اختياره، فإنه يلزم أن تنصب أقواله على الوقائع التي يستطيع إدراكها بإحدى حواسه.لذا فشهادة الشهود لا غنى عنها مهما قيل فيها من عيوب وما شابها من نقائص؛ لأن الوقائع التي تصبح يوما من الأيام اساسا للدعاوى لا سبيل لإثباتها دون الرجوع الى ذاكرة الاشخاص الذين شهدوا قوعها. وعليه يمكننا أن نطرح الإشكالية التالية: كيف يتعامل القاضي الجزائي مع الشهادة باعتبارها دليل إثبات في المادة الجزائية؟ سنتبع في سبيل الإجابة عن الإشكالية المطروحة المنهج الوصفي التحليلي؛ وعليه سنتطرق للجوانب الموضوعية للشهادة (مبحث أول)، لنرجئ دراسة حجيتها في الإثبات (مبحث ثان) آخر.المبحث الأول: مفهوم الشهادة في المجال الجزائيغالبا ما تقوم الشهادة بدور الدليل في الدعوى بمفردها ودون أن يؤازرها دليلونظرا لكونها خير معين للمحكمة في تكوين عقيدتها وأحكامها، فقد نظم المشرع إجراءاتها وقواعدها أمام المحكمة من خلال قانون الإجراءات الجزائية، على نحو يخالف بعض الشيء إجراءات وقواعد الشهادة أمام قاضي التحقيق،وما دام أن الشهادة هي الدليل الذي يطغى في المسائل الجزائية والأكثر شيوعا، باعتبار أنها تنصب على وقائع عابرة تقع فجأة، والتي لا يمكن تصور إثباتها مقدما؛ كان لزاما على القاضي أن يكون أكثر تدقيقا وتمحيصا لأسباب الشهادة، وكذا المؤثرات المحيطة بها؛ وأن النفس البشرية عرضة للأهواء، هذا وحتى لا نبرأ شخصا يستحق العقاب، أو ندين شخصا برئ لا صلة له بالوقائع.ومن هذا المنطلق سنتعرض في المطلب الأول إلى تعريف الشهادة وصورها، ونتطرق في المطلب الثاني إلى موضوع الشهادة وخصائصها، وفي المطلب الثالث نورد شروط صحة الشهادة.المطلب الأول: تعريف الشهادة وأنواعهاسنتناول دراسة هذا المطلب من خلال فرعين، الأول نخصه بتعريف الشهادة في المجال الجزائي، بحيث تفرق بينها وبين الشهادة في المجال المدني،الفرع الأول: تعريف الشهادةلقد نظم قانون الإجراءات الجزائية الشهادة في الفصل الأول من الباب الأول من الكتاب الثاني، والذي جاء تحت عنوان "في طرق الإثبات وذلك من خلال المادة 220 وما يليها من قانون الإجراءات الجزائية.فالمشرع الجزائري لم يضع تعريف خاص بالشهادة، وإنما اكتفى بتنظيم أحكامها وقواعدها الخاصة، هذا ورغم إنها تحتل الجزء الكبير بالمقارنة مع أدلة الإثبات الأخرى.وفي غياب تعريف قانوني لها، تعددت تعريفات شراح القانون الجزائي لها؛ فنجد الدكتور العربي شحط، والأستاذ نبيل صقر قد عرفاها بأنها " إثبات واقعة معينة من خلال ما يقوله أحد الأشخاص، كما شاهده أو سمعه أو أدركه بحواسه من هذهأما الدكتور محمد عبد الغريب فيعرفها بأنها: "تقرير يصدر عن شخص لما يكون قد رآه، أو سمعه بنفسه أو أدركه على وجه العموم بحواسه في شأن واقعة إجرامية"(2).كما عرفها أيضا الدكتور طه زاكي صافي بأنها - في الأصل: "هي تقرير الشخص لحقيقة أمر كان قد رآه أو سمعه.وهذا خلافا للبعض الآخر الذين يقصرون الشهادة على حاستي البصر والسمع.كما تأخذ الشهادة في اللغة عدة معان كمصطلحات حيث يختلف معناها باختلاف استخدامها فيمكن أن تأخذ معنى الحضور. نقول: شهد المجلس أي حضره ومنها الاطلاع، إذ يقال: شهدت الجمعة أي أدركتها. كما يمكن أن تأخذ معنىومن خلال سرد هذه التعريفات نجد أنها تتفق في مضمونها على فكرة أساسيةوهي أن الشهادة عن تعبير حسي، صادر عن الشاهد بالنسبة لواقعة كان قد شاهدها. أو أدركها بحاسة من حواسه.إذن فالشهادة طريقة إثبات ضرورية، لكنها في نفس الوقت طريقة ضعيفة وخطرة لأنها تتركز أساسا على مشاعر وحواس وذاكرة شهود معرضة حتما للنسيان والزلل، كما يعمل مرتكبو الجرائم، على إزالة كل اثر يدل عليها، الطريقة العادية الإظهار الحقيقة وإثباتها.أما الشهادة في المجال المدني فتختلف كل الاختلاف عن الشهادة في المجال الجزائي فقد عرفها الأستاذ يوسف دلاندة بأنها تعني المشاهدة أي مشاهدة وقائع معينة حدثت بين شخصين أو أكثر، في مكان وزمان معينين وتنقل على النحو الذي شوهدت عليه، أو على النحو الذي تم سماع ما جرى بين شخصين أو أكثر أمام القضاء للتدليل على صحة تلك الواقعة المادية محل المشاهدة المتنازع عليها (3). فالشهادة في المواد المدنية لا تقبل فيما يخالف أو يجاوز الدليل الكتابي، أو في الالتزامات التعاقدية التي تزيد قيمتها عن مائة ألف دينار جزائري، إلا إذا كان هناك مانع أدبي للحصول على الكتابة، أو كان الدين أو التخلص منه صار قريب الاحتمال بورقة صادرة عن الخصم، أو إذا وجد دليل قطعي على ضياع السند. وبالتالي يستفاد مما سبق أن الإثبات بالشهادة الشخصية طريق غير عادي، فشهادة الشهود وسيلة لا غنى عنها في المواد الجزائية؛ لأن الأفعال والحوادث التي وقعت فجأة لا سبيل إلى إثبات كلياتها، أو جزئياتها دون الرجوع إلى ذاكرة الأشخاص الذين عايشوها وشاهدوها.في حين أن الشهادة في المجال المدني، نجدها محددة سلفاح لأنها غالبا ما تحصل بناء على اتفاق بين الخصوم، حيث يتم إدراجها في محرر وتهيئتها مسبقا.التالي: وهذا ما سيتم تفصيله في الفرعالفرع الثاني: صور الشهادةتنقسم شهادة الشهود إلى ثلاثة أنواع، يمكن استخلاصها من خلال مناقشة الشاهد حول ما أدلا به من معلومات، بحيث يكون قد شاهدها أو سمعها بنفسه، وهي الشهادة السماعية، وهذا ما سيتم تفصيله.أولا: الشهادة المباشرةالأصل في الشهادة أن تكون شهادة مباشرة، فيقول الشاهد في التحقيق الابتدائي أو النهائي ما وقع تحت سمعه وبصره مباشرة "(1).والشهادة المباشرة هي النموذج الأصلي للشهادة، بحيث يدلي بها الشاهد أمام القضاء مستمدا إياها من ذاكرته ليقول ما رأه ببصره، أو سمعه بأذنيه أو ما أدركه بحواسه الأخرى عن الوقائع المتعلقة بالدعوى، وإذا كانت الشهادة المباشرة الدليل الوحيد في الدعوى، فيجوز الاعتماد عليها والأخذ بها.ثانيا: الشهادة السماعيةقد يتعذر في بعض الأحيان الوصول إلى الشاهد الأصلي لسماع شهادته لموته أوغيبته أو لأي سبب آخر، فالسؤال الذي يطرح نفسه هل يجوز الاستشهاد على معلومات الشاهد التي سمعها عن غيره؟1) إن هذا النوع من الشهادة يسمى بالشهادة السماعية، وهي شهادة غير مباشرة وتختلف عن الشهادة المباشرة، كون الشهادة السماعية الشاهد فيها يشهد انه سمع الواقعة من شخص يرويها له، يكون هو الذي رآها بعينه، أو سمعها بأذنه أو أدركها بحاسة من حواسه، وهي تنصب على الواقعة المراد إثباتها بالذات"، إذن فالشهادة السماعية، هي شهادة على شهادة، وبطبيعة الحال تعتبر أقل درجة من الشهادة الأصلية المباشرة، حيث إنه لا يعول عليها لأنها لا تنشأ عن إدراك مباشر، ولان طبيعة هذه الشهادة لا تكون موضع ثقة، ولان ما وصل إلى علم الشاهد يمكن أن يتعرض للتحريف أو التزييف حينما تنقل من شخص لآخر.ولهذا فحظ هذا النوع من الشهادة في ثقة القضاء ضئيل ومحدود وبالتالي لا يمكن الاعتماد على الشهادة السماعية وحدها كدليل كافي في الدعوى، وإلا كان الحكم مشوبا بالبطلان، ويمكن للمحكمة أن تسند إليها إذا توافرت أدلة أخرى أو قرائن تعززها.ثالثا: الشهادة بالتسامعتعتبر هذه الشهادة من اضعف أنواع الشهادات؛ لأنه لا يمكن التحقق من مصدرها ومراقبة صحتها، ولأنها شهادة تستمد مما يتسامعه الناس في شان واقعة ما، وبالتالي لا تنصب على الواقعة المراد إثباتها بالذات، بل على الرأي الشائع لدى جمهور الناس عن هذه الواقعة. بل يشهد بما يتسامعه الناس عنها، وبالتالي لا تعتبر دليلا،كخلاصة لما سبق، تجدر الإشارة إلى أن المشرع، ومن خلال الباب الثالث من قانون الإجراءات الجزائية الذي جاء تحت عنوان "في جهات التحقيق"، لم يعرف الشهادة وإنما يستشف من أحكام المادة 188 منه على أن قاضي التحقيق يسمع كل شخص كشاهد إذا كانت شهادته مفيدة لإظهار الحقيقة.ومن هنا يتضح الفرق بين الشهادة التي يدلى بها أمام المحكمة، والشهادة التي يدلى بها أمام قاضي التحقيق، فالأولى تأخذ قوتها حسب نوعها، وأما الثانية فلا تختلف قوتها مهما كان نوعها.فقاضي التحقيق لا يتلقى الشهادة مهما كان نوعها، بل هو ملزم بالأخذ بها كما هي.فلا يقدرها ولا يرفضها بل يبقي عليها كما هي، ومن جهة أخرى إذا رجعنا للمسائل المدنية، نجدها تتوافر على نفس صور الشهادة في المسائل الجزائية.ومن هنا نصل في الأخير إلى القول بان الشهادة ما زالت تحتفظ بدورها المهم وقيمتها الكاملة، وهذا ما يبدوا جليا من خلال اهتمام شراح القانون الجزائي بها وكذا بصورها منذ القدم إلى يومنا هذا.ومنه تكون المساهمة في إبعاد الأرق على بال القضاة، لإمكانية الحصول على دليل قاطع، بمقتضاه يبرر الإدانة أو البراءة ويتجنب الانزلاق في أي خطأ من شأنه أن يبطل حكمهالمطلب الثاني: موضوع الشهادة وخصائصهانأتي من خلال هذا المطلب لمعالجة موضوع الشهادة في الفرع الأول، ثم نستظهر أهم الخصائص التي تميزها عن غيرها من أدلة الإثبات.الفرع الأول: موضوع الشهادةإن مجال الشهادة هي الوقائع المادية، أو ما سمعه بأذنه، أو ما أدركه بحاسة من حواسه الأخرى. وبالتالي لا يجوز أن يكون موضوع الشهادة رأيا أو تقييما، ولا أن يقدر جسامة الوقائع. ولكن تجوز مع ذلك الشهادة في شأن سمعة المتهم وحالته الأدبية؛ لأن ذلك قد يساعد القاضي في تحديد خطورة المتهم الإجرامية، ويمكن أن يتوصل بها إلى إثبات وقائع الدعوى، أو وقائع أخرى يتوقف عليها معرفة وقائع الدعوى "(1).وهذا ما نصت عليه المادة 1225 من قانون الإجراءات الجزائية: "يؤدي الشهود بعد ذلك شهادتهم متفرقين سواء أكانت عن الوقائع المسندة إلى المتهم أم عن شخصيته وأخلاقه".ومن هنا يتضح لنا انه لا يجوز أن ترد الشهادة على وقائع لا علاقة لها بوقائع الدعوى، ولا على وقائع ليست مجدية في الدعوى، أو وقائع ليست مهمة كما لا يجوز طرح أسئلة للشاهد لا تتعلق بموضوع الشهادة.الفرع الثاني: خصائص الشهادةتتميز الشهادة عن أدلة الإثبات الأخرى بعدة خصائص أهمها:أولا: الشهادة شخصيةلقد اتفق شراح القانون الوضعي على أن أقوال الشاهد شخصية، فيجب عليه أن يؤديها بنفسه، حيث لا تجوز الإنابة فيها، كما يجب عليه الحضور بشخصه أمام المحكمة للإدلاء بها بل المحكمة ملزمة بالتنقل إلى محل إقامة الشاهد إذا تعذر عليه الحضور بنفسه أمامها لأعذار مشروعة.يدركها العقل، ومن هذا القبيل ما استقر عليه اجتهاد المحكمة العليا على انه: " لا يمنع قانون الإجراءات الجزائية القاضي من سماع شهادة كفيف" (2)أي يجب أن يكون الشاهد متمتعا بحاسته وقت الواقعة، فالأعمى لا يكون شاهد رؤية، والأصم لا يكون شاهد سمع، والأعمى شاهد سمع.ومن هنا فالشهادة هي تصريح الشخص لما رآه أو سمعه،آراء الشاهد أو معتقداته الشخصية.ثالثا: الشهادة لها قوة مطلقة في الإثباتتلعب الشهادة دورا كبيرا في المسائل الجزائية، حيث لم يضع المشرع أية قيود على الإثبات بالشهادة، اللهم بعض الشروط والإجراءات الشكلية والجوهرية في نفس الوقت وبالتالي فهي تتمتع بقوة مطلقة في الإثبات الجزائي، ومع كل هذا فهي تخضع لسلطة على فهم ماهية العقل وطبيعته وتوقع الآثار التي من شأنه إحداثها "، أو المرض كالجنون أو الشيخوخة، أو لأي سبب آخر يفقد الإنسان القدرة على التمييز كالغيبوبة الناشئة عن تعاطي المسكرات، إذا لم تعارض النيابة العامة، أو احد إطراف الدعوى على ذلك.ثانيا: أن يكون الشاهد حر الإرادة وقت الإدلاء بالشهادة أو الامتناع عنه دون تهديد أو إكراه، لهذا تعين أن يكون الشاهد وقت إدلائه بشهادته حر الإرادة، وإلا كان حكمها قاصرا، ملف رقم 70664، حيث جاء فيه: "من المقرر قانون، أو المناورة، أو التحايل الحمل الغير على الإدلاء بأقوال أو بإقرارات كاذبة، أو على إعطاء شهادة كاذبة في أية مادة، أو في أية حال كانت عليها الإجراءات بغرض المطالبة أو الدفاع أمام القضاء، سواء أنتجت هذه الأفعال أثرها أم لم تنتج، في غير محله.وكما كان من الثابت - في قضية الحال - أن المتهمين استعملا الضغط ضد الحارس لدفعه للإدلاء بشهادته لتبرئتهما) ومن ثم فإن قضاء الموضوع بإدانتهما بجريمة إغراء شاهد يكونوا قد طبقوا القانون التطبيق الصحيح.ومتى كان ذلك استوجب رفض الطعن"(1).ثالثا: ألا يكون الشاهد محكوما عليه بعقوبة جنائيةلا يكفي أن يكون الشاهد قد ارتكب جناية، بل يجب أن يكون قد حكم عليه بعقوبة جنائية، فإذا تحقق ذلك فلا يجوز سماع شهادته إلا على سبيل الاستدلال القاضي التقديرية.نستنتج من خلال ما سبق انه يجب أن تنصب الشهادة على موضوع الواقعة بذاتها، وإلا فلا يعتد بها، كما نجدها تختلف عن الشهادة التي يتم الإدلاء بها سواء أمام قاضي التحقيق، أو أمام القاضي المدني في المسائل المدنية من حيث استدعاء الشهود.أو طريقة الإدلاء بالشهادة إلى غير ذلك.المطلب الثالث: شروط صحة الشهادةحتى يوصف ما يصدر عن الشاهد بأنه شهادة في مدلولها القانوني، يجب أن يتوافر في أدائها عدة شروط منها ما يتعلق بالشاهد ذاته، ومنها ما يتعلق بالشهادة ذاتها. بالإضافة إلى شروط شكلية أخرى إن صح التعبير، وعليه سنعالج هذا المطلب من خلالثلاثة فروع على النحو التالي:- الفرع الأول نعالج فيه الشروط الواجب توافرها في الشاهد. - الفرع الثاني نعالج فيه الشروط الواجب توافرها في الشهادة.- أما الفرع الثالث فسنخصه لمعالجة الشروط الشكلية لقبول الشهادة.تتمثل هذه الشروط فيما يلي:أولا: أن يكون الشاهد مميزا فلا يجوز سماع شهادة شخص منعدم التميز والإدراك، ونقصد بالتمييز القدرة على فهم ماهية العقل وطبيعته وتوقع الآثار التي من شأنه إحداثها "، أو الشيخوخة، أو لأي سبب آخر يفقد الإنسان القدرة على التمييز كالغيبوبة الناشئة عن تعاطي المسكرات، إذا لم تعارض النيابة العامة، أو أحد إطراف الدعوى على ذلك.يقصد بحرية الإدلاء، أو الامتناع عنه دون تهديد أو إكراه، لهذا تعين أن يكون الشاهد وقت إدلائه بشهادته حر الإرادة، أما إذا كان خاضعا في ذلك الوقت تحت تأثير تهديد أو إكراه فشهادته باطلة. وإلا كان حكمها قاصرا، وهذا ما استقرت عليه المحكمة العليا في قرارها الصادر بتاريخ 1990/10/21، ملف رقم 70664 ، حيث جاء فيه: "من المقرر قانون، أو الهدايا، أو الضغط أو التهديد أو التعدي أو المناورة أو التحايل الحمل الغير على الإدلاء بأقوال أو بإقرارات كاذبة، أو على إعطاء شهادة كاذبة في أية مادة، أو في أية حال كانت عليها الإجراءات بغرض المطالبة أو الدفاع أمام القضاء، سواء أنتجت هذه الأفعال أثرها أم لم تنتج، في غير محله.وكما كان من الثابت - في قضية الحال - أن المتهمين استعملا الضغط ضد الحارس لدفعه للإدلاء بشهادته لتبرئتهما) ومن ثم فإن قضاء الموضوع بإدانتهما بجريمة إغراء شاهد. يكونوا قد طبقوا القانون التطبيق الصحيح.ومتى كان ذلك استوجب رفض الطعن"(1).ثالثا: أن لا يكون الشاهد محكوما عليه بعقوبة جنائيةلا يكفي أن يكون الشاهد قد ارتكب جناية، بل يجب أن يكون قد حكم عليه بعقوبة جنائية، فإذا تحقق ذلك فلا يجوز سماع شهادته إلا على سبيل الاستدلال.الفرع الثاني: الشروط الواجب توافرها في الشهادةبجب أن تتوافر في الشهادة الشروط الآتية:أولا: علانية الشهادةيجب أن تؤدي الشهادة أمام المحكمة في جلسة علانية؛ لأن ذلك يبعث الطمأنينة في نفس المتهم، وكذا في أطراف الدعوى والعلانية ضمانة للمتهم وللقاضي معا، حيث تسمح للأول الدفاع عن نفسه بحرية أوسع، وتلزم الثاني الحياد أثناء المحاكمة، كما تحمل الشاهد على الإدلاء بما لديه من معلومات بكل دقة وهي أيضا قاعدة جوهرية فرضها القانون تحت طائلة البطلان، إلا أن المشرع استثناء، قرر السرية في بعض الجلسات حفاظا على النظام العام والأخلاق العامة.ثانيا: أداء الشهادة في مواجهة الخصوم سيما النيابة العامة والمتهم، ولهذا اوجب المشرع تبليغهم باليوم المحدد للجلسة لتمكينهم من الحضور، أما في حالة تعذر الشاهد المثول أمام المحكمة جاز للخصوم التنقل مع المحكمة لسماعه، وبالتالي كل إجراء يتخذ بعيدا عن قاعةالجلسة، أو بغير علم الخصوم يكون باطلا. أو تقديرا لجسامة الجريمة، أو نسبتها لشخص ما،الدعوى، وذات أهمية قانونية.الفرع الثالث: الشروط الشكلية لقبول الشهادة السلامة الحكم الذي تعتمد فيه المحكمة على الشهادة لتقرير مصير المتهم، كان لابد عليها من مراعاة الإجراءات والشكليات التي حددها القانون بكل دقة وأمانة وعليه سنعالج هذا الفرع من خلال النقاط الآتية.أولا: كيفية استدعاء الشهودكمبدأ عام كل شخص يمكن أن يستدعى للإدلاء بشهادته أمام المحكمة، فيجوز تكليف الشهود بالحضور بناء على طلب الخصوم وهذا هو السائد، أما الحالات الضرورية الأخرى فتكون بطلب من النيابة العامة. وتاريخ الجلسة، وغيرها من البيانات الجوهرية.كما يجوز للمحكمة أن تسمع شهادة الأشخاص الذين يستشهد هم الخصوم ويقدمون عند افتتاح المرافعة دون أن يكونوا قد استدعوا استدعاء قانونيا لأداء الشهادة،هذا خلافا لاستدعاء الشهود أمام قاضي التحقيق إذ يرجع لقاضي التحقيق وحدة تقدير ملاءمة سماع الشخص الذي يريد سماع شهادته وكذا كيفيةاستدعائه " (1).فقاضي التحقيق إذن يتمتع بكل حرية في اختبار الشهود، باستثناء الأشخاص الذين نصت عليهم المادة 2/89 قانون الإجراءات الجزائية (2)، كما لا يجوز للخصوم من تكليف الشهود بالحضور أمام قاضي التحقيق لسماع شهادتهم.ثالثا: بيان واجبات الشهوديتحمل الشاهد ثلاث واجبات أساسية حددها القانون بدقة ورتب على مخالفتها جزاءات، وأخيرا الإدلاء بالشهادة.1- حضور الشاهد والمقصود من حضوره هو مثوله أمام الجهة التي استدعته،2- أداء اليمينيلزم الشاهد بأداء اليمين، هذه الشكلية تهدف إلى جلب انتباه الشاهد إلى خطورة ما سيدلي به حسب ما يمليه عليه ضميره وأخلاقه أو دينه، وإلى إضفاء المصداقية على أقواله "(1).وقد أقره القضاء الفرنسي أداء اليمين؛ حيث ألزم الشاهد بأدائها قبل الشهادة وإلا كانت الشهادة باطلة (2).فيجب إذن على الشهود الذين أتموا سن السادسة عشر أن يحلفوا اليمين، أجازت أن يسمع القصر وكذا المحكوم عليهم بالحرمان من الحقوق الوطنية، إذا لم تعارض في ذلك النيابة العامة، أو أحد أطراف الدعوى.كما أعفت نفس المادة في فقرتها الثانية من حلف اليمين كل من: أصول المتهم وفروعه، وزوجته إخوته وأخواته، وأصهاره على درجة من عمود النسب.ويؤدي الشاهد اليمين أمام المحكمة، أو أمام قاضي التحقيق حسب الصيغة الواردة في المادة 93 من قانون الإجراءات الجزائية (3).إن الالتزام بأداء اليمين من النظام العام، إذا امتنع الشاهد عن أدائه في غير الأحوال المنصوص عليها في القانون، جاز أن تطبق عليه المادة 97 من قانون إجراءات جزائية السالفة الذكر.وقد أقرت الغرفة الجنائية بالمحكمة العليا بأنه: "يعتبر أداء الشاهد اليمين في حالة عدم وجود مانع قانوني من أدائها من النظام العام،3- الإدلاء بالشهادةيعتبر هذا الواجب الأكثر أهمية؛ لأنه ينطوي على التزام الشاهد قول الحقيقة ولأنه سيساهم في إظهارها وإجلاء كل ما من شأنه تضليل القاضي.فبعد التحقق من حضور الشهود يأمر رئيس المحكمة بانسحابهم إلى الغرفة المخصصة لهم، فيتمثل الشهود الواحد تلوى الآخر للإدلاء بشهادته بعدما تتحقق المحكمة من هويتهم الكاملة، وما إذا كانت تربطهم علاقة قرابة، أو مصاهرة بأحد أطراف الدعوى فيتمثل أولا شهود النفي، يليهم شهود الإثبات للإدلاء بشهادتهم، كما يجوز للمحكمة مواجهة الشهود فيما بينهم.وبالنسبة لسماع الشهود أمام المجلس، فإنهم لا يسمعون إلا إذا أمر المجلس بذلك، وهذا ما نصت عليه المادة 432 من قانون الإجراءات الجزائية أما سماع الشهود أمام محكمة الجنايات، فيتم بنفس الإجراءات المعمول بها أمام المحكمة الابتدائية، غير أن الشهود الذين لم يتم استدعاؤهم قانونا ولم يتم تبليغهم للخصوم، فمن حق هؤلاء المعارضة على سماعهم، ويستطيع رئيس المحكمة سماعهم على سبيل الاستدلال.وأمام قاضي التحقيق فيختلف سماع الشهود كل الاختلاف على سابقيه؛ كونهم يؤدون شهاداتهم فرادى وبغير حضور الخصوم، ويتم على إثر ذلك تحرير محضر يتضمن أقوال الشاهد التي يوقع عليها، مع قاضي التحقيق وكاتب الضبط.يتضح مما سبق بيانه أن موضوع الشهادة وشروط صحتها أمام قاضي التحقيق تميل إلى حد ما إلى موضوع وشروط صحتها أمام المحكمة.غير أنها تختلف كل الاختلاف عن المسائل المدنية فبعد استدعاء الشهود، يتم إجراء تحقيق حول ما إذا كان جائزا إثبات الوقائع بشهادة الشهود، وإذا كانت الواقعة المراد إثباتها منتجة في الدعوى، بالإضافة إلى أن تكون جائزة الإثبات، إذ لا يجوز إثبات ما يخالف النظام العام والآداب العامة.ومن هنا يتبين أن الشهادة في المسائل المدنية معلقة على عدة شروط للإدلاء بها، على عكس الشهادة في المسائل الجزائية التي يمكن الإدلاء بها بدون شرط أو قيد؛ لأنها مقررة لإظهار حقيقة واقعة حدثت فجأة، ولا مجال لإعداد دليل عليها مسبقا؛ فالدليل المستمد من الشهادة الذي يلعب دورا كبيرا في الإقناع، يجب أن يشدّ اهتمام القاضي؛ وهذه النقطة الأخيرة تستحق دراسة كاملة، وهو ما نتصدى له في المبحث الثاني.المبحث الثاني: حجية الشهادة في الإثبات الجزائيإن الوقائع المراد إثباتها لا يمكن الحصول مقدما على أدلة عليها؛ لأنه لم يسبقها تراضي أو اتفاق ولأنها ترتكب مخالفة للقانون، وبالتالي تعتبر الشهادة من أهم الأدلة التي تثبت هذه الوقائع والتي تخضع لمطلق تقدير القاضي، فله أن يأخذ بما يطمئن إليه من أقوال الشهود، وله أن يطرح ما لا يثق فيه من تلك الأقوال، وعلى هذا الأساس سنعالج هذا المبحث من خلال مطلبين: الأول تخصه بالشهادة كدليل إقناع، أما الثاني فنعالج فيه تقدير القاضي لقيمة الشهادة، ومدى اقتناعه بها.المطلب الأول: الشهادة كدليل إقناعتظهر أهمية الشهادة كدليل إقناع في المجال الجزائي بصفة خاصة، نتيجة لطبيعة الجرائم التي تحدث في وقت لا يمكن فيه تحضير دليل يثبتها.فيشترط في هذا الدليل الذي يستند إليه القاضي في تكوين اقتناعه، أن يكون صالحا لتكوين عنصر إثبات أو نفي ولا يتأتى ذلك إلا إذا كان هذا الدليل مستمدا من الواقع يقبله العقل والمنطق،والتي تتجه جميعا إلى تحقيق نفس الغاية، وهي إظهار الحقيقة. بما أن الشهادة من الأدلة القولية، فهي تهدف حتما إلى إقناع القاضي بصحة الوقائع التي تتضمنها أقوالهم، سواء في مجال الإثبات أو في مجال النفي، كما أنها تصدر من أشخاص ليسوا أطرافا في الدعوى، إلا أن الشهادة كغيرها من الأدلة القولية قد يشوبها الخطأ، أو النسيان أو الكذب أو المصلحة.فكان من الضروري معرفة الوسائل التي تعين المحكمة في تحليل عناصرها، وما إذا كانت الشهادة مستندة إلى حقيقة الواقعة موضوع الإثبات أو إلى معلومات مختلفة وخاطئة.ولما كانت الشهادة من الأدلة الإقناعية، فقد حدد المشرع في إطار قانون الإجراءات الجزائية أحكامها ولم يضع لها أية قيود، إلا بعض الشروط المتعلقة بالعقل والبلوغ.ومن هنا كان يجب على المحكمة أن تقوم بفحص الشهادة وتحليلها؛ لأن الشهود ليسوا دوما في جانب الحق والصواب، إما لضعف في الذاكرة، أو الخطأ في الرؤيا، أو لتقصير في فهم الحوادث.ولهذا كان على القاضي القيام بتشريح هذه الشهادة، ويتأتى ذلك بطريق وسائل قانونية أهمها جمع المعلومات على الشاهد، وفي الواقع أن عدالة الشاهد، وأمانته مسألة نسبية؛كما يجب بالإضافة إلى ما سبق أن يؤدي الشاهد شهادته شفاهة، وهذا حتى يسمح للقاضي أن يستمد اقتناعه من الأدلة المعروضة عليه مباشرة، وبما يسمعه ويشاهده في الجلسة، لا أن يعتمد على أقوال أخذت في غير معرض القضاء.فحضور الشاهد وإدلاؤه بأقواله أمام القاضي مباشرة دون وسيط، وأن يدرس وضعه ويراقب تصرفاته، وكفاءته الحسية والعقلية لإدراك الحوادث والغرض من وجوب تأدية الشهادة شفاهة يتمثل في منح الخصوم الفرصة الأخيرة لتدارك ما قد يكون قد فات من قصور أو إهمال أمامقاضي التحقيق أو أمام الضبطية القضائية.ومتابعة للوسائل القانونية السابقة وجب أيضا على القاضي اللجوء إلى استجواب الشاهد لا أن يدلي بشهادته وينصرف فيجب أن يستمع القاضي لأقواله، وأن يلقي عليه الأسئلة التي يراها مناسبة؛ لأنه يساهم في إنعاش ذاكرة الشاهد ويساعده على استدعاء وتنسيق ذكرياته.ونصل إلى أنه ليست العبرة بالمراكز القانونية للشهود وبعددهم، وإنما العبرة بما تقتنع به المحكمة وتطمئن إليه من ثبوت هذا الدليل؛ حتى يستخلص النتيجة الأقرب للصواب.المطلب الثاني: تقدير القاضي لقيمة للشهادة ومدى اقتناعه بها لهذا فإن الحكم يشكل أهم إجراءات هذه الدعوى؛ لأنه يمثل غايتها. وعملية تقدير الدليل المطروح هو جوهر هذا الحكم، حيث لا يمكن الوصول إليه أو إدراكه ما لم يمارس القاضي سلطته التقديرية على الدليل محل الواقعة، وأن سلامة الحكم تتوقف على سلامة تقدير الدليل.ولهذا قسمنا هذا المطلب إلى فرعين ندرس في الأول تقدير القاضي لقيمة الشهادةونعالج في الثاني مدى اقتناع القاضي بها.الفرع الأول: تقدير القاضي لقيمة الشهادةإن الشهادة حجة متعدية، أي أن الوقائع التي تثبت بطريقها تعد ثابتة، بل أيضا بالنسبة إلى جميع من يتأثر بالحكم الذي صدر في الدعوى لأنها في الأصل تصدر من أشخاص عدول، ليس لهم مصلحة في هذه الدعوى.فلا يغيب على المحكمة أن الدقة والأناة والمثابرة وسعة الصدر تعين كثيرا على الكشف عما دق أو غمض من أمور، ونظرا للأبعاد التي تحتويها الشهادة يتعين على القاضي حسن فهما بصورة جيدة، ليزنها ويقدرها أثناء مناقشتها.ونظرا لما تتميز به الشهادة من ذاتية ونسبية، فإن تقدير قيمتها في الإثبات هو أمر متروك بصفة مطلقة لتقدير القاضي، ومن هنا فللقاضي وحده السلطة في أن يأخذ بالأقوال التي أدلى بها الشاهد، كما يجوز له أن يأخذ بما يطمئن إليه ضميره منها، وأن يطرح ما لا يرتاح إليه من غير أن يكون ملزما ببيان أسباب ترجيحه لما أخذ به وطرحه لغيره؛ لأن الاطمئنان إلى أقوال شهود أحد الخصوم دون شهود الخصم الآخر، وترجيح شهادة شاهد على آخر مرده وجدان القاضي، فله أن يأخذ بأقوال شاهد ولو كان قريبا للمجني عليه، متى اطمأن إلى أن القرابة أو المصلحة لم تحمله على تغيير الحقيقة.كما يجوز للمحكمة أن تُجزى الشهادة، فتأخذ بالجزء الذي تقتنع بصحته، كما لها أن تأخذ بأي شهادة أدلى بها الشاهد في أي مرحلة من مراحل التحقيق أو المحاكمة إذا اقتنعت بصحتها.ويرجع القاضي في تقديره لقيمة هذه الشهادة إلى أمرين:الأول يعود إلى الواقعة المشهود عليها، والتي تتعلق بمدى احتمال وقوعها منطقيا. والثاني يعود إلى الشهادة الخاصة بهذه الواقعة، لا تخيليا أو توهميا، هذا من جهة، ومن جهة أخرى يرجع القاضي إلى شخصية الشاهد في حد ذاته، فيفحص مدى توافر الشروط التي تجعل منه أهلا للإدلاء بالشهادة.ويتوقف وصول المحكمة إلى الغاية المنشودة من وراء تقييم هذا الدليل إلى فن إدارة حوار المناقشة واستجواب الشهود للحصول على ما لديهم من معلومات أساسية على الواقعة محل الإثبات، فعلى القاضي أن يراعي بعض الأمور الضرورية ويضعها نصب عينه، ويحاول وزن الشهادة ليستلهم منها الحقيقة. ومن هذه الأمور أن يحسن القاضي معاملة الشهود وهو واجب فرضه عليه القانون، وبالتالي يعينه على أداء رسالته، فلا يناله بكلمات جارحة ولا بعبارات استهزاء، كما لا يسوغ للقاضي أن يظهر أمام الشهود بمظهر المتشكك في أقوالهم،فيبادر القاضي بطرح الأسئلة على الشاهد بحيث تكون منتجة ومتعلقة بموضوع الدعوى، وأن تكون واضحة لا لبس فيها. أيضا يجب عدم مقاطعة الشاهد أثناء الإدلاء بأقواله.وعلى القاضي أن ينصت لأقواله، لا أن يسمعه سماعا خاطفا آليا في جلسة صاخبة مضطربة، مكتفيا أن يستخلص من شهادته ربع الحقيقة أو نصفها، غير مبال بتقدير الوقائع.كما يجوز أثناء مناقشة الشهود أن يواجههم القاضي ببعضهم البعض، وأن يعرض عليهم أدلة الإثبات للتأكد من صدقهم. أن يدقق في فحص شهادة الشهود فحصا فنيا وعلميا، لا أن يتعجل الفصل فيها.الفرع الثاني مدى اقتناع القاضي بالشهادةإن الشهادة من الأدلة القولية التي تؤثر في قناعة القاضي بطريق غير مباشر، وذلك من خلال تأكده من صدق هذه الأقوال وصحتها.الاقتناع هو تهيؤ واستعداد ذهني، وهو عبارة عن حالة ذهنية يستنتجها القاضي من الوقائع المعروضة أمامه، كما يتميز أيضا بأنه ذو خاصية ذاتية ح لأنه نتيجة عمل الضمير الذي عنده تقدير الأمور والوقائع.غير أن النتائج المتوصل إليها من عمل الضمير، قد تختلف من قاض إلى آخر رغم وحدة الوقائع ذلك أن تأثير هذه الأخيرة على الضمير يختلف.إذن فالضمير الذي يعتمد عليه القاضي في تكوين اقتناعه ما هو إلا ضوء داخلي ينعكس على كل وقائع الحياة، فهو مستودع للقانون وللقواعد الأخلاقية التي بمقتضاها يتم التفرقة بين العدل والظلم الحق والزيف الصدق والكذب. ونحن إذا ما رجعنا لنستفسر عن شيء ما،إن الأصل في ضمير القاضي، أنه ضمير عادل؛ لأنه يملي عليه أحكاما يقرها المنطق فهي مجردة من الأهواء والمصالح الشخصية، إلا أنه رغم ذلك يتأثر بالدوافع المختلفة والتأثيرات الخارجية التي قد تؤدي به إلى الخطأ، ومن ثم فقد تحدث أحيانا مواقف معينة دون وعي من القاضي نتيجة تأثره بموقف ما، فيرفض دون وعي أيضا أن ينصت لأي معلومات لا تتفق وخبراته السابقة، وهذا الموقف قد يتأتى نتيجة تكوين فكرة مسبقة على الواقعة المطروحة أمامه.لذا فالمبدأ في الاقتناع بالشهادة لا يبدأ إلا بعد الإدلاء بها، بمعنى أنه لا يجوز للمحكمة أن تبدي رأيها في الشهادة وأن تكون فكرة عليها قبل أن تستمع إليها؛ لأن إبداء موقف بشأن واقعة ما يقتضي العلم بها أولا.فعند ما يدلي الشاهد بأقواله وبعد المناقشات التي تتم في الجلسة، من المحتمل أن تقتنع المحكمة بحقيقة غير تلك التي ثبتت أو تكونت في ذمتها مسبقا، والتي بنتها على مجرد افتراضات أو دوافع ما.فالقاضي إذن لا يكون متحرّرًا من كل الدوافع التي يمكن أن تشوب حكمه فالضعف وقلة المعلومات، وكذا اشتراك عواطفه الشخصية قد تلازمه مهما كان ضميره عادلا وحيا، والاقتناع في هذه الحالة هو نتيجة طبيعية وضرورية تمثل هذه الدوافع.وفي هذا الموضوع يقول الدكتور رؤوف عبيد: "إن القاضي الجزائي قد يخرج من مجموع القضية بشعور عميق في نفسه بثبوت أو عدم ثبوت التهمة ويكون من الصعب تفسيره في الحكم، فقد يسمع عشرة شهود إثبات يجمعون كلهم أنهم رأوا المتهم يرتكب الجريمة، ولكنه مع ذلك ليس ملزما بالأخذ بشهاداتهم، وقد يرى أنهم غير صادقين سواء في نظراتهم أو من نبرات أصواتهم أو حركاتهم مع وجود قرائن أخرى قد تبدو ضعيفة في الظاهر، ولكنها مع ذلك يكون لها أثر كبير وخفي في نفس القاضي وقد يصعب عليه أن يشرح في حكمه هذا الأثر، ويبين بالدقة مصدره من التحقيقات، وليس كل القضاة عندهم من البلاغة وقوة التعبير ما يجعلهم يصورون شعورهم بعبارات تقنع القارئ، وتبعث في نفسه ذات الأثر الذي تولد في نفوسهم "(1).وفي جميع الأحوال فإن اقتناع القاضي بشهادة الشهود هو اقتناع نسبي فيما يصل إليه من نتائج، وبالتالي فالحكم المبني على هذا الاقتناع قد يحتوي على جزء من الاحتمال القابل للخطأ، لاشتراك عواطف القاضي الشخصية أحيانا، وبدون شعور منه في تكوين اقتناعه لأنه بطبيعة الحال يكون متأكدا من مدى قابليته للاستجابة للدوافع المختلفة التي تحدث نوعا من الصراع بينها، فيتكون اقتناع القاضي من سيطرة بعض الدوافع على الأخرى؛ ولهذا استقر الفقه على أن القاضي إذا لم يكمل دليل الشهادة بالعقل والمنطق فمن المحتمل أن يخطئ في تقديره للأمور، ولا يمكن القطع بالوصول إلى التأكد التام.وكخلاصة لما سبق يمكن القول إنه غالبا ما لا يبالي القضاة بأقوال الشهود فبسبب الضغط اليومي أو غيره من الأمور، لا يكلفون أنفسهم عناء تحليل أقوال الشهود أو حتى التأكد من صحتها وكنتيجة لعدم إخضاع هذه الشهادات لقدر من الاختبارات الجادة، ولهذا تعين عليهم إنزالها منزلتها اللائقة بها؛ نظرا لأهميتها الكبيرة، وإلا فقد يؤدي ذلك إلى نتائج غير عادلة يمكن أن تكون سببا في إسناد جريمة ما لغير فاعليها الحقيقيين، مما يترتب عنه أيضا تفشي الظلم وهذا ما نصبو إلى تجنبه.لقد حاولنا من خلال موضوع الورقة البحثية الإجابة عن التساؤل المطروح سابقا. وخلصنا في الأخير إلى أن الإثبات الجزائي ينشد دائما الحقيقة بشأن الجريمة، وكذا مرتكبها، فإن لم يقم الدليل على إدانة المتهم في الدعوى، فلا يجوز الحكم عليه بعقوبة ما، بل يجب التصريح ببراءته، ما دام أن الأصل في الإنسان البراءة إلى أن تثبت إدانته بدليل لا يدع مجالا للشك.لذلك خول القانون القاضي الجزائي عدة سلطات لتحقيق العدل، من بينها الاستعانة والاستناد إلى أي دليل يؤدي إلى تكوين عقيدته واقتناعه، والذي ينتهي في آخر المطاف إما بإدانة المتهم أو تبرئته حسب ظروف كل قضية.وما دام أن موضوعنا منصب أساسا على مدى اقتناع القاضي الجزائي بدليل الشهادة، كما عالجنا أيضا قيمتها ومدى اقتناع القاضي بها، سواء داخلية أو خارجيةتجعله يميل إلى رأي دون رأي آخر.وعليه يمن تقديم بعض التوصيات أهمها:بما أن الشهادة تعبر دليل إثبات مهم في المواد الجنائية، وأبعد من ذلك يكاد أن لا يخلو ملف دعوى منها هذا من جهة، وعلى اعتبار أن الشهادة ليست دليلا كتابيا محفوظا، فإن الشهود دائما محل شك وريبة، ومسألة تقصي صدق أو كذب الشهادة تعتبر من الأمور الصعبة؛ لأن القاضي فيها يتعمق ويبحث في شخصية الشاهد، ولهذا يستحسن جعل الشهادة علمًا في بلادنا، على غرار بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية؛ لأنه شئنا أم أبينا، لا يوجد مجال يستغنى فيه عن الذاكرة البشرية مهما تطورت وسائل التسجيل، غير أنه - الذاكرة البشرية يمكن أن يطرأ عليها تغيير أو تحريف سواء كان إراديا (الكذب) أو غير إرادي (الخطأ)، وكلها تعتبر من عيوب الشهادة؛ مما يحمل القاضي مسؤولية اكتشاف هذه العيوب وعليه وجب التكثيف من المواد المتعلقة بعلم النفس في مقررات المدرسة العليا للقضاء؛