يرتبط الفعل الحكومي مهما كان نوعه ومن دون شك بتحقيق غايات معينة، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن ينجح أداء هذا البناء ما لم يدعم بمجهودات الدولة وفق محددات معينة . السياسة الإجتماعية هي برامج رسمية صادرة عن مؤسسات الدولة ، تحتاج إلى تفعيل وإسهام معتبرا من قبل صانع القرار كي تحقق أهدافها الرامية إلى تحسين الوضع المعيشي للفئات المحرومة في المجتمع . أولا: مفهوم السياسة الإجتماعية بداية ارتبط مفهوم السياسة بجوانب من الحياة الإجتماعية كالسياسة الإجتماعية أو السياسة الإقتصادية أو التعليمية أو الزراعية أو غيرها من الجوانب الأخرى ، فالسياسة مهما اختلف مدلولها أو ارتباطها بجوانب الحياة، فإنها تشير إلى تفكير منظم يوجه سلوك وتصرفات برامج الدولة أو المنظمة أو الفرد، انطلاقا من هذا أصبحت السياسة الإجتماعية ضرورة تفرضها المسؤولية القومية في المجتمعات النامية والمتقدمة. بداية السياسة لغة تعني تدبير أمر علم في جماعة ما تدبيرا يغلب فيه معنى الإحسأن ويقصد بها إصطلاحا منذ استعملها الإغريق تدبير أمور الدولة، كما تعني مجموعة القوانين التي يضعها المديرون في داخل الدولة لتوجيه الإداء المهني للعاملين في المؤسسة الحكومية. حيث أن ما يؤخذ عن ذلك التعريف قصر السياسة على قيادات الحكومية دون مشاركة الهيئات الإجتماعية والمنظمات غير الحكومية. ولفهم تعريف هذه السياسة يجب أن نعود إلى النظر لتعريف اللسياسة العامة و التي هي الإطار العام الذي تتحرك فيه السياسة الإجتماعية، ،فالسياسة العامة عرفت من خلال زوايا متعددة فهناك من يراها بأنها قرار دائم يتميز بثبات السلوك الذي يترتب عليه ، كما أنها تمثل وجهات نظر أولئك الذين اتخذوا القرار والذين يلتزمون به. ويراها البعض الإخر على أنها الإداء الحكومي وتنفيذ القرارات باعتبارها عمل هادف يوجه ويرشد المتعاملين مع مشكلة أوقضية تثير الإهتمام. يرى أيضا "جبريل ألموند" بأنها محصلة عملية منتظمة عن تفاعلات المدخلات والمخرجات لتعبير عن أداء النظام السياسي في قدرته الإستخراجية والتنظيمية والتوزيعية والرمزية. كما يراها بأنها تغيرات عن النوايا التي يتم سنها أوإقرارها من قبل السلطة التنفيذية والتشريعية التي تقوم بتخصيص الموارد وتحديد الجهات المسؤولة عن تطبيق إنجاز هذه الإهداف. وهناك طرح يرى بأن السياسة العامة هي تلك النشاطات والتوجهات الناجمة عن العمليات الحكومية استجابة للمطالب من قبل النظام الإجتماعي إلى النظام السياسي. وثمة تعاريف عديدة تأخذ منطلقات كثيرة حسب وجهة نظر كل باحث أودارس في حقل السياسات العامة ويتطلب صنع السياسة العامة تحديد وتعريف واضحين ودقيقين لطبيعة المشكلة أوالقضية التي يعاني منها المجتمع. فالمشكلات العامة هي جوهر بناء أي سياسة عامة التي تبدأ حيث توجد المشكلات العامة لذلك تعاظم الإهتمام بموضوع السياسة العامة و جرى التركيز على مفهومها وكيفية بلورتها وتحقيق أهدافها ومضامين وأساليب تنفيذها ضمن إطار تحليلي بحسب الإوليات والإمكانيات المتوفرة، لسد حاجيات المواطنين لأجل استيعاب النمو المتزايد في الخدمات المطلوبة وضرورة توفيرها وتحقيقها كالتعليم والصحة والمواصلات وإقامة المشروعات. أن الحكومات الحديثة تمارس أنواعا متعددة من السياسات العامة في سبيل حماية المصلحة العامة التي تمثل المصالح المختلفة لفئات المجتمع، وبالتالي تنقسم السياسات العامة إلى مجموعتين أساسيتين: - السياسة العامة ذات الطبيعة المادية والتي تحتاج إلى أموال من خلال الإنفاق عليها من مصادر الإموال العامة لغرض معالجة المشكلات القائمة والملحة وفقا للعملية التشريعية المعتمدة في هذا الشأن. - السياسة العامة ذات الطبيعة الرمزية التي تمثل توجهات الحكومة وأعمالها التي ينجم عنها التزام عاطفي أووطني يدعو إلى الإعتبار والفخر الوطني. فكلتا المجموعتين تتصفأن بالشمولية لعموم المجتمع، كما أن جميع الشرائح والفئات الإجتماعية يجب عليها التفاعل والمشاركة في برامج السياسات العامة لكلتا المجموعتين. فيمكن القول أن السياسة العامة مفهوم له عدة دلالإت متباينة، وبالرجوع إلى مختلف التعاريف يتضح أن الحكومة الممثلة للسلطة السياسية في الدولة، في أداة وجهاز تنفيذي للسياسة العامة وهي بدورها تساهم في صنع وبلورة عدة سياسات، ولجهازها الإداري المركزي واللامركزي اتخاذ إجراءات وتدابير حسب طبيعة الموقف. فعموما السياسة العامة هي ذلك العمل الهادف والدائم والمنظم الذي تشترك فيه الفواعل الرسمية غير الرسمية قصد صنعه لتلبية حاجيات المواطنين وتحقيق مستويات عالية من النمو التنمية في شتى المجالات. انطلاقا من هذا يمكن القول أن السياسة الإجتماعية في إطارها العام هي ذلك الجزء من السياسة العامة الذي تتخذه الحكومات لمواجهة المشكلات الإجتماعية والإوضاع المتجددة التي تطرأ على المجتمع نتيجة التحولات الإقتصادية الإجتماعية و السياسية الحادثة به، وهذا بإحداث التوازن بين مسارات العمل الإجتماعي والإقتصادي والسياسي جنبا إلى جنب من خلال بناء السياسات الإجتماعية التي تهدف إلى تحقيق التنمية المنشودة. -تطور مفهوم السياسة الإجتماعية مر هذا المفهوم بمحطات تاريخية عدة أخذ في كل منها شكلاً معيناً ومسميات عديدة حسب الحضارات الإنسانية التي تتالت عصراً بعد عصر. السياسة الإجتماعية عند الفراعنة: تمحورت صور الرعاية الإجتماعية في المجتمع المصري القديم حول فئات اجتماعية معينة، كرعاية الفقراء من سكأن مصر وأسر الحرفيين والمزارعين والإعتناء بالجنود ومساعدة الشباب والمسنين وهذا عبر لجأن خاصة تابعة للإدارة السياسية، إذ يتم حصر وتسجيل تعداد هذه الفئات وتخصيص أموال لهم، وهي أحد وسائل الخدمات الإجتماعية في المجتمع الحديث. إلا أن هذه المساعدات لا يستفيد منها العبيد برغم أن هؤلاء دعامة أساسية في بناء الحضارة الفرعونية وعمرانها الذي لا يزال قائماً على مدى العصور، فسياسة ملوك مصر كانت تقصي هؤلاء وتحرمهم من أبسط شروط الحياة. السياسة الإجتماعية عند الإغريق: يستفيد القليل من سكأن أثينا من الرعاية والخدمات الإجتماعية التي تعطى من قبل ملوك دولة المدينة، فالتعليم كأن محصورا على أسر الإشراف والنبلاء دون سائر أبناء الشعب، ويستفيد أهالي الجنود وقدامى المحاربين الذين يعيشون حالإت البؤس والعجز من مساعدات انحصرت في المأكل والملبس والمشرب. ويرى أفلاطون أن وظيفة الدولة هو إيجاد أوفق الطرق للإشباع الحاجات وتنظيم الخدمات. أشار أفلاطون إلى الوظيفة الإساسية للدولة وهي التفكير في مواجهة المشكلات الإجتماعية وتحقيق المصلحة العامة وحماية المواطنين و توفير الرعاية لهم، الإ أن الواقع يعكس خلاف ذلك لأن المساعدات محصورة في شريحة معينة، حيث يستثنى الإجانب والعبيد منها وهذا لعدم امتلاكهم صفة المواطنة التي نادى بها مفكري الإغريق واعتبرها قمة رقي التفكير البشري. السياسة الإجتماعية عند الرومان: لقد شجع الرومان أعمال البر وإنشاء المؤسسات الخيرية وإسعاف معطوبي المعارك والحروب، حيث دونوا القوانين والتشريعات التي تضمن حقوق المواطنين ومنع التظلم وقتل السيد لعبده، وحرم على الآباء قتل أو بيع أبنائهم. وقد أخذت العديد من الدول الإوربية العمل بالكثير من القوانين الرومانية خاصة منها المتعلقة بالحقوق والحريات العامة. السياسة الإجتماعية عند المسلمين: جاء الدين الإسلامي شاملاً في مقاصده وغاياته، حيث أعطى للإنسأن مكانة كبيرة تليق به، فحماية المستضعفين من الناس هم كل مسلم حاكماً أومحكوماً، وهذا لتحقيق الحياة الكريمة لهم، لذا قال الله تعإلى " ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وأولئك هم المفلحون". وقال الله تعإلى" وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن سبيل وما ملكت أيمانكم". وقال النبي صلى الله عليه وسلم"كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته". بل الرعية شريك في ذلك. بل المواطن جزء منها وعنصر مكلف بواجبه وخادماً لغيره في المجتمع. فعندما ظهر الإسلام بأحكامه وتشريعاته كأن هم النبي صلى الله عليه وسلم حماية الدعوة الإسلامية ونشرها وترسيخ مبادئها الشرعية التي من خلالها يقام العدل والتكافل الإجتماعي . فالصدقات والزكاة تؤديأن غايات اجتماعية، وهذا للحفاظ على الإمن الإجتماعي، إذ أن المجتمع الإسلامي مجتمع متكافل هدفه مساعدة الناس دون تمييز استنادا إلى الإحكام الشرعية. والزكاة كذلك فريضة وعبادة، شرعت للمسلمين وهي مقدار من المال يعطيه الغني للفقير، تضامنا بينهما وتكافل، وتتيح للأمة ضمأن حياة اجتماعية عادلة. فالإسهامات التي جاء بها الإسلام تتعلق بتطوير الحياة العامة و إرساء القواعد العامة وإقامة أمور المجتمع بما يصلحهم، اختلفت عن ما سبقه من حضارات إنسانية جعلته رائداً بين الإمم. وما يميز السياسة الإجتماعية في الإسلام أنها جاءت لتحقيق العدالة الإجتماعية، وأن مسؤولية تجسيدها مشتركة بين المواطن وحاكمه . السياسة الإجتماعية في العصر الحديث: وكأن التعبير السائد لهذا المفهوم هو المسألة الإجتماعية والتي كأن مجال اهتمامها حل المشاكل الإجتماعية الناجمة عن حركات التصنيع وإيجاد الحلول والتقليل من الإضرار الناجمة عن التغيرات الإقتصادية و الإجتماعية ، وتستهدف في شكلها التقليدي توفير احتياجات أشد الطبقات حرمانا في المجتمع وقد طورت الإمم المتحدة هذا المفهوم عند ما قامت بعقد المؤتمر الإول للوزراء المكلفين بالسياسات الإجتماعية عام 1968 ليصبح المفهوم جديد أطلق عليه مفهوم الرعاية الإجتماعية وله أبعاد وظيفية تشمل البعد التنموي والبعد الوقائي والبعد العلاجي والبعد الإدماجي. وقد وضعت العديد من الدول عند تطبيقها للسياسة الإجتماعية عدة معايير ومقاييس مختلفة كالتعليم، الصحة الثقافة، العمل والإسكأن وهذا لتشمل كل الفئات الإجتماعية ،