إسحاق ابن خفاجه (٤٥١ - ٥٣٣) شاعر الطبيعة الأول في الأندلس وغيرها، فقد كانت مهمة هذا الشاعر تكثيف كل تلك المظاهر التي رأيناها موزعة عند الآخرين، واتخاذ للطبيعة قاعدة للغزل والذكرى، وإجلال للاستعارة المستمدة من الطبيعة محل غيرها من استعارات، ووقوف عند المنظر الطبيعي لرسمه كله جزءا جزءا بغية الرسم. إلا أن دور ابن خفاجة لم يقف عند هذا الحد إذ زاد في التشخيص وفي الرابطة العاطفية بينه وبين الطبيعة واعتمد وسائل فنية جديدة متصلة بملكات خاصة لديه، ولم يكتف بأن يربط الطبيعة بموضوع الحب ومجلس الخمر، وجعلها المتكأ الذي يستند إليه القول الشعري عامة: ربطها بموضوع الرثاء أولًا، بمعاني العبرة؟ وإذا صدقنا التقدير نقضنا على أنفسنا القول بأنه شاعر الطبيعة وقلنا إنه كان يرى الطبيعة في إطار الفناء، وضمن إحساسه بالتغير، وحسه الدقيق بالصراع بينه وبين الزمن. قلماً أضاف فيه الجديد إلا بعض المبالغة ويضيف معاني إنسانية وحكم وأمثال على منوال المتنبي ، وربما لم يكن راجعاً إلى انه لم يمر به طيف من الحزن والتشاؤم ، وكان يعجب بألوان البديع وهو يقترب في ذلك من ذوق أصحاب التصنيع أمثال أبي تمام ، وأهم موضوع عُني به وصف الطبيعة إذ كان مغرىً بوصف الأنهار والأزهار وما يتعلق بها من تشخيص للطبيعة والتصوير لمباهجها وهو ليس تصوير جديد فكان العباسيون كذلك أمثال أبي تمام وابن الرومي وغيرهم يصورون هذه المباهج تصويراً لا يقل عن تصوير ابن خفاجة ،