يُصنف المؤرخون الأتراك هذه الحقبة بأنها العودة إلى الديمقراطية الدستورية. وباستذكار موجز للأحداث، ففي عام ١٨٧٦م، اعتلى السلطان عبد الحميد الثاني العرش واعداً بدستور، وقد وفى بوعده. لكنه استغل وصول جيش العدو إلى أياستيفانوس نتيجة هزيمته في الحرب الروسية التركية لحل مجلس النواب وتعليق العمل بدستور عام ١٨٧٦م. قانونياً، لم يخالف السلطان الدستور بل مارس حقوقه الدستورية. ورغم وجود الدستور على الورق، فقد النظام الدستوري وأصبح حكمًا مطلقًا. إن غياب نظام سياسي ليبرالي وعدم تحقيق النجاح في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والخارجية والداخلية لا يعني عدم إمكانية تكرار أخطاء وإنجازات عهد عبد الحميد الثاني، ولا يزال تقييم هذه الأحداث موضوعياً غائباً. حاولت إدارة السلطان الحفاظ على الوضع السياسي الراهن بتقديم تنازلات لرأس المال الأجنبي، إلا أنها اضطرت لتأجيل دفع رواتب الموظفين والجنود بسبب الضعف المالي المستمر، واهتزت جراء المشاكل الأرمنية والكريتية والبلقانية المتتالية، ولجأت على نطاق واسع للرقابة والتجسس داخلياً. في المقابل، أوقفت الفساد المستشري وأنشأت مؤسسات جديدة نافعة. نُسجت حول عبد الحميد الثاني أساطير كثيرة جعلت التمييز بين الحقيقة التاريخية وشبح "السلطان العظيم" أو "السلطان الأحمر" صعباً. للغرض هنا، يكفي أن حركة تركيا الفتاة (لجنة الاتحاد والترقي)، التي انبثقت من منظمة سرية أسسها طلاب طب عسكريون، عزَت عجز البلاد عن إيجاد حل لتخلفها إلى استبداد السلطان ورأت الخلاص في إعادة العمل بالدستور، بالتزامن مع الذكرى المئوية للثورة الفرنسية. كان قسم أعضاء اللجنة المركزية يقضي بالولاء لأهداف الجمعية، عدم الخضوع لحكم عبد الحميد الثاني الظالم، وعدم إفشاء الأسرار. خلال عقدين حتى عام ١٩٠٨م، أنشأ الشباب الأتراك، ومعظمهم من الخارج، منظمات بأسماء مختلفة ونشروا مطبوعات، وتضاربت آراؤهم أحياناً وتوصلوا لاتفاقات أخرى. من فصائلهم دائرة مشفيرت (أحمد رضا)، جماعة مراد (ميزان)، جماعة الاتحاد (عبد الله جودت)، جماعة عثمانلي (تونالي حلمي)، ومنظمة "تشبس وشاهسي وآدم مركزية" (الأمير صباح الدين). أدركت أهم هذه الفصائل أن التحرير يعتمد على عوامل أعمق من تغيير السلطان والدستور، لكنها قبلت بهما كشرط أولي. تحولت حركة تركيا الفتاة من معارضة فكرية إلى انقلاب حاسم بدعم من ضباط الجيش، وكان هذا التحول نتيجة للقضية المقدونية. أدرك الضباط الشباب أن الأراضي الأوروبية المتبقية ستُفقد بحجة عدم تنفيذ الإصلاحات بسبب الضغوط الخارجية، فسيطروا على منظمات تركيا الفتاة أو نظموا أنفسهم، مما سرّع النتائج. في مايو ١٩٠٨م، قدمت لجنة الاتحاد والترقي عريضة إلى قنصليات الدول الكبرى في منستير احتجاجاً على التدخل في مقدونيا. وفي الشهر التالي، ٢٣ يونيو ١٣٢٤ (١٩٠٨م)، نفذت الجمعية انقلاباً في شوارع منستير، ونشرت بياناً على الجدران يصف الحكومة باللاشرعية ويدعو "جماعة الحمقى والجهلة" والأوغاد للانسحاب من حياة الأمة. عندما عجز السلطان عن قمع هذا الاضطراب بالوسائل العسكرية، وبموافقة الجمعية، شكل ضباط شباب عصابات مختلطة من عسكريين ومدنيين ومسلمين وغير مسلمين، وتوجهوا للجبال للضغط على يلدز وبابرالي. ونتيجة لذلك، وبعد ثلاثة وثلاثين عاماً من الاستبداد، أعلن عبد الحميد الثاني ليلة ٢٣/٢٤ يوليو ١٩٠٨م إعادة العمل بالدستور وعزمه على عقد مجلس النواب، مما بدأ العصر الدستوري الثاني. تميز العصر الدستوري الثاني لعبد الحميد الثاني بأنه استجابة لميول تركيا الفتاة. فقبل يومين من إعلان قيام الدولة، عزل السلطان فريد باشا الموالي لألمانيا وعيّن سعيد باشا الموالي لبريطانيا صدراً أعظم. استقالت الحكومة التي تشكلت بغالبيتها من وزراء سابقين خلال عشرة أيام بسبب انتقادات الصحافة المتحررة. ثم أُجبرت الحكومة الثانية لسعيد باشا على الاستقالة من قبل لجنة الاتحاد والترقي بسبب تفسيرها للدستور بشأن تعيين وزراء الحرب والبحرية. أما الحكومة الجديدة، التي شكلها كامل باشا، الموالي لبريطانيا بشدة، فقد أقسمت على الدستور وأعلنت برنامجاً إصلاحياً شاملاً. فضلت لجنة الاتحاد والترقي، المتمركزة في مدن روملية كسالونيك وموناستير، الابتعاد عن الأضواء. لكن خطة الحكومة لإعادة تنظيم جميع الخدمات العامة اصطدمت بمصالح قائمة، فتعثرت في خطواتها الأولى وتسببت بمشاكل داخلية وخارجية للدولة. في الأسبوع الأول من أكتوبر ١٩٠٨، أعلنت بلغاريا استقلالها (رغم السيادة العثمانية)، وضمت النمسا-المجر البوسنة والهرسك، وأعلنت كريت ضمها لليونان. كانت هذه المناطق قد سقطت فعلياً، لكن هذه الخسائر الاسمية المتتالية خلال أقل من ثلاثة أشهر من العصر الدستوري الثاني ألحقت ضرراً بالغاً بالإدارة الجديدة. كان حدث ٣١ مارس ١٩٠٩م محاولة انقلاب فاشلة من المعارضة، ممثلة بحزب الأحرار (الأمير صباح الدين) وجمعيته المحمدية، بتسهيل من ضباط غير تابعين لـ"الاتحاد والترقي". فشل الجمعية المحمدية والمعارضة عموماً ألقى بالمسؤولية على السلطان. بعد قمع الانتفاضة، عوقب أشخاص مثل درويش وحيدتي الذين استغلهم الثوار كأدوات، بينما لم يتمكن الجيش الأول في إسطنبول من فعل الكثير بسبب تردد وزير الحرب. في هذه الأثناء، فُصلت فرقة مشتركة تُسمى "جيش الحركة" من الجيش الثالث في سالونيك بقيادة محمود شوكت باشا، وبرئاسة حسين حسني باشا، ورئيس أركانها المقدم مصطفى كمال بك. أُرسلت هذه القوة المختلطة (أتراك وبلغار ومدنيون) فوراً إلى إسطنبول بالقطار. قبل دخولها إسطنبول، تولى محمود شوكت باشا القيادة، وأنور بك، الملحق العسكري في برلين، منصب رئيس الأركان بالنيابة. بعد أسبوع، وبينما كان جيش الحركة يحشد في تشاتالجا، بدأت الجمعية العامة (مجلس الشيوخ والنواب) اجتماعات مشتركة في أياستيفانوس لبحث سبل عزل السلطان. ورغم أن معظم النواب كانوا مرشحين من الاتحاد والترقي، لم يُظهروا ولاءً كاملاً إلا بعد وصول جيش الحركة، واتخذوا موقفاً تصالحياً مع الثوار. بعد القمع العسكري، صوتوا بالإجماع على عزل عبد الحميد الثاني. أُعدت فتوى شرعية لعزل السلطان، تضمنت اتهامات له بإزالة أشياء من الكتب الدينية وحظرها وحرقها، التبذير في الخزانة، الظلم (كالقتل والسجن والنفي دون مبرر)، نقض القسم والتسبب في فتنة ومجازر، كما ذكرت الفتوى أنه كان معزولاً في أجزاء كثيرة من البلاد. وعليه، تُرك الخيار بين التنازل عن العرش أو العزل لـ"سلطات القرار والاتفاق ورجال الدين". (المادة الأولى من الفتوى تُظهر استغلال الثوار للدين). قام أعضاء المجلس، بصفة "المخولين بالقرار والإلزام"، بعزله مباشرةً. وهكذا تُوِّج شقيق السلطان المخلوع، ولي العهد رشاد أفندي (٦٤ عاماً)، باسم محمد الخامس، سلطانًا دستورياً معتدلاً حقًا. أما عهد عبد الحميد الثاني الدستوري الثاني، الذي دام ثمانية أشهر، فقد مرّ دون أي إنجازات تُذكر. رغم النجاح الكبير الذي حققته لجنة الاتحاد والترقي في الانتخابات العامة بين إعلان الحرية و٣١ مارس، إلا أن تأثيرها على السياسة كان غير مباشر، مما يجعل هذه الفترة مرحلة انتقالية وليست فترة "سلطة" مباشرة للجنة. شهدت السنوات الثلاث الأولى من حكم محمد رشاد سيطرة غير مباشرة للجنة الاتحاد والترقي، لكن هذه الفترة انتهت في النصف الثاني من عام ١٩١٢م.