أردت أن أشهد بخلاصة تجربتي لعل ذلك يفيد في تغيير ثقافة المدخنين، ومنه سلوكهم لعلهم يسعدوا بوصولهم لما وصلت إليه بعد 16 سنة من التدخين بمعدل 25 سيجارة يومياً. فقد نشأت في بيئة تربط التدخين بالنضج، لماذا يدخنون؟ وجربت مرة وبخفية أن أدخن فأصبت بدوخة وإعياء، وخطوة بعد خطوة وعلى مدى أكثر من عشر سنين أصبحت أشعر بضرورة التدخين ولا بد من شراء السجائر! لا يوجد مدخن يعترف بأنه مدمن، فالمدخن يدرك أن السيجارة هي شريكة حياة، التدخين ليس بالإدمان الجسدي الذي يعانيه الكحوليون أو مدمنو المخدرات، بمعنى أن انقطاعه يؤدي إلى أعراض حرمان أو مرض جسماني، بل وكأن للسيجارة تعوُّد نفسي تشغل البال بغيابها، كأن بها مطرقة تعمل بالذاكرة لتنبه مركزاً ما بالدماغ، فذكر التدخين أو رؤية المدخنين يؤدي بالمدخن لأن يسيل ريقه، وكلما ركز انتباهه على هذه الذكرى اندفع هذا الشعور إلى الأعلى، فيتحسس جيبه لعلبة السجائر ويتلذذ بالتدخين مخمداً كل ما عاناه، ولهذا نجد المدخن يدغدغ السيجارة قبل إشعالها ليزيد شغل البال، ومن ثم زيادة التمتع بها. يعيش المدخن حالة صحبة مع السيجارة غير عابئ بكل ما يسمع ويرى ويقرأ عن أضرارها، وكل من يتكلم عنها بسوء ـ في رأيه ـ فإنه لا يدرك معانيها ولا يقدر معنى الحياة معها. وهكذا يعيش المدخن دائماً في دائرة معيبة تضيق عليه مع امتداد عمر تدخينه، ومشكلة التدخين أنه بلا أعراض حادة تدفع الشخص للترك، فمع مرور الوقت يصبح ضيق النفس عادة وأسلوب حياة يعتاده المدخن، وكم رأينا من المرضى المستخدمين للرذاذ الموسع للقصبات أو الأكسجين المنزلي أو موسعات الشرايين الإكليلية ومع ذلك يصرون على التدخين، فالمرض لا يثني المدخن عن التدخين، لأنه ببساطة يظن أن كل من ينصحه يتكلم عن غير إدراك لما يحس به ويشعر، وبمن ثم يرفض ترك التدخين، ويصر على الاستمرار! المدخن يتأقلم مع بيئة خارجية وداخلية وتتأقلم معه، كيف يمكن أن نترك التدخين إذاً ؟ مما يفيد أولاً ذكر فوائد ترك التدخين أكثر من التخويف من أضراره، فماذا يحدث بعد ترك التدخين؟ إن ما يشكل الثقافة والذات هي المعلومات التي تتفاعل مع نمط الشخصية المرتسمة جينياً بهندسة الهية دقيقة، والمعلومات على إطلاقها هي كل ما يحيط بنا، وأننا نستطيع معالجة ما بين 300 و500 معلومة تقريباً في الدقيقة الواحدة على مستوى الوعي، وبعلوم الكمبيوتر تقاس المعلومة بالبايت ومضاعفاته أي الكيلو والميجا والجيجا والتترا بايت، وهكذا فلكل شخصية نكهة ثقافية مميزة، واتفاق مجموعة من الناس في مجتمع ما حول مواقف معينة تعطي سمات الثقافة المجتمعية والوعي الجمعي ومن ثم التمايز بين المجتمعات. وبهذا يتمايز الناس بالوعي الفردي بقيمة المعلومات للتجدد والمحافظة على الحيوية الفردية والجماعية. فالمعلومات الحاضرة معنا محصورة دائماً بثلاثة متغيرات هي الزمن والمكان والأداة، أما المتخلفون فارتضوا لأنفسهم ما بين أيديهم من معارف،