حينما اتخذْتُ طريقي إلى المدرسة ذلك الصباح، خاصة وأن السيد (هامل) قالَ إِنَّهُ سيسألنا في أسماء الفاعل والمفعول، مَاذَا يُمكن أن يقع بين الراوي والسيد (عامل)؟ والسّماءُ مُشرِقةً باسِمَةً . على أنني استعَنْتُ بِكُم هائل من الصبرِ وَصدَّ الإغراء لِمُقاومة ذلك كُلِّهِ، فَهرَعْتُ إلى المدرسة موقنا بأنه لا بد مما ليس مِنْهُ بُد، ما إن احترت دار البلدية حتى لَمَحْتُ جَمْعًا عميرًا مِنَ النَّاسِ أمام لوحة الإعلانات، وفكرت ماذا عساه أن يكون الآن حدث؟ وَعَدَوْتُ بأقصى سرعة، يُرافقه صبية خفف الوطء يا بني - ستصل إلى مدرستك في متسع من الوقت! وخلته يهزأ بي. وما إن حاديت الحديقة الصغيرة حتَّى كُنتُ قد استنفدت والدروس التي تُرَدُدُها بصوت واحد مرتفع وأيدينا على أدائنا سعيا وراء فهم أعمق، ومسطرة مُعَلِّمنا الرهيبة تطرق المنضدة أمامه، على أن الهدوء ساعتها كانَ مُخيمًا على تجاويف الزمان والمكان. فواعجبي ويا لسوء حظي كُنتُ أنوي التسلل إلى مكاني تحت ستار الفوضى، يومها كان الصّمْتُ أشبه بسكون المُصَلِّينَ فإذا رفاقي قد جلسَ كُلِّ مِنْهُم في مقعده، فيما كانَ السَّيِّدُ (هامل) يَدْرِعُ غُرفة الدرس ذهابًا وإيابًا، رآني السيد (هامل) فقال برقة: «اذهَبْ إلى درجك بسرعة أيُّها الصغير (فرانز)، لقد كُنا على وَشَكِ البدء من دونك . وقفزت بسرعة إلى مقعدي ، وساعتها لَمْ أَكُنْ قد لا حَظْتُ أَنَّ مُعَلَّمَنَا كَانَ يرتدي بدلته الخضراء الأنيقة، فما الخَطْبُ؟ وزاد في دهشتي وعجبي ما كان يسود المدرسة من صمت وهدوءه على أن استغرابي بلغ أوجه حينما لمحت المقاعد الخلفية وقد امتلأت بأهل القرية تعشاهم - كما تغشانا - سكينة ووقار لمَحْتُ العجوز (هاوزر) بقبعته ثلاثية الأطراف، ولاحظت بأن العجوز (هاوزر) كان قد وضع كتاب مادي التعليم على ركبتيه، فيما جعل نظارته الهائلة بين صفحاته، وفي حضم تساؤلاتي الحائرة تلك رأيت السيد (هامل) يتجه إلى مقعده، ويقول بذات النبرة الرقيقة التي حاطتني بها - سيكون هذا الدرس يا أولادي هو آخر ما سألْقُكُمْ إِيَّاهُ، فقد صدر الأمر من (برلين) بتدريس الألمانية فقط في مدارس الإلراس واللورين)، فهذا هوَ آخِرُ دَرسِ لَكُمْ بالفرنسية ونزلت كلماته علي نزول الصاعقة ذلك إِذا ما تَسَمَّرَ النَّاسُ بِسَبيهِ أمام لوحة الإعلانات «آخر درس لي بالفرنسية» وأنا بالكاد أكتب لن أتعلم أكثر من ذلك؟ كم أشعر الآن بوخر الضمير . بالندم على ما أَضَعْتُهُ في سالف أيامي مِنْ وقت في الجري بحثا عن أعشاش الطيور ، أما مُعَلِّمُنا السيد (هامل) فقد أنساني قُرْب فراقه مسطرته الرهيبة وغرابة أطواره. يا للمسكين فذلك إذا ما دعاه إلى ارتداء أجمل ملابسه، ولهذه البلاد التي أضحت لغيرهم، ولات حين مندم وفي أثناء ذلك أمرت بالقراءة جاء دوري إذا، ساعتها تمنيتُ مِنْ كُلِّ قلبي أن أقرأ المطلوب بكل طلاقة واقتدار، ثُمَّ تَعثَرْتُ عند أول كلمة، ويداني ممسكتان بطرف المنضدة كوندين، ولا أجرؤ على رفع رأسي حجلا وتسللت إلى كلمات السيد (عامل) في رقة وهدوء لن أو بحك أيها الصغير (فرانز)، فيك ما يكفيك عن اللوم والتأنيب، أرأيت؟ إننا نقولُ لِأَنفُسِسًا كُلُّ يومٍ لِمَ العَجَلَهُ هُناكَ مُنْسَعٌ من الوقت، «تأجيل تعلم اليوم إلى العد» لقد مكنتم أولئك الدخلاء - بذلك أن يقولوا لكم تدعون بأنكُمْ فرنسيون، إنْ آبَاءَكُم يتحملون قدرًا لا بأس به من المسؤولية، فقد كانوا يُفَضّلُونَ أنْ تَنضموا إليهم في الحقول على تلقي العلم؛ وأنا نصيبي من اللوم والتقصير لا بأس به كذلك ؛ أَلَمْ أُرسلكم لسقي أزهاري في بعض الأحيان بدلًا مِنْ تَدريسكُم؟ وعندما كُنتُ أرغب في الذهاب لصيد الأسماك أَلَمْ أَكُن أكتفي بمنحكم إجازة أنطلق بعدها بسنارتي كالفاتح المظفر ؟ وتحدث السيد (عامل) في أمور كثيرة، ولم ينس أن يحثنا على التمسك بها، مبينا أن الاستعمار إذا ما حَلَّ بِشَعبٍ فَإِنْ تَمَسُّكَ هذا الشعب بلغته يعني امتلاك مفتاح سجنه. وفتح المعلم (هامل) بعد ذلك كتاب القواعد، لَمْ أتذكر أني أصغَيْتُ سالِفًا بذاك القَدْرِ من الاهتمام، ولا شَرَحَ هو لنا الدرس بمثل ذلك الصبر . بدا الأمر كما لو أن المسكين أراد أن يسكب في ذواتنا كل ما كنتُ جُمله على أوراق جديدة بخط جميل . وبدت كما لو كانت أعلاما صغيرة ترفرف فوق أعمدة أدراجنا . ليتك كُنت معنا كي تشهد ذاك الصمت الذي ساد يومها، لَمْ يَكُنْ هُناكَ ثُمَّةَ صوت يُسمع سوى نقشِ الأقلام على الطروسِ، سيرغمون الحمام أيضًا على الهديل بالألمانية ؟». وكُنتُ أرفع رأسي بَيْنَ الوهلة والأخرى، فأرى السيد (هامل) جالسا على كرسيه دون حراك، فكأنما هو يُحاول تثبيت كل لقطة في ذاكرته إلى الأبد. قُلْتُ في نفسي: طوال أربعين سنة كان يَجْلِسُ على الكرسي ذاته أمام الفصل، فيما تتسلل نظراته عبر النافذة بين فينة وأخرى إلى حديقته البهيجة. ما تغير من ذلك شيء سوى امتداد يد البلى - نوعا ما - إلى المقاعد والمناضد، وتسامَتْ وأذرع اللبلاب التي تسلّقت الجدار مُلْتَفَةٌ حَوْلَ النوافذ حتى جاوزت السقف. يا للمسكين كمْ سَيَكْسِرُ ذلك قلبهُ، عندما يُغادرنا إلى غير رجعة بعد أن اعتاد على ذلك كله ؟ موجع هذا الدهر أحيانًا، وشرعت أقرأ ملامح الأسى في تقاطيع وَجْهِهِ، إذ كان يتحتم عليهما مغادرة البلاد في اليوم التالي. مكنته من الاستماع إلى كُلِّ دَرس حتى نهايته. بعد درس الكتابة جاءَتْ حِصّة التاريخ، وقد أمسك به بكلتا يديه في شوق ولهفة مودع. ولا أخالُها تفعل ما حييْتُ ودقت ساعة المدينة الكبيرة فجأة متزامنة مع صوت أبواق الجنود العائدين لتوهم من ساحة التدريب، ونهض السيد (هامل) مِنْ مقعده، وَخُيْلَ إِلَيَّ أَنِّي لَمْ أَرَهُ بِهَذَا الطُّولِ مِنْ قَبْلُ. على أنه لم يستطع مواصلة الحديث، أوى إلى ركن قصي من الفصل، وأسند إلى الجدار رأسَهُ،