كان عملي يبدأ باكرا. كان علي أن أفتح الاسكافية وأن أقوم بالتنظيف. ثم كنت أذهب لرمي الأوساخ بعد تمشيطها لاضع على حدة المسامير والقطع الجلدية الجيدة وقطع الشمع إلخ . ثم أخرج بعد ذلك للقيام بالمشتريات عند بائعي الخردوات دون أن أنسى إذا أتيحت الفرصة أن ألعب كرة القدم لفترة قصيرة بالضرب على كرة من خرق الكتان مع الأطفال الذين هم في عمري. كانوا يعلمونني كيف أقطع الكرتون والجلد وكيف أسمر الأحذية التي انتهى من صنعه والتي هي قابلة للبيع. والحفظ ثيابي من الغراء فقد أعطي لي مئزر وهكذا صار مظهري فعلا إسكافيا. كنا خمسة أو ستة عمال من أعمار مختلفة بالإضافة إلى صاحب المحل الذي كان يعطي الأوامر ويوفر النصائح كنا نصنع الأحذية للتصدير الصغير، فقد كان التجار التلمسانيون يذهبون لبيعها في مدن وقرى الناحية الوهرانية. كنا كذلك نصنع أحذية على المقاس حسب أذواق الزبائن. كان الدكان في حي نشيط وهذا كان يعجبني كثيرا كان هناك على مقربة منا فرنان في حالة عمل حيث كان ينضج فيهما الخبز لعدد من الأحياء. كان الأطفال ياتون باستمرار حاملين سينيات خشبية عليها الخبز الذي لا بد من إنضاجه وفي رمضان نرى زيادة على ذلك سينيات مملوءة بالحلويات المصنوعة من اللوز والقرفة والعسل والفانيلا وماء الورد. فالأطفال الفقراء كانوا ينظرون بشغف إلى تلك الحلويات التي يوزعها عليهم أحيانا العائلات التي هي في طريق البرجوازية بمناسبة الأعياد الإسلامية، فهل كان هذا خوفا من الله أو الخوف من جهنم أو لتجنب آثار السحر التي تحدثها مطامع الفقراء. يقال بأن الاسكافيين هم الذين لا يتسبطون جيدا. فهذا صحيح وقد لاحظته مدة تمهيني فقد رأيت صاحب المحل والعمال يلبسون أحذية كانت قد أعطيت لهم للترقيع أو إعادة فرشها وفيما يخصني ما زلت لم ألبس حذاء في رجلي. كان والدي يهديان لي بلغات بمناسبة الأعياد الدينية. ولكنها كانت مصنوعة من الكرتون أكثر من الجلد وكانت لا تقاوم أكثر من شهر. وفي تلك الفترة كان عمري عشر سنوات . كنت دائما ألبس شيئا بسيطا كنت البس عباءة طويلة بيضاء تنزل إلى غاية العقب وتحتها كنت البس سروالا، يعني بنطلونا ملونا كنت أشده عند الحزام بتكة وكنت أضع على رأسي المحلقة شاشية صغيرة وكان رجلاي حافيين في أغلب الأوقات. وفيما بعد صرت البس تعالاً تساعدني كثيرا في الرياضة ومصروف والدي. فقد كنت مستريحا جدا هكذا لكن إلى حد ما من العمر. بكيفية أخرى تطورت مطالبي وفي هذا الوقت كنت أعيش مع فكرة الذهاب لرؤية أبي في مكان عمله ولم أتوقف من التردد على أمي في هذا الموضوع. ولم تكن أمي تنظر إلى هذا الموضوع بعين راضية. ولا تحصل على رضاها قررت أخيرا أن أرى السيد رفائيل الذي قبل بتسهيل الأمر لي وهكذا حدد تاريخ سفري الأول. كان فرحي عظيما وكان خيالي يدور بسرعة فائقة كنت أتصور كل شيء كنت خائفا نوعا ما من القيام بهذا السفر وحدي مع أناس لا أعرفهم. لا عليه، فإن الله يساعدني بالطبع فقد كنت أخفي ذعري حتى لا تعارض أمي هذا السفر الذي كان يقذف بي في الأحلام. لقد تحصلت على رخصة التغيب من الاسكافية. وقد تم الإقلاع في العشية. فالمسافرون وعددهم عشرة قد أخذوا أماكنهم في العربة مع رزماتهم كان كل هذا يتم في حركة كثيرة الإضطراب السيد رفائيل كان هنا وكان العديد من الناس يحيطون به. كان يذهب من مكان لآخر والغليون في فمه والأوراق في يده. بعدما أقلعت ذهبت كل تخوفاتي لتترك المكان إلى الفضول . كنت أنظر بصفة خاصة إلى الأملاك الكبيرة حيث ينبت القمح والكرم. فقد مررنا بقرية الحناية في ساعة مبكرة وكانت هذه القرية مركزا هاما للتعمير على بعد ثمانية كيلومترات من تلمسان هنا كما الحال في أماكن أخرى فإن نظام نزع الأملاك قد خلف ضحايا الصالح الوافدين الجدد وبالتالي فإننا نلتقي من حين لآخر فلاحين بدون أرض متوجهين جماعات وفرادى إلى المدينة. فإن الحوذي الذي جلست قربه كان يقول عندما يراهم مساكين ! ثم يتحدث عن أبي وعن عائلتي والناس في تلمسان. وكان يقول كلاما طيبا عن السيد رفائيل ويتحدث عن كرمه. إن هذا الرجل، حسبه، كان يحب العرب. كان يقصد أن هذا الرجل ينظر بعين بشرية إلى العرب دون حبهم فعلا أكثر من الآخرين، إلا أن موقف السيد رفائيل كان بارزا بالنسبة لموقف المعمرين الآخرين الذين لا يمتنعون عن إظهار كرههم للعرب حتى لو كان ذلك بالمزاح. في وقت معين وبعد فترة من السكوت، قرع الحوذي سوطه وقال : أترى هناك في المنعرج ؟ فهنا لك ينتظرنا أبوك مع أحصنة لتعويض هذه الحيوانات المسكينة التي تعبت . فكرة رؤية أبي في بلد بعيد عن تلمسان كانت تفرحني، وكنت مسرورا بالوصول. إن هذه الجولة التي أوصلتني أربعين كيلمترا خارج تلمسان تمثل بالنسبة لي سفرا خارقا للعادة وقد كنت مستعجلا للقيام به قبل أن تتوقف العربة بصفة نهائية قرع الحوذي سوطه عدة مرات ليعبر عن فرحه وليبحث عن رضا المسافرين. ثم أعلن بصوت عال من مقعده : عمي أحمد ! عمي أحمد ! ها هو ولدك إنه نشيط جدا ! فليحفظه الله من حيث الناس ! كنت متاثرا كثيرا. وأضاف الحوذي : لا تتحرك، سأحمل رزماتك وتنزل فيما بعد . عندما جاء دوري، توجهت نحو أبي الذي كان واقفا أمام أحصنة التعويض الثلاثة. فقد ضمني بقوة ثم قبلني وأشار لي بالبقاء قرب العربة بينما ينهي قرن الفريق الجديد من الأحصنة. أخذ الحوذي طريق بني صاف بعد ذلك بقليل. ثم رافقت أبي إلى الاصطبلات في الضيعة / المرحلة وأنا حامل رزماني هنا تكلف أبي بالأحصنة فأعطاها الأكل ثم اقتادني إلى الغرفة الكبيرة التي كان يعيش فيها. فقد خيم الليل دون أن نشعر بذلك. حضرنا كل شيء للعشاء ثم أوقد أبي مصباح العواصف ووضع على مائدة قصيرة مرقا بالبطاطا واللحم والطماطم. جدا. فالسفر والهواء الطلق قد حركا شهيتي . وخلال العشاء سألني أبي عن أخبار العائلة وعن عملي. هل تعلمت شيئا علي الأقل في مهنتك كإسكافي؟ سألني وهو يبتسم. كنت تعبانا ولكني كنت منشرحا وفرحانا بوجود جو عائلي. بمجرد الإنتهاء من العشاء، وعندما رأى أن النوم بدأ في الإستيلاء علي، أشار لي بمكاني الذي أنام فيه قلت مكاني ولم أقل سريري. هو نفسه كان ينام على فراش موضوع على حصيرة من الحلفاء تحتها بعض الألواح. عندما استيقظت، قدم لي أبي إمرأة عربية لطيفة جدا. ربما كانت خادمة، كانت تسكن في المحطة مع أبنائها. كانوا كلهم يتكلمون الفرنسية. فقد كنت متأثرا بكل ما أرى هذه الضيعة الكبيرة، كل ما تحتوي عليه حركة العربات ذهابا وإيابا والأنعام والخيل والأراضي الغنية التي تحيط بنا. ومن دون أن أشعر لم أستطع أن أمنع نفسي من مقارنة صفصافنا الصغير مع هذه الضيعة وهذه الأملاك في تلك الفترة لم أفهم لماذا كانت هناك فروق كنا نكتفي أحيانا بالقول أن الفرنسيين كانوا يتقنون العمل ولكننا لم نكن نقتنع بما نقول . خلال النهار، أنبات أبي بالتساؤلات في هذا المجال. فضحك. وفي ذلك كان يقر من أي حديث شائك لأنه كان يعتقد أن ذلك ليس من مستوى عمري إذ قد اكتفى بالقول إن الله يجازي الرجال حسب ما يعملون وما يستحقون . وكان هنا يشير إلى ما جاء في آية من القرآن . كان ينبغي أن أفكر في الرجوع. كان أبي قد حضر عدة رزم ووضعها في كيس. وكنت في آن واحد فرحانا بالعودة إلى تلمسان ومستاء من إبقاء أبي في هذه الغرفة الكبيرة وحدة وسط هؤلاء الناس الذين ليسوا من عائلته. أعطاني في هذا الشأن العديد من الوصايا. عندما قال الخوذي : "هيو ! هيو 1 قارعا سوطه، واقف قرب الخيل. فقد كان السيد رفائيل من مجموع المسافرين في هذه المرة. غليونه الذي لم يفارق فمه طوال المسافة. كنت مغموما، هذه العربة بصعوبة وفي هدوء رهيب كنت ما زلت أفكر في عزلة أبي. فالسيد رفائيل الذي كان من حين لآخر يرسل الأضحوكات مرة بالعربية ومرة بالفرنسية قد نجح في اخراجي من عالم الحنين. وبعد هذه الإستراحة التي دامت أسبوعا صغيرا، رجعت إلى الاسكافية. وفي الحين وجهت لي الأسئلة لا حول السفر ولكن حول غيابي الذي كان لا ينبغي أن يتجاوز ثلاثة أيام. فصاحب المحل قد وبخني بصفة جادة. فقد تحملت ذلك بصعوبة لأنني لم أكن بعيدا عن الرجوع إلى أهلي وقرع الباب وراثي. ولكن عندما أخبرت أمي بهذا الحادث، فقد أوصتني بالا آخذ في الاعتبار هذه التصرفات والكلمات المؤذية التي يقولها صاحب الاسكافية. حسبها فإنه لم يكن يريد إلا مصلحتي . وعليه فقد رجعت إلى العمل ولكن بأقل حماس من الماضي. كنت دائما أنتظر أن يحدث شيء فيخلصني من هذا المكان. وفي كل مرة عندما أتعرض لاستياء كنت أفكر في المدرسة التي تركتها بصفة مفاجئة. فقد كنت أندم كثيرا على التغيبات التي كانت عملا غير ناضج وأن أبي قد أنبني كثيرا على ذلك. فقد رأيت من جديد رفقاء القسم. فقد أخبروني أن المقاعد موجودة في المدرسة وأن المعلم لا يرغب في أخذ التلاميذ الذين لهم عمر معين، وبما أننا لم نكن نتحدث عن هذا في عائلتي فإنني كنت أجهل عمري وأتساءل هل ما زالت الشروط تتوفر في فقد وحدد منزلا جديدا، كان على ملكية سي الغوثي صاري الحاج الدين كنت - متوحدة على طرف حي الرحيبة على بعد مائة متر عن شارع سيدي سعدي فقد كنت متننا جميعا في منتهى الفرحة لأننا هكذا تقترب أكثر من أقرت في هـ حي كنا نسكن على بعد بعض الأبواب من عائلة في الغولي صدري نجح حين ومن خالتي منصورية وفاطمة بن ديمراد وبالتالي قريبين من أبناء وبدت حتي وى جانب ذلك كان الإخوة الأربعة في الغوثي، الحاج السنوسي سي حمد بن قيده وسي محمد بن قلفاط. وعلى مسافة من هنا نجد الحاج عبد القدر معشوي بدي كان يسكن حي مصطفى مع أخيه على ثلاثمائة متر خوند به يكن هناك إلا أخوات وإخوة وخالات وأبناء وبنات حؤولة وكانت فرحتي وكانني سمكة في نماء. فمباشرة بعد رحيلنا في هذا الحي العزيز علينا، وجدوا لي عملا آخر خارج تلمسان عند أحد الأقرباء وهو صديق سي الغوثي صاري علي الحاج الدين وهو السيد مسلي الغوثي كان متزوجا وأبا لعائلة وكان يستغل حانونا في الحناية. فالبعد وفقدان رفاقي والعابي، كل هذا كان يقلقني كثيرا. وفي الاخير قبلت هذا العمل الإرضاء عائلتي وإثبات حسن نيتي في القيام بتجربة أخرى في عشية من صيف سنة 1908، ذهبت مع صاحب العمل الجديد إلى الحناية، كان في يدي كيس صغير من القماش فيه بعض الملابس وشيء من الماكولات سي الغوثي مسلي كان رجلا شابا كان يلبس شاشية جميلة وبدلة أنيقة. ولكنه كان قليل الكلام وذا مسحة حزينة وهذا ما كان يخيفني. فقد تم اقتيادي مباشرة إلى ما خلف الحانوت لا تعرف على المكان الذي سأعيش فيه وأنام عندما ينتهي الشغل فالمكان كان صغيرا ومظلما وعاريا. وكان يتصل بالحانوت مباشرة بواسطة باب صغيرة كانت تفتح مباشرة على أمتعتي. فما عدا كيسي فقد كان هنا حصيرة ووسادة ولحاف وبعض الأشياء الصغيرة، إن هذا التوطين الحزين لم يعجبني تماما، وبالإضافة إلى ذلك وجدت نفسي معزولا وقد تخلى عني . وأتذكر أني كنت أتناول وجباتي وحدي في النهار كنت مشغولا بالعمل وبالإتصال الزبائن وبالتالي أنسي متاعبي. ولكن بمجرد ما . يأتي المساء، فإني كنت أعرف كل المتاعب، فكان يدا قوية تمسكني من الرقبة وتضغط على حيقي بعنف. كم مرة بكيت في سكوت الليل وأنا أحاول كظم شهيقي. كنت أود الصراح ومناداة أمي لتأتي لإسعافي. وفي صباح يوم من الأيام فكرت في الهروب، ولكن الخوف منعني. كنت أخشى أن أتيه في الطرق وأن أجد نفسي محاطا بكلاب أو ذئاب . قيل لنا أن فهذا يحوم في نواحي جبال عين فرة.