مراحل تكون المنهج العلمي في العصور القديمة في العصور الوسطى وفي العصر الحديث: وفهم البيئة المحيطة به، واستغرقت هذه العملية وقتا طويلا، وكان من الصعب تتبع تاريخ البحث العلمي وخطواته بدقة عبر السنين إلا أنه ظهرت بعض المعالم للتطور في مجال البحث العلمي عبر عصور متتالية وهي على النحو التالي: أي العلم ذاته، صلبا من أصلاب الحضارة الإنسانية بأسرها، وأبرز جوانبها إثباتا لحضور الإنسان الموجود العاقل في هذا الكون. ببدايات وجوده والتفاعل مع العقل والحواس في استكشاف، وتفهم العالم الخارجي الذي يحيا فيه لينمو ويتطور عبر الحضارات المتعاقبة طبعا بمعدلات تتفاوت تفاوتا كبيرا. وتحررت يداه منذ قرابة نصف مليون سنة مضت، فبدأ التفاعل بين اليد والدماغ وبين العقل والحواس وراح الإنسان يتعامل مع البيئة المحيطة به. في أولى المواقع التي شهدت ظهوره على ضفاف الأنهار الكبرى وموارد المياه الغزيرة في الصين وجزيرة جاوة بإندونيسيا وفي العراق ومصر والجزائر، ثم استخدام هذا الحجر في توليد الشرر وتسخير النيران في التدفئة والإضاءة والطهي، علاوة على هذا، إذا كانت الرياضيات أقوم العلم الحديث ورمزه المبجل وروح المنهج العلمي المحدث تقوم على التحاور بين الرياضيات والتجريب، فإن نقوشا بدائية على جدران كهوف أثرية متوغلة في أعماق التاريخ، ربما كانت هذه الرموز القديمة التي عثر عليها علماء الآثار في جزيرة جاوة، لا تتجاوز الإشارة إلى عدد أصابع اليد، ويقول ج. كراوثر: (محاولات أسلافنا الساذجة في استخدام الحجارة هي التي قادت عبر مئات الآلاف من السنين إلى ما يتصف به علمنا اليوم من كمال، كان احد أسباب نمو المخ والذي عن طريقه تحول الإنسان تدريجيا من الحيوانية إلى الإنسانية إذن العلم بمعنى ما - أقدم الإنسان). أقدم عهدا من إنسانية الإنسان بل مؤدية لها وقد أصرف كارل بوبر في تبيان أن التحاور بين الفرض والاختبارات التجريبية، أو بين الدماغ واليد عبر آلية المحاولة والخطأ، جوهر مفهوم المنهج العلمي. بنظرته الوظيفية البنائية، وقد أخرج عام 1936م دراسة مهمة بعنوان ٌالسحر والعلم والدين ٌتوضح أن هذه الدوائر كانت متمايزة في العقلية البدائية. كان السحر إقصاء تاما للعقل ولا يستند إلا على تقاليد موروثة وحكرا على طبقة السحرة والكهنة أما العلم البدائي فلأنه علم ينبع من العقل البدائي وتصوبه الملاحظات البدائية فقد كان متاحا أكثر للجميع ولن تنفرد به طبقة معينة إلا الحضارات الشرقية القديمة، وكان الدين مختصا بالعالم العلوي والحياة الأخرى ما بعد الموت والعلم مختص بالعالم الأرضي والحياة الدنيا يمكن أن يتواجدا معا في العقلية نفسها في حالة الإنسان البدائي كما هو الأمر في حالة الإنسان المعاصر غير صحيح أن دائرة السحر تبتلع دائرة العلم، لما سارت عمليات الصيد والزرع وسائر الفنون والحرف والصنائع التي تقيم الحياة البدائية. على أنها محض وحشية غارقة في الخرافات، ولمصارعة المصاعب والاستجابة لتحديات البيئة التي وجد نفسه فيها، وجدنا العلم شريانا من شرايين الحضارة الإنسانية، و تقدم العلم هو عينه مسار تقدم الحضارة. وعن الأساس العريض الأولي للعلم والممارسات النظامية إلى حد ما للمنهج العلمي وبدء تراكم حصائلها وتطبيقاتها فقد تخلق هذا في الحضارات الشرقية القديمة، هي التي اخترعت الحضارة والمدينة والمجتمع المنظم والدولة المركزية، كانت المنشئ الأصيل لمحاور شتى في العلم سواء الرياضة الحساب والهندسة والفلك أو العلوم التجريبية كعلوم المعادن والكيمياء وصولا إلى الطب والجراحة. وكان الفينيقيون على اتصال بها وتجارا ذوي براعة وجسارة في ركوب البحر وبعض المعارف المتصلة بهذا وعلى اتصال مباشر بالبابليين في العراق القديمة ولا يضاهي الإنجاز المصري القديم في ميدان العلوم وإتقانه إلا إنجاز حضارات بلاد الرافدين، البابلية والأشورية والسومرية والأكادية خصوصا الحضارة البابلية، حيث تتغير قيمة العدد وفقا للخانة التي يوجد بها خانة الآحاد أو العشرات أو المئات، وإن كانت الشواهد تميل إلى ترجيح كفة الفراعنة فيه هذا وفي المقابل نجد أن كفة البابليين أرجح في قضية رموز الأرقام الهندية أعظم اختراع في التاريخ من حيث المساهمة في تسيير منهج الاستنباط الرياضي. يوازي اختراع العجلة في تاريخ العقل التكنولوجي، مؤرخون آخرون يرون العكس، حيث صعوبة شق الطريق وتعبيده، ليكون الإبداع الأصيل، على أن الصين القديمة تراجعت فيها الرياضيات والتفكير البرهاني والمنهج الاستنباطي وعرفت التفكير القانوني وعرفت التفكير في الطبيعة لكنها افترقت إلى الأساس المنهجي الاستدلالي، ودرسه حكرا على طبقة الكهنة، لأن العلم وممارسة المنهج العلمي منغمسة بشكل ما في الواقع الثقافي المعيش. ثم كانت نقلة حاسمة في المرحلة الحضارية التالية حيث النموذج الإغريقي الأنضج والأقدر، والمشكلة أن تثبيت مركزية الحضارة الغربية وإمبرياليتها إنما يمتد إلى الإغريق، بإهدار تام لدور الحضارات الشرقية القديمة الأسبق وعبر الذي أدخل عليها بعض التجديدات - بتعبير رشدي راشد - انتقل العلم من الإغريق إلى أحفادهم وورثتهم الشرعيين في غرب أوروبا، له أن يقسمها كما يشاء، من حكم في ماله فما ظلم وبالتالي استعمار العالمين عدل وحق وواجب للغرب. تراجع هذا الآن مع تنامي وتطور مباحث تاريخ العلم والتطور الذي لحق بفلسفة العلوم خصوصا بعد كتاب توماس كون (بنية الثورات العلمية 1962م) فباتت تسلم بأن حاضر العلم لا يفهم بدون ماضيه، في المنظور التكاملي يبدو النموذج العلمي الإغريقي مرحلة تالية لمرحلة الحضارات الشرقية القديمة، مستفيدة منها مواصلة لمسارها بدأت في اليونان ليس في مكان آخر من أوروبا لقربها وسهولة اتصالها بمواطن الحضارات الشرقية الأسبق منها لاسيما مصر وفينيقيا وببابل، ثم تطويرا له، أقر عدد من العقليات العظمى في حضارة الإغريق أمثال: هيرودوت أبو التاريخ وطاليس أول الفلاسفة والفيلسوف العظيم أفلاطون شيخ المثالية وهيبوقراط وسواهم بأنهم زاروا طيبة وبابليون، أي مركز الحضارتين الفرعونية والبابلية وتعلموا منهما ومثلت مصر القديمة بالذات مثلا أعلى ماثلا أمام الإغريق. فبينما اهتم هذا الأخير بالجوانب التطبيقية والتقنية، اغفل الجوانب المنهجية النظرية والاستدلالية، اهتم بالنظري والبرهاني دونا عن التجريبي والتطبيقي كان الفضل العظيم للإغريق في صياغة الأصول النظرية العقلانية للمنهجية، وهيكل التفكير البرهاني الاستدلالي، خصوصا الفلاسفة القبل سقراطيين الذين بدأت معهم الفلسفة الغريبة بدايتها الحاسمة المعتمدة. قال طاليس إن الماء هو أصل الأشياء جميعا، وتبعه تلميذه ألكسماندر الذي قال إن (الأبيرون) أو عنصرا هيوليا غير متحدد وغير متعين هو أصل الأشياء، أما فيثاغورث الذي ظهر في القرن السادس ق. م باذخ العطاء ويصغر طاليس بثلاثين عاما، كان آينشتاين في القرن العشرين لا يزال مبهورا بنظرية فيثاغورث الشهيرة، احتقر هؤلاء عالم الطبيعة التجريبي أو بتعبير أرسطو عالم ما تحت فلك القمر، * تطور المنهج العلمي في العصور الوسطى: ونحن نقصد بالعصور الوسيطة الفترة التي ازدهرت فيها الحضارة العربية الإسلامية وفترة عصر النهضة في أوروبا، وذلك كله منذ حوالي القرن الثامن حتى القرن السادس عشر ميلادي. والحضارة الإنسانية ليست إلا عقدا متصل الحلقات . ومما لا شك فيه أن بالحضارة العربية هي حلقة اتصال بين حضارة ما قبلهم من اليونان واليهود وحضارة أوروبا في عصر النهضة . وما يهمنا نحن بالدرجة الأولى هو طريقة أو منهج البحث، فقد تجاوز الفكر العربي الحدود الصورية لمنطق أرسطو . فالأقيسة المنطقية – كما يقول ابن خلدون - أحكام ذهنية والموجودات الخارجة متشخصة فالتطابق بينهما غير يقيني لأن المادة قد تحول دونه، اللهم إلا ما يشهد له الحس من ذلك فدليله شهوده لا تلك البراهين المنطقية. الثامن والحادي عشر والثاني عشر ميلادي ولو لم تنقل إلينا كنوز الحكمة اليونانية لتوقف سير المدنية بضعة قرون. فوجود حسن بن الهيثم وجابر بن حيان، وأمثالهما كان لازما، وممهدا لظهور غاليليو ونيوتن، ولو لم يظهر ابن الهيثم لاضطر نيوتن أن يبدأ من حيث بدأ (ابن الهيثم ولو لم يظهر جابر بن حيان لبدا غاليليو من حيث بدأ جابر). ويمكن أن نشير إشارة عابرة إلى الرياضيات عند العرب. فلعل محمد بن موسى الخوارزمي هو أهم شخصية جديرة بالذكر، وعلى هذا الأساس قامت دراسات الجبر في العصور الوسطى الإسلامية والمسيحية وبواسطته دخل النظام العشري بلاد أوروبا، من هذا يعد هذا الكتاب ذا أهمية عظمى. كما بدأت دراسة الكيمياء عند العرب، وعن العرب انتقلت المعارف الكيميائية إلى أوروبا في العصور الوسطى باسم الكيمياءAlchemy ولعل من بين الاهتمامات الجديدة للعرب في هذا المجال ما يشتهر عنهم باهتماماتهم بتحقيق فرض عسير التحقيق، وخلاصة هذا كله أن العرب أسهموا بإنتاجهم العلمي الأصلي وأسهموا باصطناع منهج الاستقراء واتخذوا الملاحظة والتجربة أساس البحث العلمي وأنهم أفادوا من حضارة ما سبقهم كاليونانيين والهنود . وفي مقدمة من أرسى قواعد التفكير والبحث العلمي في أوروبا روجر بيكون (1214/1294م) وليوناردو دا فينشي (1452/1515) وغيرهما ممن طالبو باستخدام الملاحظة والتجريب وأدوات القياس للوصول إلى الحقائق وعارضوا منهج أرسطو في القياس المنطقي . إلا أن هذه السلطات لا تزال لها فعاليتها، قد عانى من الاضطهاد والتعذيب على يد السلطات الدينية، واضطر على إنكار عملياته علنا بعد أن استبدل شرحه لحركات النجوم على أساس مركزية الشمس بشرح آخر هو حركة النجوم وارتباطها بمركزية الأرض. * تطور المنهج العلمي في العصور الحديثة: ونحن نقصد بالعصر الحديث الفترة الممتدة من القرن السابع عشر حتى وقتنا المعاصر وفي هذه الفترة اكتملت دعائم التفكير العلمي في أوروبا أو كادت وبدأت هذه الخطوة على يد الكثيرين وأهمهم فرانسيس بيكون وجون ستيوارت ميل وكلود برنارد وغيرهم . ولعل مسيرة البحث العلمي الكبرى-خصوصا في العلوم الطبيعية- يمكن أن تعود إلى التجارب التي أجراها جاليليو في الفيزياء وذلك في أوائل القرن السابع عشر لقد كان هذا القرن قرنا رائعا. وتوج هذا العصر باكتشاف اللوغاريتم على يد العالم نابير عام 1614م وبحوث هارفي على الدورة الدموية (وإن كان ابن النفيس العربي قد سبقه إلى ذلك) وكذلك استخدام الرموز العشرية على يد بريجز عام 1618م ثم نشر نظريات فرانسيس بيكون في مؤلفه (الأداة الجديدة للعلوم) عام 1620م ليفصل فيه قواعد المنهج التجريبي وخطواته ثم يظهر بويل كأب للكيمياء الحديثة وأفكار نيوتن الرياضية عن قوانين الجاذبية عام 1679م وغيرهم.