ولذا كان البشر يؤدون معظم أنشطتهم الحياتية واليومية بالقرب من موارد المياه، ها ًما إلمدادات المياه، بكم وكيف هطول األمطار الموسمية، 1( وقد ابتكرت الشعوب القديمة والعيون واآلبار، والتي تم استخدامها كإمدادات مباشرة للمياه أعماًال هيدروليكية )2( رائعة من األنفاق، وقنوات، وما إلى ذلك من أعمال تساعد على تزويد المدن بالمياه ، وقد تميزت الفترة الرومانية بروعة االبتكار البنائي للقنوات المائية، شيو ًعا لتلك القنوات، إضافة لذلك مثلت الصهاريج مصد ًرا حيويًا من مصادر المياه في أنظمة الري الرومانية، والتي تم تطويرها من خالل بناء السدود، ثم تاتي الحقبة البيزنطية التي تم خاللها التخلي عن بناء القنوات 3( نسبيًا، واالستعاضة عنها بإنشاء العديد من الصهاريج، ولكن تنوعت وتعددت مصادر تغذيتها بالمياه، إما عن طريق القنوات المائية أو عن طريق الصهاريج األكبر. وقد كانت هذه الصهاريج إما صهاريج مفتوحة هوائية(، وغالبًا ما كان يتم الموضوع وارتكزت الدراسة على محورين رئيسيين  أوًال: القنوات :- حينما ُشرع في بناء قنوات المدينة، كانت تستدعى اعتبارات ثالثة لها تاثيرمهم على بناء تلك القنوات، الحاجة إلى منحدر منتظم، واإللتزام بعبور الوديان في بعض األحيان، والحاجة إلى برج مياه يُشيد على أعلى مستوى من خالل أنابيب الطين أو قنوات البناء ذات التدفق السطحي المفتوح، وذلك لتوصيل المياه في المدينة. وقد صعب فهم إدارة توزيع المياه في المدن من خالل هذا المزيج من أبراج المياه، وخطوط األنابيب، 4( وكيفية االتصال بين قنوات المياه خارج المدن، وقد أكدت بقايا البنية التحتية المائية في القسطنطينية هذا النظام المعقد إلدارة وتوزيع المياه في المدينة الوديان والحقول هو محور االستثمار في البنية التحتية، ثم تطور الوضع بعد ذلك، وتوزيع المياه طيلة العصر البيزنطي )5(. وتجدر اإلشارة بأن قبل تأسي مدينة القسطنطينية، كانت بيزنطة تتغذى بالمياه من خالل القناة التي تم 6(، والتي حملت اسمه تشييدها في عهد اإلمبراطور الروماني "هادريان 131 – 111( "Hadrianم( وقد تم تزويدها بالمياه عن طريق نبع يقع في غابة بلغراد وبالرغم من عدم العثور على أية آثار يستدل بها على خط هادريان، إال أنه استمر في أداء دور هام وحيوي لمدينة القسطنطينية، لتغذية الحمامات العامة، وحمامات المياه الساخنة والباردة، وكذلك لتغذية القصر اإلمبراطورى. ويمتد إستخدام ذلك الخط إلى القرن السادس الميالدي، حين ارتبط خط هادريان ببناء صهريج البازيليك عانت مدينة القسطنطينية منذ نشأتها من مشاكل حادة في إمدادات المياه، باإلمبراطور قنسطنطين األول عام 333م أن يشيد خط مياه امتد من جبال ستراندزها 9( Strandzha( إلي القسطنطينية بطول وصل إلى 242 كم تقريبًا )13(. وعلى ما يبدو أن هذا الخط تم مده بين تالل الكتلة الصخرية كما قام اإلمبراطور ثيودوسيوس األول 395 – 319( Theodosius Iم( بتعديل وتحسين هذا الخط 12(. وبسبب تلك التطويرات الهامة عرف الخط الحقًا باسم "قناة ثيودوسيوس" لما 11(، كما قام بتطويره بذله من جهود لتطويرر كل من اإلمبراطور ثيودوسيوس وفالنتينيان في الثامن عشر من يناير عام 314م، مرسو ًما يشكل جاء في فحواه: " يجب على جميع الرجال أن يساهموا بحماس شديد، ويحثوا على إعادة ترميم الميناء والقناة، وال يجوز إعفاء أي شخص من هذا الواجب المشترك" ومن المتضح أنه قد تم تخصيص مبالغ كبيرة لإلنفاق على تطوير وترميم تلك القناة، من القانون الذي أصدره اإلمبراطور أركاديوس وهونوريوس في الحادي والثالثين من ديسمبر عام 396م، 15( بالحد من إنفاقات القناة لتوفير ما يعادل مئة حيث طالبا القضاة الخم البرايتوريين )14( المعينين للقناة جنيه من الفضة كي يخصص ذلك المبلغ لإلحتفال بميالد اإلمبراطور أركاديوس 11( والتي تعرف 11(. حاليًا بالتركية باسم "بوزدوغان كيميري Bozdoğan Kemeri" ويقع بالقرب من صهريج أتيوس الذي يقوم بتغذية صهريج 19( كما سيتضح الحقًا. اإلشراف على عملية بناء القناة لكليرشوس 21( Cleorchus( حاكم مدينة القسطنطينية، 23( التي توفر الشرب 22(، 24( للسكان إلى جانب أعمال الري، وكذا توصيلها للحمامات العامة الرقم، مسافة 65 كم، حيث تم االستفادة من الينابيع الوفيرة في دانامانديرا Danamandira. جلبت المياه من مصادر تبعد مسافة 123 كم عن المدينة، حيث تم تمديد فرعين للقناة في نهايتها عند دانامانديرا نحو ينابيع فيز 25( Vize(، ومن ثم يصير الطول الفعلي للقناة 426 كم على أقل تقدير، ولربما وصل إلى 564 كم. وفي القرون الالحقة تم تمديد خط فالنز ليصبح طوله 193 كم، الثالث والرابع، وما يزال ذلك الخط قائ ًما في أسطنبول حتى اآلن)26(. وقد تبين مما سلف، أن الينابيع كانت المصدر الرئيسى لتغذية قناة فالنز، فهى الممول األساسى إلمدادات تلك القناة بالمياه. على أن قناة فالنز قد أصابها زلزال عام 441م، أضر بها جزئيًا، وصارت سيئة اإلستخدام بسبب عدم 21(، وبصفة خاصة، اإلنفاق العام على األشغال العمومية والمرافق الضرورية 451 – 453( Marcianم(، والذي أصدر مرسو ًما عام 451م بتوجيه كل موارد الدولة لتوفير األموال 21( الالزمة إلصالح تلك القناة ولعل تلك األحوال كانت الدافع الذي حدا بالمؤرخ بروكوبيوس إلدانة اإلمبراطور جستنيان )521- 565م( بإهمال تلك القناة، وعدم إبدائه رغبة في إصالحها، حتى ال تتحمل خزانته تلك النفقات، وقد أضت الدنيا األشد فق ًرا وبؤ ًسا من خالل إهماله ألهم مادتين تباشر حياتهم، الماء والخبز. 29( على أن اإلمبراطور جستين الثانى 511 – 565( Justin IIم( قام بإصالح تلك القناة عام 516/515م، 33( في مدينة أنطاكية برز االهتمام الشديد بشق القنوات منذ عهد الرومان، 111 – 91( Tarjanم( في عام 115م ببناء قناة حملت اسمه "قناة تراجان"، والتي كانت معتمدة في فقد قام على تحويل المياه المتدفقة من تلك الينابيع إلى الوديان 32(. وال شك أن ينابيع دافني قد أسهمت بشكل المعروفة باسم "أجرياي Agriai" ثم تحويلها إلى أنطاكية فلم تكن هناك حاجة ماسة لحفر أية أنفاق عبر التالل لتمرير قنوات تساهم في االستفادة من بعض الينابيع التي تقع خارج أنطاكية أو التي تستفيد من مياه األمطار، وبصورة أوضح وأدق فإن ينابيع دافني قد أرست نو ًعا من االكتفاء الذاتي المائي ألهل أنطاكية كما قام اإلمبراطور هادريان ببناء قناة مائية في أنطاكية عام 111م، أطلق عليها اسمه، 35(. وقام اإلمبراطور هذه القناة من ينابيع دافني )34( عبر سد أقيم به حواجز حديدية عرفت باسم بوابة السد هادريان أي ًضا بتوجيه بعض الينابيع التي كانت تصب في إجرياي، والمعروفة باسم نبع "باالس Pallas" 36( إلنشاء قناة في دافني توفر احتياجات السكان من المياه وذلك من خالل اإلستفادة من مصادر الينابيع فحسب، بل نجد لها مردو ًدا عسكريًا أي ًضا )31(، حين قام بإستغالل مياه نهر بعد وذلك لتفويت الفرصة على أي عدو خارجى في إمكانية السيطرة على أنطاكية بإطالة أمد الحصار لتوافر المياه أمام العدو أو تعطيش المدينة بقطع القنوات المتصلة بالنهر، فكان للقناة المائية مردود عسكرى بتخطيط عبقرى. ومع ذلك، احتفظ جستنيان بالحماية التي يوفرها وذلك يعني أن بناء القنوات نهر العاصى، وشيد جسو ًرا جديدة، ثم أعاد النهر لمجراه الطبيعى السابق أضيف إليه مردود عسكري أي ًضا. كما قام جستنيان بإستغالل مياه األمطار لإلفادة منها في تزويد المدينة – من خالل القنوات الرومانية السابقة – بالمياه، فقد وجد بمدينة أنطاكية جبالن شديدا اإلنحدار يقفان على مقربة من بعضهما، أحدهما يدعى "أوروكاسياس Orocassias"، وقت هطول األمطار سيل يسمى "أونوبنيكت Onopnictes"، وكان سيًال موسميًا يتدفق من المرتفعات 39(. ومن ثم قام جستنيان ببناء سد أمام ذلك الجزء من الجدار األقرب للوادي، والذي يندفع السيل منه نحو الجدار، ويمتد من الجزء المجوف من الوادى إلى الجبال على كال الجانبين، والتي تم تكييفها وتثبيتها لتجميع مياه األمطار وصد السيل عن اإلندفاع عبره، وقد تم نقل القناة الرومانية المبكرة )هادريان( إلى فوق هذا السد، والذي حدث له تصدع جزئي في وقت ما بسبب قوة 5ه التي تجمعت خلفه، فقام مهندسو جستنيان بإقامة بوابات لتنظيم تدفق مياه األمطار والسيول عبر قناة وثمة رأى ينكر أن قناة هادريان تم توصيلها بقناة هادريان ليتم اإلستفادة المائية منها داخل المدينة أو بسبب بناء سد جستنيان ؛ ففي الحالتين فقد ح ًل سد جستنيان بشكل ف ًعال محل مصدر قناة أنطاكية، ومن 41(. بديًال عن مياه الينابيع في تغذية وإمدادات القنوات المائية. في مدينة دارا 42( Dara( كانت إشكالية معضلة تمثلت في إدارة االستفادة من تدفقات نهر كوردي 43(Cordis(، القريب من المدينة، فقد كان النهر يتدفق من ضاحية حمل اسمها كوردي ، بعد ميلين من المدينة، يجري النهر خالل منحدراتها متج ًها نحو المدينة، 44(، فتصل إلى أسوارها لتنتهي بحواجز حديدية بعضها أفقي، والبعض اآلخر رأسي، وبذلك األمر أمكن السيطرة والتحكم في التدفقات المائية لنهر كوردي ، وتوجيهها نحو المدينة لتمتلئ صهاريجها بالمياه ويبدو أن التجربة العملية أثرت بشكل سلبي على تحصينات مدينة دارا، فامتألت الخزانات المائية، وفاضت بالقرب من مما عرض دارا لخطر إستراتيجى يتمثل في تمكين الجيوش 46(. كما تسببت 41(، كما لحق الضرر بالسور بل وإحدى بوابتيها الخارجي أي ًضا، أحد مخططي المدينة إلى حل ولتجنب تلك المعضلة، توصل المهندس "كريسي Chryses" دائري كبير داخل سور المدينة يصل عمقه إلى خمسة عشر قد ًما )53(. النهر نحو ذلك الخندق. فكر جيش معادي في التقدم نحو حصار المدينة، يتم غلق تلك الممرات الواقعة خارج المدينة عن طريق الحواجز الحديدية التي تسمى بوابة السد، ومن ثم يتغير مسار النهر ليصب داخل الخندق، والخليج السرى مما يجعل العدو مضط ًرا لإلنسحاب بسبب النقص المائي )52(، المحفور تحت األرض وقد اتصف ذلك السد بالضخامة سواء ويقع على مسافة تبعد عن السور الخارجى للمدينة مسافة أربعين قد ًما، عبر الوادى الذي تقع فيه الممرات الجبلية بين الجبلين – سالفى الذكر – وتصل نهاية السد الذي ً ال أخذ شك هالليًا أو قو ًسا كبي ًرا لنهاية جانبي الجبلين، ليكون أشد قدرة على مقاومة إندفاع المياه ، وقد تم عمل فتحات في الجزء العلوي والسفلي من جسم السد، لتمكين المياه من 53( عن طريق فكرة السد القوسي. وقد أثبتت التجربة العملية كون السدود هاللية الشكل قد وفرت األمن المائى واإلستراتيجى داخل اإلمبراطورية البيزنطية. وينسب سبق الريادة في هذا الشأن، لإلمبراطور هادريان الذي قام بإنشاء سد للقناة المسماة باسمه في مدينة أنطاكية. المائية، فقد كان نهر سكيرتوس 54( Scirtus(، والذي يغذى الرها مائيًا من خالل قناة تم بناؤها في العصر الروماني، كانت تمر عبر أسوار المدينة. بيد أنه وهطول األمطار الغزيرة يمتلئ النهر، فتتسبب في حدوث فيضانات ذات أثر مدمر على مدينة الرها، مما أسهم في تدمير المدينة من خالل هدم األسوار الخارجية والداخلية لها ، فضًال عن دمار غالبية المباني، 55(. بادر جستنيان بترميم مبانى المدينة التي أتلفتها الفيضانات وجه بناؤها بطريقة عبقرية، بينما كان على يساره جبل شديد اإلنحدار، وال يسمح للنهر أن ينحرف عن مساره المعتاد في تدفق مياهه 56(. وهنا قام جستنيان بشق الجبل مما جعل نحو المدينة، بينما ال يواجه النهر من ناحيته اليمنى أية عوائق وابتنى على الضفة اليمنى من النهر جداراَ