دام حـكـم العـرب المسلميـن لـلأنـدلس مـا يقــارب الثمـانيـة قــرون (92 - 197 هـ /710- 1492مـ) أعطى خلالها الإسلام الذي كان قد خلق توافقاً واندماجاً بين حضارتين متضادتين باستناده على فكره الكوني ، وصفة التسامح لمفهومه الديني ، وباعتماده على قدراته الهائلة في التمثيل والإبداع ، وميله المتميز إلى التجريب والاختبار ، ثماراً عظيمة في بلاد الأندلس التي شهـدت أهم اندمـاج عرقـي بين الشـرق والغرب ، وكانت الحضارة يومهـا تشـع من حواضـر الأندلـس ، من قرطبـة واشبيلية وغرناطة وطليطلة وبلنسية وسرقسطة . وكانـت قرطبـة فـي عصـر الخـلافـة الأمـويـة (316 – 422 هـ / 928 - 1030مـ) عاصمة الإسلام السياسية الأكثر سطوعاً في ذلك الوقت والأكثر تحضراً في أوربا كما يشير المؤرخ المشهور (رامون منندث بيدال)(7) .فقد انتشر التعليم في الأندلس انتشاراً عظيماً وظهر العلماء والعباقرة في كل ميدان ، وكثرت المدارس والجامعات وزاد الوعي الثقافي ، حتى ليروى انه كان في الأندلس أيام الخليفة الحكم المستنصر (350 – 366 هـ /960-976م) سبعون مكتبة عامة تحوي مئات الآلاف من الكتب في مختلف حقول المعرفة الإنسانية ، بالإضافة إلى المكتبات الخاصة ، هذا فضلاً عن مكتبة قرطبة المركزية.وأصبحت قرطبة يومها قبلة العلماء والطلاب في المشرق والمغرب ، وقد كان من أسباب الازدهار العلمي في الأندلس إنها لم تكن في أي وقت من الأوقات بمعزل عما يجري في حواضر العلم العربية الإسلامية الأخرى ، بغداد ودمشق والقاهرة وفاس ، فقد كانت الصلات الفكرية والعلمية مستمرة بين مختلف اقطار العالم الإسلامي يتنقل بين ربوعها العلماء والطلاب والمؤلفات والمذاهب الفكرية .