َسلفت لك الحديث عن الفرق في منطق اللغة بني تركيب لفظي يشري إلى كائنات وتركيب لفظي آخر يتجه بانتباه السامع أو القارئ نحو ما يجري في وأذكر أني ضربت لك مثلا يوضح هذا الفرق بني قولني: عبارةتقول لك عن الهرم الأكبر إنه يقع غربي النيل،أخرى تقول عن الهرم نفسه بأنه يثري في النفس ذكريات مجد قديم، وها أنا ذا أضيف إلى تلك التفرقة بني الوظيفتني اللتني تؤديهما اللغة: أن تلكً التفرقة ذاتها هي أيضا تمييز بني مجالني في حياة الإنسان: مجال العقل ومجال الوجدان،ً ففي مجال العقل يكون التفاهم بني الناس قائما على أساس ما يمكن مراجعته وضبطهوالحكم عليه بالصواب أو بالخطأ بحسب مطابقته أو عدم مطابقته للواقع الذي جاءت وأما في مجال الوجدان فالأمر متروك كله للمتلقي يشعر إذ لا سبيل هنا إلى مراجعة ولا إلى ضبط أو حكم بصواب أو بخطأ.عد إلى العبارتني اللتني أسلفت ذكرهما عن الهرم الأكبر، تجد الأولى ممكنة املراجعةعلى الواقع الفعلي جزءًا بجزء، للتأكد من أن الهرم الأكبر يقع حقٍّ ا غربي النيل،ً املسافة بني الهرم والنيل تبلغ فعلا ما يقرب من عشرة كيلومترات،بعد ذلك أن يحكم على العبارة بأنها صادقة أو كاذبة بناءً على ما وجده في عملية وأما العبارة الثانية فلا سبيل فيها إلى شيء من ذلك؛ينظر إلى الهرم الأكبر فلا يثري في نفسه شيئًا عن مجد قديم، بل لعل ذلك السامع يجهل ماذا يراد باملجد وبالخلود،ولا تصويب ولا تكذيب؛ لأن الأمر كله مرهون بصاحبه وما يشعر به أو لا يشعر.ٌ الجانب العقلي جانب ٌّ عام مشترك بني الناس،ففي الجانب العقلي إذا ما تبينت شواهد الصدق وجب على السامع أن يذعن؛ أئذا قيل لأحد: إن الثمانية أكبر من الخمسة، إذن تكون الثمانية أكبر من الثلاثة،صدق القول؟ لكن ما هكذا الشأن إذا قيل له: إن غروب الشمس يبعث على كآبة النفس لأن السامع في هذه الحالة قد تكون هذه حاله إزاء الغروب وقد لا تكون. أدركت في شيء من الغموض أولا وفي كثري أدركت الفرق في استخدام اللغة بني الحالتني،ًٍّ ذلك أن العربي بصفة عامة (واملصري عربي) أشد ميلا — بحكم ثقافته — إلى العبارةاملثرية للوجدان منه إلى العبارة املستندة إلى عقل، وأدركت فوق هذا وذلك أن في مقدمة يفرق لنفسه وما هو خاص فلا بأسٍ عندئذ في الركون إلى لغة الشعور.َ ملاذا انقضت على مصر منذ بدأت نهضتها الحديثة حتى الآن (وأنا أكتب هذا سنةً ١٩٨٢م) مائة وخمسون عام َّ ا على الأقل، ومع ذلك لا نستطيع أن ند َّ عي بأنها تشربتمن ثقافة العصر الجديد ما كنا نتمنى لها أن تتشربه؟ ملاذا أصبح املتعلمون في مصردون بعشرات امللايني ومع ذلك فإذا ما أمعنَّا النظر في هؤلاء املتعلمني أنفسهم —لم ينل حظا من التعليم — وجدنا نفورهم من رؤية الحياة بنظرة علميةٍّ