مصادر السياسة الشرعية تقوم السياسة الشرعية على مصادر بدونها لا يعتبر العمل شرعياً وهذه المصادر يقصد بها فالسياسة الشرعية لابد أن تكونقائمة على مصدر شرعي من رجوعها إلى قاعدة عامة منصوص عليها، أو دليل تبعي، وسنبين هذه الأقسام:القسم الأول: القواعد العامة التي نصت عليها الشريعة الإسلامية:نص القرآن والسنة على مجموعة من القواعد الشرعية العامة ومن هذه القواعد تستفاد الأحكام الشرعية المتعلقة بسياسة الدولة. ومن ذلك القواعد التالية:قاعدة العدل هذه القاعدة ورد النص عليها في القرآن الكريم قال تعالى﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ وقاعدة العدل عليها مدار السياسة في الدولة الإسلامية فيجب على ولاتها عند إحداث أي تنظيم أو قرار أن يراعوا العمل بهذه القاعدة من جميع جوانبها فبدون ذلك لا يعتبر العمل مشروعاً.وقاعدة العدل لها وسائل متعددة فمن أهم أسباب تحقيق القاعدة:1-المساواة: فالأصل أن الناس سواسية في الأحكام والحقوق والواجبات والالتزامات ولايجوز خرق ذلك إلا إذا كان تابعاً لقاعدة أخرى ترتبط بقاعدة العدل. أما إذا لم تكن كذلك فإن العمل بالمساواة يعتبر ظلماً وخروجاً عن قاعدة العدل، فمثلاً حينما يتساوى المتقدمان على الدراسة في الصفات فإنه لا يقدم أحدهما على الآخر إلا بسبب يوجبه ولكن إذا كان أحدهما تقديره أفضل من الآخر ومؤهلاته أقوى فيلزم تقديمه في هذه الحالة وتكون المساواة بينهما في ذلك ظلماً.2- مراعاة أصحاب الحقوق الخاصة فمن العدل أن يراعى أهل الحقوق الخاصة ولايساوون بغيرهم من أهل الحقوق العامة.يقول الله جل وعلا: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ، ويقول تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُاللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ويقصد بقاعدة رفع الحرج أن يراعي السائس الرفق برعيته ورفع المشقة والعنت عنهم فلا يكلفهم ما لا يطيقون جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (اللهم منولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم،فارفق به ) قاعدة نفي الضرر :وهذه القاعدة يقصد بها أنه لا يجوز لشخص له حق أن يعتدي بهذا الحق على غيره بل لهأن يستخدمه بنفسه دون تعد وفي حالة تعديه على غيره تأتي هذه القاعدة فتعمل، وقد وردالنص على اعتبارها، ففي سنن أبي داوود كانت لأبي لبابة عذق في حائط رجل فكلمهفقال: إنك تطأ حائطي إلى عذقك فأنا أعطيك مثله في حائطك فأخرجه عني فأبى عليهفكلم النبي صلى الله عليه وسلم فيه فقال: يا أبا لبابة خذ مثل عذقك فضمها إلى مالكواكفف عن صاحبك ما يكره» فقال: ما أنا بفاعل قال فاذهب فأخرج له عذقا مثلعذقه إلى حائطه ثم اضرب فوق ذلك بجدار ، فإنه لا ضرر في الإسلام ولا ضرار) قال أبوداود والعذق بالفتح النخلة والعذق بالكسر الكناسة ، و الحديث مرسل وله شواهد. قاعدة تحريم الإفساد في الأرض:وردت النصوص على هذه القاعدة في القرآن والسنة، ومن ذلك قوله: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا في وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ فمثلاً رمى المخلفات في الطرق والحدائق العامة من الإفساد في الأرض. فعلى ولي الأمر أن يراعى في سياسته هذه القاعدة وله أن يمنع من بعض الأعمال التي ينطبق عليها وصف الإفساد ويضع العقوبة الزاجرة لكل مخالفة بحسبها قاعدة مراعاة الضعفاءأمرت الشريعة الإسلامية بمراعاة الضعفاء في التعامل وحرمت استغلالهم بغير حق،الضعفاء الأيتام قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْنَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾،أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ .فعلى السائس أن يراعي الضعفاء في المجتمع ولا يساويهم بغيرهم من الأقوياء والأغنياءالقسم الثاني: المقاصد العامة والخاصة التي راعتها الشريعة الإسلامية في أحكامها :اتفقت الشريعة الإسلامية على رعاية الضرورات الخمس التي اتفقت الشرائع السماوية علىرعايتها والعناية بها وهي:• حفظ الدين: أي حفظ ما يعتقده المسلم ويؤمن به وكذلك الأعمال التي هي وحفظ الدين يكون بتشريع ما من شأنه أن يصفي معتقدات الإنسانويجعلها نقية . من الشوائب وهي الشركيات)، وكذلك بتشريع الأعمال التي يتقرب بها إلى اللهجل وعلا كالصلاة والصيام ونحو ذلك. حفظ النفس: وذلك بتشريع الأحكام التي يؤدي إعمالها إلى حفظ النفوس من الهلاكوالتلف الكلى أو الجزئي. حفظ العقل: وذلك بتشريع الأحكام المتعلقة بحفظ العقل من الزوال كتحريم تناول المسكرات والمخدرات والنقص كالعلوم التي لا نفع فيها أو تضر عالمها.• حفظ العرض: ذلك بتشريع الأحكام التي يترتب على المحافظة عليها صيانة أعراض شأنها المحافظة على أموال الناس وعدم التي من والشريعة راعت هذه المقاصد الخمس من جانبين : وتختلف درجة الحفظ إلى ثلاث درجات:الدرجة الأولى: الضروريات سواء من جانب الوجود أو العدم، مثال ذلك، الأمر بالصلاة،الدرجة الثانية الحاجيات وهي أقل من درجة الضروريات ومن الأمثلة عليها: وجوبصلاة العيدين، والصلوات ذوات الأسباب.الدرجة: فتقدم الضروريات ثم الحاجيات ثم التحسينات.النوع: فيقدم حفظ الدين ثم النفس ثم العقل ثم العرض ثم المال. العدم: فيقدم العدم على الوجود، وذلك في حال التساوي.القسم الثالث: الأدلة التبعيةيقصد بالأدلة التبعية الأدلة التي تتبع المصادر الأصلية "القرآن والسنة" وتشمل دليلالمصلحة المرسلة ودليل الاستحسان ودليل سد الذريعة ودليل العرف.أولا: المصلحة المرسلة:تنقسم المصلحة إلى ثلاثة أقسام:التي ورد النص على إعمالها وهذه من قبيل النص وليست من1 - المصلحة المعتبرة: وهي التي ورد النص في إعمالها وهذه من قبيل النص وليست من قبيل المصلحة.2 - المصلحة الملغاة: وهي المصلحة التي قد يبدو منفعها إلا أنها في حقيقة الأمر مفسدة، الشارع نص على عدم اعتبارها مثال ذلك: تحريم الخمر، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ الخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾.3- المصلحة المرسلة: وهي التي لم يرد فيها نص لا في اعتبارها ولا في إلغائها وإعمالها يؤدي وعدم ورود دليل معين على اعتبار المصلحة لا ينفي يوجد دليل عام على اعتبار جنس المصلحة، فإن ورود مثل هذا الدليل لا يخرجها عن كونها مصلحة مرسلة،حجية العمل بالمصلحة المرسلة أي بناء الحكم عليها واعتبارها أصلاً1- أن يتحقق من بناء الحكم عليها جلب مصلحة أو درء ،مفسدة، مثل: تسعير ولي الأمرأثمان السلع إذا تغالى التجار في أثمانها ، فإن ذلك يكبح جماح الجشع ويدفع الحرج عن العامةحتما، فإذا كان جلب المصلحة أو دفع المفسدة متوهماً فإن هذه المصلحة لا تصلح لبناءالأحكام عليها.٢- أن تكون المصلحة التي يبنى الحكم عليها كلية لا جزئية، أي أنه لابد أن تشمل أكبرعدد من الناس تجلب لهم النفع وتدفع عنهم الضرر ، فلو أفادت فرداً خاصاً أو جماعةخاصة،٣- ألا تعارض المصلحة حكماً أو قاعدة ثبتت بالنص أو الإجماع، فإفتاء غني أفطر فيرمضان بأنه لا كفارة في إفطاره إلا صوم شهرين متتابعين - لأن هذه المصلحة شهد لها النص بالإلغاء.استدل الجمهور على حجية العمل بالمصالح المرسلة وبناء الأحكام عليها بما يلي:١- أن الصحابة رضوان الله عليهم - قد أثر عنهم الكثير منالأحكام التي بنوها على المصلحة دون غيرها من غير أن يوجد لها شاهد بالاعتبار كجمع الصحف المتفرقة في مصحف واحد في عهد أبي بكر، وإبقاء عمر الأرض المفتوحة في أيدي أهلها مع ليكون مورداً دائماً للدولة تنفق منه على مرافق الدولة، وجمع عثمان الناس على مصحف واحد وتحريق ما عداه وقضائه بتوريث الزوجة التي طلقها زوجها في مرض الموتمن تركته وقضاء علي بتضمين الصناع وغير ذلك من الوقائع التي بنى فيها الخلفاء وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم يخالف منهمأحد، فكان ذلك إجماعاً على حجية العمل بالمصلحة المرسلة ولا عبرة بمخالفة الظاهرية في قولهم بعدم حجيتها،2- أن الوقائع متجددة غير متناهية،عليها لضاقت الشريعة عن الوفاء بمصالح البشر، ووقفت جامدة لا تساير الأزمنة والأمكنة أثر المصالح المرسلة في سياسة الأمة: وحاجاتها فعن طريق بناء الأحكام عليها يمكن الوصول إلى تنظيم الشؤون الإدارية العامة،ومصالح المجتمع،المصالح العامة كتجهيز الجيوش وبناء الجسور والقناطر، والمصانعوالمستشفيات واستحداث النظم والأوضاع التي تحفظ كيان الدولة وأمنها، وفرض العقوباتعلى المخالفين بحسب ما تقتضيه المصلحة وإحداث المؤسسات والوظائف حسب الحاجةإليها.الشرعية الدقيقة لا بموازين الأهواء والمطامع والشهوات والمصالح الخاصة، بل عن الشريعة كلها إلى دائرة الأحكام والقوانينالوضعية.الذريعة في اللغة الوسيلة التي يتوصل بها إلى الشيء، والمراد بها هنا: ما يتوصل به إلى الشيء ومعنى سد الذريعة : المنع منها،إليه " ولما كان بين المقدمة" و الذريعة" نوع من الشبه، وهو الإيصال والإفضاء، لذلك كان منالمناسب أن نذكر كلمة في الفرق بينهما، ونسبة إحداهما إلى الأخرى، فنقول: إن الفرقبينهما يتبين مما يلي: فالملاحظ فيها هو: توقفأما الذريعة فهي ما تفضي إلى المقصود، سواء توقف المقصود عليها أو لا، فقوله تعالى: ﴿وَلَا لكن لا يتوقف حصول الافتنان بها على ضربها الأرض برجلها لجواز الافتنان بها بغير ذلك، كخروجها متبرجة متعطرة فلا يكون ضرب الأرض برجلها ذات الخلاخيل مقدمة لعدم انطباق حقيقة المقدمة، - أنه لا خلاف بين العلماء في أن المقدمة تتبع ما يتوقف عليها،واجبة. وإذا كان مندوباً كانت مندوبة، وإنما الخلاف بينهم في وبعضها مختلف فيفإن سب المشركين إله العالمين لا يتوقف حصوله على سب المؤمنين آلهة المشركين وأصنامهملقتل إنسان معين يتوقف ارتكابه على السفر وقطع المسافة،الافضاء إلى ارتكاب إلى القتل.وقد تجتمع المقدمة والذريعة في شيء واحد كما في شرب الخمر المفضي إلى السكر، والزناالمفضي إلى اختلاط الأنساب وفساد الفراش، فكل منهما مقدمة للمفسدة، وذريعة إليهاويتبين مما تقدم أن النسبة بين المقدمة والذريعة هي العموم والخصوص الوجهي،الزنا وشرب الخمر، وتنفرد الذريعة في سب أقسام سد الذرائعللعلماء تقسيمات متعددة لدليل سد الذرائع منها تقسيم القرافي رحمه الله حيث قسمها إلى - ما أجمع العلماء على سده، كسب الأصنام عند من يعلم أنه الله تعالى حينئذ وحفر الآبار في طريق المسلمين إذا علم أو ظن وقوعهم فيها - ما أجمع العلماء على عدم سده، فهذا ونحوه من الذرائع البعيدة التي اتفقوا على - ما هو مختلف فيه هل يسد أم لا؟ وذلك مثل أن يبيع البائع سلعة بعشرة دراهم إلى أجل، ثم يشتريهاسد الذرائع من أعظم القواعد والأصول التي تساير بها السياسة الشرعية ما يجد من وقائعوحوادث لا نص فيها،عن قصد وسيلة إلى مفسدة،مما يفضي إليه من مصلحة كان له أن يمنعه ويسد ،بابه، ويكون هذا المنع من الشريعة، لبنائه على قاعدة شرعية هي قاعدة سد الذرائع أثبت ابن القيم شرعيتها بتسعة وتسعينوجهاً من الكتاب والسنة.فلولي الأمر أن يمنع بيع السلاح أيام الفتن لما تجر إليه من مفاسد الاعتداء على الأنفسوالأموال، ولهمنع استئجار الدور والحوانيت التي يغلب استعمال الأعمال الضارة فيها،وهو: "العدول في مسألة عن مثل ما حكم به في نظائرها إلى خلافه لوجه هو أقوى"، لأنهذا التعريف يصور أصدق تصوير معنى الاستحسان ويرشد إلى الفرق بينه وبين المصلحة فإنه ينبه إلى أن الاستحسان يقتضي أن يكون للمسألة التي يحكم به فيها نظائرمحكوم فيها على خلاف ذلك، أما المصلحة المرسلة فليس لمحلها نظائر محكوم فيها علىويتحقق في كل قياس يترك العمل به للضرورة وعموم البلوى، وذلك كالحكم بطهارة مياهالآبار في الصحراء، على الرغم مما يقع فيها من بعر الحيوان أو روثه،في آبار الصحراء إلا بحرج ومشقة،يحول بينها وبين الوقوع فيها حائل من مبان أو أشجار . وآلات الحرب من خيل وسلاح مع أن القاعدة وهو إنما يتحقق في العقار دون المنقول، لكن لما جرى عرف الناسبذلك وفي منعهم منه حرج ومشقة أجيز وقفه استحساناً.3- الاستحسان بالمصلحة المرسلةويتحقق في كل مسألة عدل فيها عن مقتضى القياس إلى حكم آخر للمصلحة الراجحة،وذلك مثل الأجير المشترك فإنه لا يضمن ما تحت يده من أموال الناس، لأنه أمين، والأمينلا يضمن إلا بالتعدي ،كثير من العلماء، وهي مصلحةراجحة لأنها مقصد من مقاصد الشريعة.ذهب فقهاء الحنفية والمالكية والحنابلة إلى حجية الاستحسان واعتبار العمل به، فقد نقلعن الإمام محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة قوله: "إن العالم بالاستحسانمع باقي الأدلة يسعه الاجتهاد في كل شيء من أموره، ونقل عن الإمام مالك قوله : "إن الاستحسان تسعة أعشار العلم،استدل الفريق الأول بأن : اضطراد العمل بالقياس أو تعميم الحكم في بعض الوقائع قد يؤديإلى تفويت مصلحة الناس والإضرار بهم،الناس والرحمة بهم الحد من غلو القياس بأن يفتح للمجتهد باب للعدول عن حكم القياسالشريف، وما هذا الباب إلا الاستحسان. كما في إجازة عقد السلم، فإن القياس يقتضي عدم جوازه،معدوم وبيع المعدوم لا يجوز لقوله عليه الصلاة والسلام الحكيم بن حزاملا تبع ما ليس عندك ( لكن الشارع أجازه لمصلحة الناس ويرشد إلى ذلك قول الرسولصلى الله عليه وسلم: (من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم)،وكذلك عدل الشارع عن تعميم الحكم في تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير فأباحها عند الاضطرار،واستدل القائلون بعدم حجية الاستحسان بما يلي: وما لم يبينه فيهما فقد تركالأمر فيه إلى استنتاجه من القياس عليهما ، قال تعالى : ﴿فإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ فإن كان الاستحسان من الكتاب أو السنة فلا داعي إليه، وإن كان خارجاً2 - الاستحسان لا ضابط له ولا توجد له مقاييس يقاس بها الحق من الباطل،لاختلفت الأحكام في المسألة الواحدة، وهذا يتنافى مع شريعة الإسلام الواضحة السمحة.والظاهر أن منشأ الاختلاف بين الفريقين هو عدم الاتفاق على معناه، فالذين أنكروهيريدون به الحكم والتشهي والأهواء،أو عن حكم كلي لدليل اقتضى هذا العدول،بهذا المعنى لا يسع أحد أن ينكر ،حجيته،شرع " فمعناه أن من استحسن بالهوى فقد شرع ويحتمل أنه أراد بهذه العبارة: أن من والذيثلاثة أيام، وهذا منه قول بالاستحسان في مقابل القياس ويتضح مما ذكرنا أن الاستحسان بمعناه الاصطلاحي الذي اخترناه لا يخالف أحد في حجيته، وأن محل الإنكار هو الاستحسان المبني على الهوى والتشهي.إن تطبيق هذه الأنواع الأخيرة من الاستحسان لا يتحقق إلا عندما يؤدي تطبيق القياس أوالقاعدة الكلية إلى حرج أو مشقة في بعض المسائل، والعرف والمصلحة. وهو ما يعرف بالاستحسان وبهذا يعتبر الاستحسان وسيلةكبرى من وسائل مجاراة السياسة الشرعية لحاجات الناس المتجددة، عندما يصادفهم أمر فيؤدي الاستحسانالأسلامية.المصدر الرابع: العرف تعريفه العرف هو ما اعتاده الناس وألفوه من قول أو فعل تكرر مرة بعد أخرى، حتىتمكن أثره من نفوسهم،وليس المراد بالناس في التعريف ،جمهورهم كما أن المراد بالجمهور فما استحدثه بعض الناس في أوروبا من إنشاءفي العادات لا تقبله العقول الرشيدة والطباع السليمة ولابد في تكوّن العرف من تكرار الفعل أو القول عدة مرات حتى ينطبع أثره في النفوس وتطمئن إليه الطباع، خلافاً لمن زعم ذلكينقسم العرف باعتبار إقرار الشارع له وعدمه إلى ثلاثة أقسام صحيح، وفاسد، ومسكوت عنهاعتباره، وتشريع وجوب الدية على العاقلة والثابت بهذا العرف يعتبر من الأحكام الفقهية، ولا علاقة له بالأحكام السياسية لورود النصوص به.العرف الفاسد : هو ما خالف النص، كتعارف بعض المجتمعات بالتعامل بالربا،الإسلامية، فإن هذه الأعراف خارجة عن نطاق السياسة الشرعية، بل عن دائرة الإسلام. وهذا العرف هو الذي تبنى عليه أحكامها. إذا كان مطرداً أو غالباً، مثل قولهم العادة محكمة والثابت بالعرف كالثابت بالنص، ينقسم العرف إلى قولي وفعلي، وعام وخاص:العرف القولي: كتعارف الناس إطلاق لفظ الولد على الذكر دون الأنثى، مع أن اللغة تشمل وإطلاق لفظ الدابة على خصوص الفرس،مع أن لفظ الدابة اسم لكل ما يدب على وجه الأرض.العرف الفعلي: كتعارف الناس على البيع بالتعاطي من غير استخدام صيغة لفظية، وتعجيل وتقسيم المهر إلى معجل ومؤجل.العرف العام: الذي اتفق جميع الناس على العمل به في جميع البلاد في زمن من الأزمانوليس من الضروري في حقيقته أن يشمل الأزمنة السابقة أيضاً،حمام السوق نظير أجر معين بدون تقدير كمية المياه التي يستهلكها المستحم، ولا المدة التييمكثها في الحمام مع أنه لابد في عقد الإجارة من بيان مدة المنفعة،العرف الخاص : الذي اتفق الناس على العمل به في بلد من البلاد، أو إقليم من الأقاليم، أو كتعارف أهل مصر على أن ما يقدمه الخاطب إلى خطيبته قبل الزفافيعتبر هدية وليس جزءاً من المهر. أدلة اعتبار العرف1- قوله تعالى : خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن "الجاهلين" فقد قال المفسرون في معنىالأمر بالعرف الأمر بما هو معروف للناس مما لا ينكره الشرع.شكت إليه شح زوجها أبي سفيان وبخله خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) ١، وسواء فقد أباح لها الرسول صلى الله عليه وسلم أن تأخذ منمال زوجها ما جرى العرف بمثله وما ألفه الناس في هذا المجال.4- أن الناس قد ألفت ما تعارفوا عليه وفي نزع الناس عما ألفوه واعتادوا عليه حرج ومشقةوالحرج والمشقة مدفوعان بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾5- أن المتتبع لمذاهب الأئمة المجتهدين يجد فيها الكثير من الأحكام التي بنيت على العرف، وهو عرف عملي.والإمام الشافعي عدل عن بعض الأحكام التي قال بها في بغداد عندما استقر في مصر،بسبب ما رآه من اختلاف الأعراف والعادات بين البلدين،بالمذهب القديم،والحنفية يعتبرون العرف من أكبر قواعد الاستنباط عندهم، فإذا اختلف المتبايعان ولا بينةلأحدهما، فالقول عندهم لمن يشهد له العرف وإذا اختلف الزوجان على المقدم والمؤخر فيالمهر فالحكم عرف البلد في ذلك، ومن حلف لا يأكل لحماً فأكل سمكاً حكموا بعدم حنثهبناء على أن العرف لا يسمي السمك لحماً، ومن حلف لا يضع قدمه في دار فلان حنثبدخوله محمولاً أو راكباً، بناء على أن العرف في هذه العبارة يرادومن أجل اعتبار العرف نجد كثيراً من متأخري الفقهاء يخالفون أئمتهم المتقدمين في بعضالمسائل فقد أفتى المتأخرون من فقهاء الحنفية بجواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن،بالطاعات، وكانت وجهة المتأخرين في إجازة أخذ الأجر على تعليمالقرآن أنهم رأوا أن معلمي القرآن قد انقطعت عنهم المرتبات التي كانت تدفع إليهم منبيت المال في الزمن الماضي، وأصبح العرف في زمن المتأخرين يقضي بعدم إعطائهم شيئاً منبيت المال بسبب خراب بيت المال أحياناً،أخرى، فأقدم المتأخرون على الفتوى بجواز أخذ الأجرة على تعليمه، فيضيع القرآن بسبب ذلك. ومثل هذا الخلاف هو الذي قال الفقهاء فيه : إنه اختلاف عصر وزمان وليس اختلاف حجة وبرهان ولذا يعتبر كل منها صحيحاً في عصره الذي وقع فيه، لأنه كما ذكرنا - ليس مبنياً على اختلاف الحجج والأدلة،أثر هذه المصادر في قيام السياسة الشرعيةالأمور أن يسوسوا بها الأمة فيما لا نص على حكمه من الوقائع المتجددة،المشاكل المتعددة التي تصادفهم فيجدون في ظلها الحلول التي تمكنهم من سياسة الأمةسياسة صالحة،