يتجسد فيها منهج التلفيق بجلاء، وقبل عرض هذا المسائل أشير ابتداء إلى أن حكم التلفيق بين المذاهب الفقهية في المذهب المالكية تتنازعه مدرستان وازنتان، وهما اللتان يشير إليهما النقل الآتي عن الدسوقي (ت1230هـ)، حيث قال: "والذي سمعناه من شيخنا نقلًا عن شيخه الصغير وغيره أن الصحيح جوازه، وبالجملة ففي التلفيق في العبادة الواحدة من مذهبين طريقتان: المنع وهو طريقة المصاروة، بالإضافة إلى بعض الاستثناءات التي ينبغي الحذر منها في انتهاج مسلك التلفيق، التي منها قول أبي العباس أحمد بن محمد الخلوتي، الشهير بالصاوي المالكي (ت1241هـ): "والذي قاله شيخنا الأمير عن شيخه العدوي عن شيخه الصغير وغيره: أن الصحيح جوازه، تنبيها إلى القاعدة الفقهية الشهيرة، وهي كما يلي: تتلخص صورتها، ويأكل منه تقليدا لمذهب الشافعي، فتكون عبادته ملفقة من مذهبين. وحكم الأكل منه: أولا: محل ذبحه وزمنه: أ‌- في مذهب المالكية: وأما محله فهو البيت العتيق، وأن المعنى في قوله: {هديا بالغ الكعبة} ، أنه إنما أراد به النحر بمكة؛ إحسانا منه لمساكينهم وفقرائهم، وكان مالك يقول: إنما المعنى في قوله: {هديا بالغ الكعبة} : مكة، وكان لا يجيز لمن نحر هديه في الحرم إلا أن ينحره بمكة؛ صلى الله عليه وسلم: "وكل فجاج مكة وطرقها منحر" . واستثنى مالك من ذلك هدي الفدية، فأجاز ذبحه بغير مكة. لم يجزه . وقال الصاحبان: لا يجوز الذبح للمحصر بالحج إلا في يوم النحر كدم المتعة والقران. أو القران، فوقت استحباب ذبحه: يوم النحر، وبعد الإحرام بالحج، وهل يجوز بعد فراغ العمرة وقبل الإحرام بالحج فيه خلاف . وأيام التشريق، فإن خرجت ولم يذبحه، فإن كان نذرا لزمه ذبحه ويكون قضاء، فإن ذبحه، والمذهب الأول. ولا يجوز في غيره، قال الشافعي، حيث نحر منه أجزأه في الحج والعمرة، . د‌- الحنابلة: "أما وقت وجوبه، فعن أحمد أنه يجب إذا أحرم بالحج" ونذر المساكين، وفدية الأذى" . وأنه إذا عطب قبل أن يبلغ محله خلى بينه وبين الناس، ب‌- في مذهب الحنفية: "لا يؤكل من الهدي الواجب إلا هدي المتعة، ج- في مذهب الشافعية: " لا يؤكل من الهدي الواجب كله، وكذلك جله إن كان مجللا، د- الحنابلة: "لا يأكل الإنسان من كل واجب، كأن يقول: هذا هدي أو يقلده أو يشعره، إلا من هدي التمتع والقران دون ما سواهما" . الفرع الثالث: التلفيق في مسألة ذبح الهدي والأكل منه: ما أفتى به محمد علي بن حسين المالكي المكي (1367هـ)، مفتي المالكية بمكة، استنادا إلى القول بجواز التلفيق في العبادة الواحدة من مذهبين، كما ذهب إليه بعض المالكية، وهو ما جاء في تعليقه على إخراج الهدي من مكة إلى الحل وذبحه بمكة ، وعلى الإتيان به من عرفة إلى منى وذبحه بمنى، بناء على ما ذكره الحطاب، من جواز العمل بالشاذ، وهو اختيار المغاربة، في جواز نحره بعد الفراغ من العمرة، وقبل الإحرام بالحج؛ بل يقدم العمل بقول الغير عليه إن كان راجحا؛ لأن قول الغير قوي في مذهبه، وتقليد الشافعي أو أبي حنيفة في عدم اشتراط الجمع في الهدي بين الحل والحرم؛ بناء على الخلاف عندنا في أنه إذا لم يوجد نص لأهل المذهب في نازلة، لأن مسائل الخلاف التي بين مالك وبينه اثنان وثلاثون مسألة فقط، لأنه تلميذ الإمام كما في حاشية الخرشي، والله أعلم" . ولا شك أن من أهم ما ينبغي أن يلاحظ في هذا الإفتاء، هو تصور التلفيق بين المذاهب الفقهية، ولأجل هذا المقصد نلخص تصوره لكيفية حدوث التلفيق في العبادة الواحدة، ‌أ- العمل بالقول الشاذ في خاصة النفس، ‌ب- تقليد الشافعي، في جواز نحر الهدي بعد الفراغ من العمرة، وقبل الإحرام بالحج؛ ‌ج- تقليد الشافعي أو أبي حنيفة في عدم اشتراط الجمع في الهدي بين الحل والحرم. أ‌- أما تسويغ العمل بالشاذ؛ في خاصة النفس، وأنه يقدم على العمل بمذهب الغير؛ فلأنه أولى من العمل بالقول الضعيف؛ بل ولأنه لا يجوز العمل بالقول الضعيف ولو في خاصة النفس، وقد عزا هذا القول لأشياخ الدسوقي، وأفاد أنه نقله عنهم. فبناء على الخلاف عند المالكية في أنه إذا لم يوجد نص لأهل المذهب في نازلة، فإنه يُرجع لمذهب أبي حنيفة؛ وأما تقليد الشافعية في قولهم بمثل ما قال به الأحناف في المسألة؛ فبناء على ما استفاده الشيخ محمد علي بن حسين المالكي من ظاهر كلام القرافي أنه يُنزل في المسائل الخلافية إلى مذهب الشافعي؛ وعليه فإن التلفيق، عند الشيخ محمد علي بن حسين المالكي؛ وهو ملتزم بشروط التقليد في المذهب المالكي، ودين الله يسر" . المطلب الثاني: قبول دعوى الأب في استحقاق بعض جهاز بنته على سبيل العارية، وعدمه: الفرع الأول: صورة المسألة: المقصود بهذه المسألة: "إذا ادعى الأب استحقاقه بعض جهاز ابنته وخالفته فهل القول قولها أم قوله؟". الفرع الثاني: حكم ادعاء الأب استحقاقه بعض جهاز ابنته ومخالفته: وذلك أن الخلاف فيها على قولين في المذهب : الأول: أنه تقبل دعوى الأب داخل السنة لا بعدها. في إعارته لها في السَّنة بيمين، وإن خالفته الابنة، لا إن بعُد" ، فإن ادعى ذلك قبل مضي السنة فالقول قوله مع يمينه، وهما شرطان متنافران؛ ومن اشترط السنة لم يشترط اليمين، وتوضيحه: أن من قال بقبول دعوى الأب في استحقاقه جهاز بنته، واشترط لها عدم تجاوز السنة، لم يشترط اليمين، والذي لم يشترط السنة وقبل دعواه بعدها بشهر أوشهرين أوثلاثة اشترط اليمين معها، وهو مما اعتُرض به على هذه المسألة كما حكاه الشيخ الشيخ الدردير في شرحه الكبير، فقال: "وقوله: (بيمين): معترض بأنه قول ملفق؛ يقول بلا يمين، والقائل بقبوله في السنة وبعدها بشهرين وثلاثة، يقول بيمين" . المطلب الثالث : الصلاة بجلد مدبوغ: الفرع الأول: صورة المسألة: الفرع الثاني: حكم طهارة الجلد والشعر بالدبغ: لأنه لا تحله الحياة . أ‌- مذهب الحنفية: جلد الميتة يطهر بالدباغ، والشعر طاهر؛ لأنه لا تحله الحياة . ب‌- مذهب الشافعية: جلد الميتة يطهر بالدباغ، والشعر نجس . الفرع الثالث: التلفيق في الصلاة بالجلد المدبوغ: وفي هذه المسألة إشارة إلى ما يجب أن ينضبط به تقليد المذاهب في المسائل الخلافية، وهو عدم الإفضاء إلى التلفيق الممنوع، ولا يمكن حدوثه إن قلد فيه مذهب أبي حنيفة، رغم أن النتيجة واحدة عند التلفيق بين مذهبي المالكية والشافعية، وتوضيح ذلك أن التقليد الأول فيه تلفيق بين مذهب المالكية الذين يرون طهارة الشعر لذاته؛ لكونه لا تحله الحياة، ويرون نجاسة الجلد ولو بعد الدباغ، والشافعية يرون نجاسة الشعر؛ لأنه عندهم مما تحله الحياة، ولا يرون طهارة الجلد بالدباغ، فالقول بالجواز يكون مبنيا على التلفيق بين مذهبيهما؛ وطهارة الجلد المدبوغ من مذهب الشافعية، فيكون ممنوعا لعدم انسجامه مع أي مذهب، لأن أبا حنيفة يرى طهارة الشعر، فهو قول منسجم مع قواعد المذهب الواحد، وفيما يلي نص الحالة للتأمل: "وإن طهارة الجلد بالدبغ لا تتعدى إلى طهارة الشعر؛ لأنه تحله الحياة، وأما عندنا فالشعر طاهر لذاته لا تحله الحياة. فالفرو إن كان مذكى مجوسيِّ أو مصيدَ كافرٍ، قلد في لبسه في الصلاة أبو حنيفة، والشافعي وإن قال بطهارة الجلد بالدباغ، فالشعر باق على تنجيسه، " . لأنه تحله الحياة فلا بد من زواله، وأما عندنا فالشعر طاهر؛ لأن الحياة لا تحله، والشعر عنده طاهر ولا يقلد فيه الشافعي؛ "من روث وبعر وبول، وزبل دجاج، وحمام، وجميع الطيور، فإن استعملها أكلا أو شربا ففضلته نجسة" ، فهل إذا غسله تقليدا للشافعي في القول باستحبابه يعتبر تلفيقا ؟. الفرع الثاني : حكم غسل الثوب والبدن من فضلات المباح وإن كانت طاهرة: أولا: في مذهب المالكية: عدم وجوب غسل الثوب والبدن من فضلات المباح. ثانيا: في مذهب الشافعية: فضلات المباح نجسة يجب غسل الثوب والبدن منها. الفرع الثالث: التلفيق في المسألة: ببيان أنها تنتمي إلى مراعاة الخلاف، خروجا من هذا الخلاف، وبينوا أن هذا الفعل ليس من قبيل التلفيق الذي قيل بجوازه مثل الأخذ بمذهب الشافعي في إباحة الخيل، إما لاستقذاره، الفرع الأول: صورة المسألة: إذا قلد المالكي، فهل يعتبر ذلك من التلفيق الممنوع أم لا؟" تقدم معنا أن المبثوتة هي المطلقة ثلاثا، والمقصود بوطء الصغير لها تحليلها للأول، فالخلاف جار في كون وطء الصغير، هل من باب التحليل المنهي عنه؟ أو ليس منه؟ وفيما يلي ذكر مذاهب الفقهاء في المسألة على جهة الإيجاز: ويستفاد منه دخول الصغير في هذا المنع؛ لكون المقصود من نكاحه هو التحليل. ثانيا: مذهب الجمهور: لا على التحريم . ب‌- في المذاهب الشافعي: وهو مثل مذهب الأحناف، حملا للعن على التأثيم فقط . المطلب الثالث: التلفيق في مسألة حلية المبتوتة بوطء الصغير: في تضاعيف تعليقه على قاعدة حكم الحاكم يرفع الخلاف، كما "لو كان لرجل على آخر دين، ثم وفاه إياه بدون بينة، فطلبه عند القاضي، فقال: وفيته لك، وحلف المدعي أنه لم يوفه، فلا يحل للمدعي أخذه ثانية في نفس الأمر" . وبناء عليه قرر قاعدة، وجعل منه الصورة التي تقدمت معنا، وقرر في المقابل أن "ما باطنه كظاهره (. بوطء الصغير، وأن هذا التلفيق الواقع في المسألة لا يضر؛ لأنه ليس مقصودا، وجعل من هذا التلفيق الجائز الذي لا يضر وقوعه بغير قصد، "كما لو عقد مالكي، لصبي في حجره، ودخل بها وأصابها، ثم رفع أمره لحاكم مالكي، فطلق على الصبي لمصلحة، فيجوز للبات المالكي العقد على زوجته المبتوتة قاله بعض شيوخنا (انتهى)" . فإذا خرج إلى غيره في أي مسألة من المسائل لزم منه التلفيق بين المذهبين في مسائل النكاح، بعضها الآخر من خارج المذهب، أيضا،