تتعاون الكائنات وتتنابذ طوعاً لمشيئة ما تزال محجَّبة عن مداركنا وأبصارنا . والذي نعرفه من أمر التعاون والتنابذ أنّ الأول يرمي إلى البناء والحياة ، إذا ضاقت بها بقعة من الأرض أرسلت الرُّوّاد ينتجعون لها مراعي جديدة . وإذا انتشرت في مرعى أو اجتمعت في مبيت أقامت الحراس من كلّ جانب ينذرونها بأقلّ خطر مداهم . إن يكن لنا الكثير من المتعة في تأمّل التعاون ما بين أجناس الحشرات والطير والحيوان فالمتعة الكبرى يجب أن نجنيها من تأمّلنا الأجساد الحيّة على اختلافها ، والجسد البشري السويّ كناية عن عالم منظّم أفضل التنظيم ومدرب أحسن التدريب للتعاون الكامل في سبيل حياة موحدة وغاية موحدة . أمّا متى حلّ التنابذ بين أعضاء الجسد الواحد ــ ونحن لا ندري متى يحلّ ولماذا يحلّ ــ فمصير ذلك الجسد التفكّك فالانهدام فالانحلال . وإذا انتقلنا من الجسد البشري الواحد إلى مجموع الأجساد البشريّة التي يتكوّن منها الجسد الأكبر ، ولولا ذلك التعاون لتفكّكت البشريّة من زمان فانهارت معالمها وحلّ بها الانحلال . ولو أنّ أمّة قامت اليوم تحصي كل ما هي مدينة به لباقي الأمم ، حتى لبان لها أنّها مدينة بدمائها ولحومها وعظامها ، فالتبادل في الأمتعة وفي الآثار والأفكار ما زال قائماً بين الناس منذ أن استوطنوا الأرض . أمّا الحروب فإن عرقلته من جانب فقد نشطته من جوانب أخرى . صاخبة إلى حدّ أنّها تكاد تقصي عن مسامعها كلّ أصوات التعاون الذي ما برح قائماً بين أغصانها . فكأنّ البشريّة أمست تشعر بأنّ التنابذ قد دبّ في أعضائها دبيب السرطان في خلايا الجسم ، وأنّ ذلك السرطان الخبيث لن يتوقّف في زحفه حتى يقضي على البشريّة قضاءً مبرماً . وأن يكون لدعاة التنابذ مضخّمات للصوت تمضي بأصواتهم إلى أقاصي الأرض فتتغلغل في قلوب الكثير من الناس وأفكارهم تغلغل النعاس في الأجفان ،