القلم كعادته عندما يفرغ ( حمد ) من دراسته ، ولا يجد شيئا مفيدا يملأ وقته ، فإنه يستأذن في الدخول إلى حجرة جده التي تضـم مكتبة عامرة بالكتب التي جمعها خلال سنوات دراسته ووظيفته في القضاء ، ومن خلال رحلاته وزياراته لمعارض الكتب . طرق ( حمد ) الباب ، وأتاه صوت جده الهادئ من الداخل : ادخل يا حمد ! دخل حمد وأغلق الباب خلفه ، وراح يتأمل جده جالسًـا إلى مكتبه وبيده قلم حبر أسود يخط به كلمات على صفحة بيضاء أمامه . مساء الخير يا جدي ! رفع الجد عينيه إلى حمد : مسـاء الخير يا ولدي ! تفضـل بالجلوس ريثما أنتهي لم يبق سوى سطر واحد والتوقيع . جلس حمد في المقعد المقابل لمكتـب جـده وتأرجح في عقلـه ســـؤال ما كاد ينتهي جده من كتابة خطابه حتى ألقاه عليه : ولكن يا جدي كلنا الآن نستخدم الحاسوب في الكتابة ، ولم يعد أحد يحتاج إلى استعمال الأقلام بعد اليوم ! - ضحك الجد وقال : من قال هذا ؟ الأقلام أكثر استخداما ؛ وأبسط تعبيرا من الحاسوب الضخم . تخيل - يـا حمـد -مثلًا كيف يمكن للطبيب أن يدون بيانات مرضـاه وهو ينتقل بين ممرات المسـتشـفى حاملا جهاز الحاسـوب ؟ أليس القلم أفضل هنا ؟ كما أن الأقلام تنقل الإحساس بشكل أفضل مع الخط المميز لكل واحد منا . - قال حمد معاندا : ولكن يهيأ لي أن القلم يعد بدائيا على نحو ما ! - أجابه جده في هدوء : إنّ فن الكتابة يأتي في مقدمة الفنون التي أسهمت في عملية الرقي بحضـارة الإنسـان ؛ لأنها تمكننا من تسجيل أفكارنا وأعمالنا . كل هذه الكتب - يا حمد - لولا اختراع الكتابة لما ظلت موجودة حتى يومنا هذا ، تحمل لنا بين طياتها المعلومات والمعارف التي لا يمكننا أن نعيش بدونها . والكتابة لابد لها من وسيلة لتنفيذها فكان القلم . ولك أن تعرف أنه قبل اختراع القلم بشكله الذي نعرفه الآن وجدت أدوات مختلفة استعملها الإنسان البدائي في الكتابة . - سأل حمد في حيرة : وكيف ذلك يا جدي ؟ لقد استعمل الإنسان البدائي أحجارا مدببة لحفر السجلات والصـور فـوق جدران الكهوف التي كان يعيش بها ؛ ليسجل خطوات صيده للحيوانات الضخمة واكتشافه للنار وخوفه من الظواهر الطبيعية الجبارة كالبراكين ، وكتب أيضـا بإصبعه المغموس في عصـارات النباتات أو دماء الحيوانات ، وبعد فترة من الزمن استخدم كتلًا من التراب وقطعا من الطباشير ليكتب بها ، وابتكر الصينيون والفراعنة ألوانًا لتزيين رسوماتهم واستعملوا في ذلك فرشاة دقيقة مصنوعة من ذيل الجمل ! وأول من مارس الكتابة بالحروف هم الإغريق منذ حوالي أربعة آلاف سـنـة ، واستعملوا قلما مصنوعا من المعدن أو العاج أو العظم ، وكتبوا فـوق لوحة مغطاة بطبقة شـمعية ، بعد ذلك ظهر القلم المسنن أو القلم المشقوق ، وكان مصنوعا من حشائش أنبوبية الشكل ، تغمس في نوع من الحبر ، وتستعمل في الكتابة على ورق البردي ! سأل حمد جده : وما هو ورق البردي يا جدي ؟ - قال جده وهو يفرد أمامه صـفحة بيضـاء : إنه ذلك النوع من الورق الذي كان الفراعنة يكتبون عليه ، وهو مصنوع من عجين نبات البردي المجفف ويشـبه الورق العادي . وعندما عرف الإنسان اختراع الورق بشكله المألوف الآن في العصور الوسطى ، اكتشف معه إمكانية استعمال ذيول الطيور مثل البجع والغربان والأوز ، فكانوا يستخدمون ريشـة الطائر بجعل القلم المصنوع منها مدببا ، وقسمه إلى جزأين ؛ لإمكانية تسرب الحبر داخل قناة القلم كي يصل إلى الورقة ، وعلى الرغم من أن ريشة الكتابة لا تستعمل الآن ، إلا أنها كانت أداة الإنسان للكتابة لفترة من الزمن امتدت لآلاف السنين . وقد ظهرت الأقلام المصنوعة من الصلب في إنجلترا عام ١٨٨٠ م ، فجأة أظلمت حجرة المكتب لأن التيار الكهربائي قد انقطع وسمع حمد جده ، وهو يضحك ثم يقول : وهكذا ترى أنه على ضـوء شـمعـة يمكن للقلم أن يعمل بمنتهى البساطة والكفاءة بعكس الحاسوب الذي يكفي انقطاع التيار لإصابته بالشلل فضلًا عن ضياع مجهودك إن نسيت الحفظ .