مفهوم المنهج Curriculum Concept **أهميّة دراسة مقرر عن المنهج** تُعد التربية عملية تفاعل مستمر مع المتغيرات المحلية والدولية، الفكرية والسياسية والاجتماعية والعلمية، وهي أشبه بعملية التكيّف التي تلجأ إليها الكائنات الحية للحفاظ على بقائها. لذا، تعمل التربية على تشرّب هذه المتغيرات وتنقيتها وتوظيفها من خلال المناهج التربوية التي تعدّ وسيلتها الرئيسة لتحقيق أهداف المجتمع وتطلّعاته. تلعب المناهج الدراسية دورًا أساسيًا ومهمًا في صياغة الشخصية الفردية والمجتمعية، وكثيرًا ما تُرد اللائمة إليها عند ظهور القصور في المخرجات التعليمية، كما يتم التطلع إليها عند الحديث عن التقدم والتحديث والتطور. ستبقى المناهج الدراسية لاعبًا أساسيًا في مختلف مناشط الحياة، فالتعليم هو القاطرة التي تقود كل تغيير، وبخاصة التغيير الإيجابي في المجتمع. ويناط بالمؤسسات الأكاديمية، وبخاصة كليات التربية، التعريف بالمناهج الدراسية ومفاهيمها المتنوعة وما يتعلق بها من قضايا وهموم، مع الاهتمام بالمستوى النظري والتطبيقي للاستفادة المثلى من الثقافة التربوية. إن التدريس مهنة علمية راقية، وعلى من يقوم بها أن يلم إلمامًا كافيًا بمكونات المنهج الذي أوكلت إليه مهمة تنفيذه، ليكون على بصيرة من أمره. من هنا، يمكن القول بأن إلزام طالب كلية التربية بدراسة مساق عن المناهج يفيده في أمور كثيرة، منها: * تكوين رؤية علمية عن المناهج مفهومًا ومكونات وتصميمات وعن علاقتها ببعضها البعض. * تبني المفهوم الواسع للمناهج الذي يجعل مفهوم المنهج يشمل الإنسان كله، ولا يقصره على العقل فقط، باعتباره النهج الأفضل الذي تتبعه التربية. * تحسين التعامل مع المناهج الدراسية على مستوى مكونات المنهج وأسسه وتصميماته. * تحسين صياغة الأهداف التعليمية صياغة واضحة ومحددة وقابلة للقياس. * تحسين عرض المحتوى باتباع الاستراتيجيات والأساليب والطرق المناسبة. * ابتكار الأنشطة التعليمية والتعلمية في الموقف التعليمي بما يمكن من بلوغ أقصى الفاعلية في تحقيق الأهداف. * تحسين أساليب التقويم سواء التقويم التكويني في أثناء العملية التعليمية أو التقويم الختامي في نهاية الدرس. * تحسين التعامل مع المتعلم باعتباره غاية العملية التعليمية التربوية، وذلك بما يدرسه في المناهج من الأسس النفسية وخصائص مراحل النمو. * الإفادة في السعي لتحقيق طموحات المجتمع وتوجهاته والحفاظ على الهوية والاستعداد للحياة المستقبلية، من خلال ما يدرسه من الأسس المعرفية والاجتماعية. * تحسين الإفادة من تصميمات المنهج كلها في عملية التدريس. * تمكين الطالب المعلم من أن يكون جزءًا فاعلاً من عملية تطوير المناهج وتحديثها؛ لأن المعلم هو المنفذ الفعلي للمنهج ويرتبط نجاح تنفيذه ارتباطًا عضويًا بقناعات المعلمين وقدرات الطلاب. وخلاصة القول، المعلمون هم المنفذون الفعليون للمنهج والقائمون على تحقيق الأهداف المنشودة. فدراستهم لمقرر عن المنهج يمكنهم من معرفة أدوارهم في تنفيذ المنهج وفي تطويره، فيكونون رديفًا فعليًا للقائمين بعمليات تطوير المنهج عند مرحلة التخطيط والتنفيذ والتقويم، ويكون لآرائهم دور أساسي في الدفع بالمنهج نحو الغايات المنشودة. **مفهوم المنهج وتطوره** تتواتر كلمة "منهج" في الدراسات الإنسانية والأدب التربوي، ويختلف معناها بحسب السياق. أجمع باحثون أن اليونان هم أول من استخدم هذه الكلمة، فتعني بأصل وضعها الإغريقي: "الطريقة التي يتخذها الفرد، أو النهج الذي يجريه ليسرع به إلى تحقيق هدف معين"، فالمريض مثلاً حين يستهدف الشفاء يشرب الدواء بنظام معين. وفي اللغة العربية، كلمة "المنهج" مأخوذة من الفعل "نهج"، ويعني وضوح واستبانة الطريق، والمِنْهاج هو الطريق الواضح والخطّة المرسومة، ومنه منهاج الدراسة والتعليم. وتعود كلمة Curriculum في اللغات الأجنبية الحديثة إلى الكلمة اللاتينية Currere، وتعني "حلبة السباق" التي يتنافس فيها المتنافسون للوصول إلى نقطة الفوز. بالنظر إلى منهج أي مؤسسة تعليمية، نجده عبارة عن مجموعة من الخطط والنظم التي تؤلف وحدة كبيرة تهدف إلى نقل التلميذ من محطة إلى أخرى عبر سلسلة من الإرشادات والمعارف والمهارات التي تفيده في حياته المستقبلية، ويتنافس التلاميذ داخل المؤسسة التعليمية من أجل النجاح والتفوق. وقد تطور مفهوم المنهج في قواميس اللغة الأجنبية بشكل مستمر: * وردت كلمة Curriculum لأول مرة في قاموس وبستر عام 1856 بمعنى "المنهج الخاص بالجامعة". * وفي عام 1966، وردت في قاموس بانكروفت بمعنى "سلسلة منظمة من الدروس أعدت للدراسة". * وفي الطبعة الثالثة من قاموس التربية Dictionary of Education لجود Good عام 1973، وردت للمنهج ثلاث تعريفات: 1. مجموعة من المقرّرات أو الموادّ الدراسيّة التي تلزم للتخرّج أو الحصول على درجة علميّة. 2. خطّة عامّة شاملة للموادّ التي ينبغي أن يدرسها التلميذ للحصول على شهادة تؤهّله لمهنة أو حرفة. 3. مجموعة من المقرّرات والخبرات التي يكتسبها التلميذ في المدرسة أو الكليّة. وبذلك أصبح المنهج يعني الخبرات التي تقدمها المدرسة لطلابها للوصول إلى الأهداف التربوية. ونظرًا لاختلاف الأهداف التربوية على مر العصور تبعًا لاختلاف الفلسفات السائدة، فقد تغيرت دلالة المنهج وتطورت وفقًا لذلك. ويمكن التمييز بين نوعين من معاني المنهج: الأول يدل على المنهج بمفهومه التقليدي، والثاني يدل على المنهج بمفهومه الحديث. **المفهوم التقليدي للمنهج** تتأثر المناهج التربوية في أي مكان وزمان بالفلسفة السائدة في المجتمع؛ فهي التي تحدد معنى المنهج ومفهومه. فقد كانت الفلسفة الإغريقية توجه التربية إلى وضع مناهج تسهم في إعداد الطفل للمستقبل لتحقيق أهداف تتسم بالثبات؛ لأنها تعبر عن حقائق مطلقة لا يمكن مناقشتها. فالمناهج عندهم تغاير طبيعة الطفل، وتؤكد أهمية العلوم والفنون، وما على الطفل سوى تعلمها – ولو باستخدام الشدة – بغض النظر عن درجة صعوبتها أو مدى ملاءمتها لميوله واهتماماته؛ لأن هذه العلوم والفنون تستحق أن تعلم لذاتها، ولأنها الطريق الوحيد لتحقيق الأهداف التربوية الساعية إلى الوصول بالطفل إلى إدراك الحقيقة المطلقة أو تغذية عقله أو السمو بنفسه. وقد مثّلت الفنون السبعة (النحو والبلاغة والمنطق والحساب والهندسة والفلك والموسيقى) محتوى المنهج الإغريقي، ثم أضيفت لهذه الفنون مع الزمن علوم أخرى كالتاريخ والجغرافيا والعلوم والرسم. وقد ظلت هذه الفلسفة سائدة في الأوساط التربوية لمدة طويلة طالت بدايات القرن العشرين، فكان المنهج في ظل هذه الفلسفة يُعرف بأنه: "مجموعة المواد الدراسية التي يتولى المتخصصون إعدادها أو تأليفها، ويقوم المعلمون بتنفيذها أو تدريسها، ويعمل الطلاب على تعلمها أو دراستها". ونظر إليه بعضهم نظرة مشابهة، فقد ذكروا أن المنهج هو محتوى المقرر الدراسي. وبذلك، نرى أن المنهج بمفهومه التقليدي عبارة عن المقررات الدراسية (أو محتواها) التي أعدها المتخصصون – انطلاقًا من قناعتهم بضرورتها لتحقيق الأهداف التربوية – وكلّف المعلمون تدريسها بأي أسلوب يرونه مناسبًا، وطلب إلى التلميذ استظهارها وإدراك حقائقها، دون أدنى اعتبار لاستعداداته وميوله. وبذلك، نستطيع أن نقول: إن المنهج بمفهومه التقليدي اقتصر على المقررات الدراسية، والمعارف والمعلومات التي تتضمنها تلك المقررات. **إعداد المنهج التقليدي:** تتم عملية إعداد المنهج التقليدي وفق الخطوات الآتية: 1. يقوم المتخصصون بتحديد المعلومات اللازمة لكل مادة دراسية. 2. توزع معلومات كل مادة على المراحل الدراسية، وعلى كل صف في كل مرحلة منها. 3. تُجمع معلومات كل مادة في كل صف ضمن كتاب مستقل، هو الكتاب المدرسي. 4. توزع موضوعات كل مادة في كل كتاب على أشهر العام الدراسي، وعلى أسابيع كل شهر. 5. تحدد الطرائق والوسائل المساعدة على تدريس كل موضوع، في كل مادة دراسية. 6. تحدّد أساليب تقويم كل مادة دراسية في كل صف. **خصائص المنهج بالمفهوم الضيق للمنهج:** يتصف المنهج بالمفهوم الضيق بخصائص عدة، منها: 1. المنهج يعني المقرر الدراسي، ويقتصر على الجانب المعرفي في المحتوى بمستوياته الدنيا، دون إعطاء أهمية واضحة في أغلب الأحوال للجوانب الوجدانية والمهارية. 2. يصبح الكتاب المدرسي المرجع أو المصدر الوحيد للمعرفة والتعلم. 3. اقتصر دور المعلم على نقل المعرفة والتلقين، فهو شارح للكتاب المدرسي، ودور المتعلم هو الحفظ. 4. يركز على عملية التعليم وليس التعلم. فالدور كله للمعلم إعدادًا وتنفيذًا ونقاشًا، ولم يمكّن الطالب من المرور بفرص التعلم. 5. لا يراعى الفروق الفردية، فهو يعامل الجميع كأنهم عقلية واحدة، ولا يهتم بحاجات المتعلمين وميولهم. 6. عزلة التعليم عن الحياة، وعدم ارتباطه بالواقع، أي أنه لا يعد المتعلمين للحياة والمجتمع بعد تخرجهم. 7. يعتمد كتابًا مدرسيًا واحدًا لبيئات مختلفة، وبالتالي فهو لا يولي اهتمامًا بتنوع البيئات. 8. يقتصر التقويم على التحصيل المعرفي. 9. طريقة التدريس في الغالب هي الإلقاء والتلقين. 10. لا يهتم بالأنشطة ولا يركز على الخبرات والمهارات. **الانتقادات الموجهة إلى المنهج التقليدي:** أصبح مفهوم المنهج بمعناه التقليدي الذي يتمثل بالمقررات الدراسية لا يلبي التوجهات التربوية الحديثة التي نقلت مركز الاهتمام التربوي من المادة الدراسية إلى المتعلم. وقد تعرض هذا المفهوم التقليدي للمنهج لجملة من انتقادات التربويين المجددين، لتركيزه على المعلومات والحقائق والمفاهيم وإهماله معظم جوانب العملية التربوية. ويمكن إجمال أبرز انتقاداته بما يأتي: * **بالنسبة للتلميذ:** يركز على تنمية الجانب العقلي فقط، ويهمل جوانب النمو المختلفة، وحاجات التلميذ وميوله ورغباته، والفروق الفردية بين المتعلمين. كما يغفل توجيه السلوك وتكوين المهارات والاتجاهات الإيجابية، ويعود التلميذ على السلبية وعدم الشعور بالمسؤولية، ما يؤدي إلى نفوره من الجو المدرسي وشعوره بالملل، وقطعه عن مشكلات بيئته. * **بالنسبة للمعلم:** يقيد حريته ويحرمه من الإبداع والابتكار، ويقلل من شأنه بعدم أخذ رأيه. ويحمله جهدًا كبيرًا بسبب الاعتماد عليه بشكل كلي في الشرح والتسميع والمتابعة والتقويم، ما يسبب له شعورًا بالقلق وعدم الطمأنينة نظراً لأساليب تقويمه المعتمدة على التفتيش. * **بالنسبة للمادة الدراسية:** تعاني من التضخم وما يترتب عليه من مشكلات، والانفصال التام بين المواد وعدم التكامل فيما بينها وحتى بين أفرع المادة الواحدة. تهتم بالجانب النظري وتغفل الجوانب التطبيقية للمادة، ولا ترتبط بالحياة، ما يقلل درجة الإقبال على تعلمها وسرعة نسيانها لعدم توظيفها في حل مشكلات المتعلم. * **بالنسبة لأساليب التقويم:** تركز على تقويم المستويات الدنيا من المجال المعرفي (الحفظ والاسترجاع)، وتقتصر على الأسئلة المقالية، ما يخلق شعورًا بالخوف والقلق من أجواء الامتحانات. * **بالنسبة للجو المدرسي العام:** يبتعد عن العلاقة الإنسانية الجاذبة، ولا سيما بين المعلم والتلميذ، وتشيّع ظواهر سلبية في تلك العلاقة، ومنها ظاهرة العقاب الجسدي. كما يخلو الجو المدرسي من الأنشطة المنهجية والترويحية التي تجذب التلميذ، مما يؤدي إلى ظهور التسرّب المدرسي على نطاق واسع، والارتداد إلى الأمية. * **بالنسبة للبيئة المحلية:** يفصل المدرسة تمامًا عن البيئة المحلية، ولا تلبي مخرجات التعليم في ظل المنهج التقليدي حاجات سوق العمل المحلية.