إن الفطرة السلمية هادية إلى االله، فالعاقل يفتح عينيه على وجوده، كل مخلوق في هذا الكون الفسيح، فيرى بعين بصيرته يد االله تعالى تصرف كل شيء في هذا الكون، ناهيــك بما في القرآن الكريم ـ كتاب االله تعالى الذي حفظه بعينه، ووقاه كل تحريف وتبديل ـ فكم تجد في تضاعيف آياته وإشراق بيناته ما يرد العقول الزائغة إلى الفطرة السوية، فكم من آية في كتاب االله تؤكد أن كل ما يصيب الإنسان من صحة أو ســقم، فإنما ذلك كله مرده إلى أمر االله 4، ولم يكن ما قدره االله له من خير أن يخطئه، فالخير والشــر والنفع والضر كل ذلك بقضاء االله وقدره، وقد وجه االله عباده إلى اعتقاد وإعلان أن كل مصيبة تلم بهم، فإنما هي بحسب ما كتبه االله تعالى، وأن كل عطاء أو حرمان فإنما هو بأمر االله تعالــى، وجاءت ســنة النبي ژ مؤكدة ما توحيه الفطر الزكية، فقد وجه النبي ژ خطابه التربوي العظيم إلى ابن عمه حبر الأمة وترجمان القرآن عبد االله بن عباس ^ ، فقال له: »يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ االله يحفظك احفظ االله تجده تجاهك، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه االله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه االله عليك، ألا أعلمك كلمات ينفعك االله بهن؟« قد جف القلم بما هو كائن، فلو أن الخلق كلهم جميعا أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يكتبه االله عليك، واعلم أن في الصبر على ما تكــره خيرا كثيرا، رقم ٢٥١٦( وقال: حسن صحيح. المحور الأول: فيما يتعلق بالإيمان باالله وتصريفه الخلق وهو يؤكد أن النبي ژ كان حريصا على أن يربي هذه الأمة وفق هذا ال س َنن وبهذا كان يطهر عقولهم من كل لوثة من لوثات العقائد الجاهلية، التي رســخت في أتباعها أن االله سبحانه ُمزاَحمفيخلقهوأمرهمنقبلشــركاءيزعمونهم، ودوامغ آياته البينات ليخلص الإنسانية التعيســة الحائرة من هذه الأوهام، التي حالت بينها وبين إصاخة سمعها إلى نداء الفطرة، وغشــت أبصارها بأغشية أن تستهدي بأنوار العقل الكاشفة لهذه الحقائق من وراء حجب الأوهام، فقد أقام القرآن على الذيــن زاغت عقولهم بينــات لا تدفع ـ من أنفســهم، ومن كل ما يزخر به الوجود من عجائب خلق االله ـ على أن كل شــيء بيد االله، أو يدفع له حكما. كما في قوله سبحانه: ﴿_`ihgfedcba wvutsrqponmlkj z y x {| } ~ ے ¡ ¢ £¤ ¥ ¦ § ̈﴾ الأنعــام: ٧١، فكيف يترك الإنسان التوجه إلى االله في ملماته، ويتوجه إلى مخلوق مثله لا ينفع ولا يضر، بل لا يستطيع أن يجلب لنفسه نفعا أو يدفع عنها ضرا، فضلا عن أن يفعل ذلــك لغيره؟! ومثله قولــه تعالى: ﴿N M L `_^]\[ZYXWVUTSRQPO onmlkjihgfedcba zyxwvutsrqp{|﴾ الرعد: ١٦، فإذا كانت الربوبية الله 4 وحده؛ أو يدفع حكمه بحكمه، والتبســت عليها الحقائق، وقد تكررت مجادلة القرآن الكريم لهــؤلاء الذين عطلوا كل ما آتاهم االله تعالى من إدراك وأطفأوا كل ما أناره لهم من بصيرة كما في قوله تعالى: ﴿t zyxwvu{|}~ے¡¢£ 2±° ̄¬«a ̈§¦¥¤ 3 ́o1 ̧¶μ»1⁄41⁄2﴾ الزمر: ٣٨، وقولــه: ﴿=> NMLKJIHGFEDCBA@? ﴾^]\[ZYXWVUTSRQPO فاطر: ٤٠، وأتبعه بأن حفظ هذا الكون علويه وسفليه إنما هو إلى االله وحده، ومثل ذلك قــول االله تعالــى: ﴿{|}~ے¡¢£¤ ¶μ ́32±° ̄¬«a ̈§¦¥ ̧o1»﴾ الأحقاف: ٤، وأتبعه تسجيل الضلال المبين على أولئك الذين يؤمون غير االله تعالى بدعائهم! وهم لا يســتجيبون لهم بشيء إلى يوم القيامة، ١٥ المحور الأول: فيما يتعلق بالإيمان باالله وتصريفه الخلق قوله: ﴿1⁄23⁄4¿ËÊÉÈÇÆÅÄÃÂÁÀ ÎÍÌ﴾ الأحقاف: ٥، أو مصنوعة من الخشب، وقد يدعون بشرا هم أنفســهم أحوج إلى عناية االله ولطفه، وأبلتهم الأرض، فيكونون لهم أعداء، #$%&'()﴾ الأحقاف: ٦. العجب كيف انحدرت هذه الأمة مع ما أوتيت إلى حضيض الجاهلية: وتشرح منهم الصدور للحق، وما ر باها عليه رسول االله ژ من التربية الإيمانية، التي ارتقت بها عن حضيض الجاهلية، وعرجت بها إلى ملكوت االله الأعلى، والانغماس في أوحالها، وبيــن ما تعيش فيه من الضلال والظلام، ويضرب فيهم أسوأ الأمثال عندما يقول: ﴿a`_^]\[Z qponmlkjihgfedcb r﴾ الجمعة: ٥، وما يشــاكله من أمثال، ناهيك أن االله ســبحانه حفظ لهذه الأمة قرآنها، وينتشر هداه، ١٦ على قلب عبده ورسوله ژ ،  أو تغير شيئا من رســمه حوادث الزمن، فليت شعري؛ أو َي ْلبِس شــيئا منها؟ وكم ترى في أحوال الأمة ُ بل في كليات العقيدة وأسس الإيمان، أولا تعجب كيف أنهم نسوا االله ســبحانه فقصدوا غيره بالأمل والرجاء والتضرع والدعاء، أو حجبوا عن عطائه وآلائه، فكم كشــف عنهم من ضــر، وكم أغدق عليهــم من نفع لا يملك منه الخلق شــروى نقيــر، لال د' ء ا %$ $ دون االله: كثير من أولئك تستبد بهم الأوهام، والتقرب إليهم بالقرابين، واتبعوا الحق الذي أنزل: ﴿a`_^]\[ZYXW﴾ الجــن: ٦، وكــم تفنن الجهال في ابتكار أنواع الضلال في هذا، ١٧ هؤلاء المدعوين، أو يجلبوا نفعا، فيا ترى؛ هل يعد من تردى في هذا الحضيض من الضلال من الإيمان في شيء؟ فإن الإيمان تصديق وطمأنينة وسكينة، فهو لا يتزعزع بما يلم بالمؤمن من زعازع القدر، وإنما يدفعه ذلك إلى التوجه إلى االله الذي بيده كل شــيء، ومحاسبة النفس وردها إلى جادة الحق إن زاغت، فالمحن والمنح تزيد المؤمن إيمانا وتصقل مرآة قلبه، +* $ ا : أن يعتقد الإنسان أنه لن يصيبه شيء مما يكدر صفو عيشه إلا بسبب من الخلق، أو سطو من الجن، بل جميع الأوجاع التي تلحق الأبدان لا يتصورونها أنها تكون إلا بســبب من هذه الأسباب، كأنما الدنيا هي جنة الخلد التي لا يعتري الإنسان فيها نصب ولا لغوب، وهو من طبيعة هذه الحياة، فقد ابتلي النبيون من قبل بالأمراض والأسقام والبلاوى، ١٨ ومن هو الذي يعيش حياته ســليما ممــا ينغصها عليه من الأســقام والأوجاع والبلاوى؟ مع أن الكدر هو جبلة هذه الحياة كما قال الشاعر: ُطبَِعت َعلىكدرٍَوأَنَتُتريُدها َصفوًا ِمــَنالأَقــذاِء َوالأَكدارِ َوُمَكلــفالأَيامِ ِضــد ِطباِعها ُمَتطلبفــيالماِء َجــذوةنارِ َوِإذاَرَجوَتالُمســَتحيلَفِإنما َتبنيالَرجــاءََعلىَشــفيٍرهارِ والرضا والتسليم لأمر االله، أن رســول االله ژ ، قال: »ما من مصيبة يصاب بها المســلم، وعن أبي ســعيد، وأن الإنسان رقم ٢٧٠(. ١٩ المحور الأول: فيما يتعلق بالإيمان باالله وتصريفه الخلق متجاهلا أن الحياة تبدأ بضعف، وتنتهي إلى ضعف إذا أنسئ للإنسان في أجله، وقال تعالى: ﴿3 ́ o 1 ̧ ¶ μ »﴾ يــس: ٦٨، وينص عليها الوحي، مع أن الإنسان عندما يتجاوز سني القوة في عمره، ويبدأ في الانتكاس إن حاول معالجة أسقامه فلا يعدو ذلك أن يكون كترميم البيت المتداعي، وإلا فخير علاج له رضاه بقضاء االله وقدره، واحتســاب أجره على ما يلقاه من عنت ومشقة عند االله، وقد أحسن من قال: لِدائِــَكِإّلاأَنَتمــوَت َطبيُب ِإلىَمنَهــلٍِمــنوردِهَِلَقريُب َوُخلفَتفيَقــرنٍَفأَنَت َغريُب ِإذاكاَنتِالسبعوَنأمَكَلمَيُكن َوِإنِاِمَرءًاَقدساَرَسبعيَن ِحجًة ِإذامااِنَقضىالَقرُنالذيأَنَتِمنُهُم وهذا لا ينافي أن يأخذ الإنســان بالأســباب، ويســعى في علاج أسقامه وأمراضه ما دام حيا، عملا بوصية النبي ژ الذي قال: »إن االله حيث خلق الداء خلق الدواء فتداووا«)١(، رقم ٢٣٥٢(، رقم ٢٣٤١٥(، وأبو يعلى كما في إتحاف الخيرة )٥٠١/٥، ٢٠ وقد جعل له شــفاء علمه من علمــه وجهله من جهله«)١(، فــلا عتب على من تداوى مما ألم به بما جعل االله من دواء للأســقام، وإنما العتب على من ترك العلاج بما جعله االله ســببا للشــفاء، وعدل إلى العلاج بما يزيد الأسقام قوة ورســوخا عندما يصدق الأوهام فترســخ في نفســه حتى تصبح نفســها داء يستعصي على العلاج، ولا يجد المصاب به إلى الشفاء سبيلا، وطمس البصائر، وترك الناس يعيشون في أوهام لا يجدون إلى الخلاص منها ســبيلا، فيتعمق الوهم فــي نفســه، ولا يبالي أن يخســر مالــه للدجاليين المشعوذين، الذين فقدوا الإيمان فتجاهلوا سنة االله في خلقه. ولا تســأل عن حال هؤلاء عندما يصاب لهم مولود بشــيء من الأسقام، فإنهم لا يكادون يصدقون أن هذه ســنة من ســنن الحياة، وأن كل إنسان منذ ولادتهيســتقبلالحياةبحلوهاومرهاوســعدهاونحســها، أول وهلة بقوله: لِما ُتؤذنالدنيابهمنصروفها يكونبكاءالطفلســاعَةيوَلُد َُُ وجهلهم بسنته في الحياة، ٢١ المحور الأول: فيما يتعلق بالإيمان باالله وتصريفه الخلق طالبين منهم كشف الضر عن أطفالهم، وينسون االله تعالى فلا يدعونه لكشف الضر، كما ينسون ســنته في الحياة في وصل المسببات بأسبابها، وما شرعه لعباده من علاج الأدواء بدوائها، وهم إن سعوا إلى العلاج الطبيعي فإنهم يسعون إليه ونفوســهم خالية من الرجاء بنجاحه، وإنما يعلقون النجاح على دجل الدجالين وشعوذة المشعوذين، أموالهم التي هم شحاح بها إلا في هذا السبيل. ولا يبالي الدجالون المشعوذون أن يستغلوا هذه العقلية الضالة أسوأ استغلال، وأبرهم قلبا، فقد نمى إلى سمعي منذ عقود من الســنين أن رجلا من هؤلاء البله المغفلين مرض له طفل، فذهــب به إلى أحد المشــعوذين، فخيل إليه الشــيطان أن تلك العجوز هي أمه، وعندما عاد إلى بيته حاملا طفله كانت الأم المسكينة أول من يستقبله بشفقتها وحنانها، وعطفها على حفيدها الطفل المصاب، فما كان منه إلا أن قابلها بأشــد قسوة وأعظم جفاء، فوقعت علــى الأرض وهوت في حفرة كانت بجنبها، وكال لها من الشتائم والكلام القاذع ما لو خوطبت به الجبال لتصدعت، فيا ترى؛ وتصديق الأوهام، وتكذيب الحق اليقين؟ فلــو أن هذا الرجل كان على خوف من ربه، وبصيرة فــي دينه، لما صدق هذا الإفــك الذي انتحله الدجال ليفرق بينه وبين أمه، وهي أحب الناس له وأبرهم به وأشفقهم عليه،