الأدب المقارن: وفي العادة إلى لغة غير اللغة التي ينتمي إليها أيضًا، وذلك بغية الوقوف على مناطق التشابه ومناطق الاختلاف بين الآداب ومعرفة العوامل المسؤولة عن ذلك، وإبراز تأثير أحدها في غيره من الآداب، إلخ، وهذا التعريف قد تمت صياغته وبلورته من خلال التعاريف والمفاهيم المتعددة لهذا الفرع من فروع العلم، فالأدب المقارن، حسب هذا التعريف، فقد يكون ميدانه المقارنة بين جنس أدبي، في أدبين مختلفين أو أكثر، كنظام العروض والقافية أو الموشحات مثلًا، وقد يكون ميدانه الصور الخيالية؛ وقد يكون ميدانه النماذج البشرية والشخصيات التاريخية في الأعمال الأدبية، أو مجرد الموازنة بينهما لما يلحظ من تشابههما . كالكلاسية والرومانسية والواقعية والرمزية والبرناسية هنا وهناك، وهكذا؛ عبدالحليم محمود/ لجنة البيان العربي/ القاهرة/ 1956/ سلسلة الألف كتاب - العدد 44، وكتاب كلود بيشوا وأندريه ميشيل روسو: "الأدب المقارن"/ ترجمة د. بل فرع من فروع "العلم يدرس الأدب، ومعرفة ما فيها من عناصر مشتركة أو مختلفة، إذًا فنحن لسنا بصدد "أدب"، اللهم إلا إذا فهمنا كلمة "أدب: Litterature، أو قلنا: إن ثمة كلمة محذوفة على سبيل الاختصار، أو"تاريخ الآداب المقارنة"، أو "التاريخ الأدبي المقارن"، أو "تاريخ الآداب المقارن"، أو "الآداب الحديثة المقارنة"، أو "الأدب العالمي"، أو "الأدب بطريق المقارنة"، وذلك رغم ما تتمتع به بعض التسميات من اختصار ودقة؛ ومن ثم يكون أسهل تداولًا لمن يريد، ويجد القارئ اقتراح الكاتب باستبدال المصطلح ومسوغاته في ص13)، ويجد القارئ الكلام عن اقتراح الكاتب باستبدال المصطلح في ص117، 120، وقد اختصر الدكتور أحمد كمال زكي مصطح "الأدب المقارن" إلى كلمة واحدة فقط هي "المقارن"، ومن يدري؟ فقد تشيع مع الأيام هذه التسمية، وتحل الكلمة الواحدة محل الكلمتين، وبخاصة عن طريق الاستعاضة عن النعت والمنعوت معًا بالنعت قائمًا برأسه، (انظر في مشكلة المصطلح د. ود. علي شلش/ الأدب المقارن بن التجرببتين الأمريكية والعربية/ دار الفيصل الثقافية/ الرياض/ 1415هـ - 1995م/ 13)، الذي استعمله خليل هنداوي وفخري أبو السعود على التوالي في مقالاتهما بمجلة "الرسالة" في عام واحد (هو عام 1936م) بفارق ثلاثة أشهر تقريبًا - كان هو المصطلح الذي قُدر له الشيوع، علي شلش يرى أن صاحب هذا المصطلح في الحالتين هو أحمد حسن الزيات لا هنداوي ولا أبو السعود، قائلًا: إن الزيات قد أضاف إلى العنوان الأصلي لكل من الكاتبين مصطلح الأدب المقارن (انظر كتابه: "الأدب المقارن بين التجربتين الأمريكية والعربية"/ 114 - 115)، أما د. (انظر كتابه: "آفاق الأدب المقارن عربيًّا وعالميًّا/ 153 - 158). أن تكون هناك صلات تاريخية بين العملين أو الظاهرتين أو الأدبين المراد مقارنتها، سواء كتب هذان الأدبان بلغتين مختلفتين، كما هو الغالب، أو كانا يصطنعان ذات اللغة، إلخ، إن المراد هو تمتين العلاقات الأدبية بين الأمم والشعوب المختلفة، واكتشاف أوجه التشابه والاختلاف لديها في الذوق والإبداع، وتتبع المسارات التي انتقلت عن طريقها التأثيرات الأدبية من أمة إلى أخرى في حالة وجودها وإمكان تتبعها، وإذا كانت المدرسة الفرنسية في الأدب المقارن تركز بوجه عام على الصلات التي ثبت وجودها فعلاً بين الأمم والشعوب، فهل هناك ما يمنع أن نمد هذا الاهتمام إلى المستقبل فنستشرف وجود مثل هذه الصلات أو نعمل على خلقها خلقًا؟ بل هل هناك ما يقطع بعدم وجود علاقة بين عملين أو ظاهرتين أو تيارين أدبيين لم يتضح لنا أنه كانت بينهما يومًا هذه العلاقة؟ لا أظن؛ وأن هذا أحد البواعث التي دفعته إلى نظم قصيدته فيها، وسجل هذه الرحلة في كتاب من أربعة أجزاء هو "Voyage en Orient. بل لقد قيل: إنه ذو أصول عربية، وقد يكون تأثر في نظمه تلك القصيدة بشاعر آخر فرنسي أو غير فرنسي كان قد تأثر بدوره بإحدى القصيدتين العربيتين أو بهما معًا، وربما كان تأثير المتنبي أو البحتري سلبيًّا، بمعنى أن الشاعر الفرنسي لم يستحسن الطريقة التي تناول بها الشاعر العربي موضوعه أو بعض صوره الخيالية أو السياق الذي نظم فيه عمله أو الجو النفسي الذي سيطر عليه أو الغرض الذي نظم قصيدته من أجله. من كان يعرف أن قصة المعراج قد ترجمت إلى عدة لغات أوربية منها اللاتينية قبل أن يكتب دانتي "كوميدياه الإلهية"؟ لقد تعرض بلاثيوش لهجوم شديد ومعارضة عنيفة عندما طلع على الناس بأن دانتي قد تأثر بتلك القصة، إلى أن اكتشف أحد المستشرقين بعد رحيله بسنوات خمس لا غير أن تلك القصة قد ترجمت فعلاً قبل وضع دانتي عمله المذكور، مما يؤكد أنه قد قرأها قبل إبداعه لذلك العمل؛ (انظر د. الطاهر أحمد مكي/ الأدب المقارن - أصوله وتطوره ومناهجه/ دار المعارف/ 1407هـ - 1987م/ 218 - 219). ولنفترض أننا كنا موقنين تمام الإيقان أنه لم تكن هناك قط مثل تلك العلاقة، ولو على سبيل الاحتمال، وتلقيحًا لكل منهما بعناصر القوة والجمال في الآخر، وهل هي راجعة إلى ظروف المبدع الشخصية أو هي بالأحرى ترجع إلى خصائص البيئة والأمة التي ينتسب إليها؟ أم ترى ينبغي أن ننتظر قيام مثل تلك الصلات أولًا، وعندئذ فقط، ومن ثم لا أجد أية غضاضة فيما صنعه شفيق جبري مثلًا في مقالاته في مجلة "الثقافة" المصرية في 1939م من المقارنة النقدية بين "بحيرة" كل من البحتري ولامرتين والأخرى، وبين "بخلاء" الجاحظ و"بخيل" موليير،