اعتاد أهل الحي أن يجتمعوا أمام أبواب دورهم في كل مساء بعد رجوعهم من العمل، وما جد وما شاهدوه بأنفسهم. كنا ـ نحن الصبيان ـ نحاول أن نسرق السمع إلى أحاديثهم لنعيد صياغتها بيننا كمهتمين بما يشغل بال آبائنا. وقد شاعت في الحي إشاعة مفادها أن صورة الملك محمد الخامس قد ظهرت بكل جلاء في القمر، ويمكن رؤيتها بالعين المجردة. كنا جميعا نصعد نساء وأطفالا ورجالا إلى سطح الدار ونبدأ في المراقبة والتأمل، وبينما أنا أحملق بدوري وأمعن النظر في القمر، إذ لم أتمكن من رؤية الملك. ويؤكد رؤيته لصورة الملك بكل قامتها، وساد ضجيج بيننا، وأسرعنا إلى درج السطح نسعى إلى النزول الواحد تلو الآخر، والتأكد من هوية الموجودين بها. بقيت مسمرا خلف أمي إلى أن طلبت مني أن ألتحق بسريري وأتوسد الوسادة في هدوء. أما ً للا هنية ً فقد وضعت أحد صغارها على ظهرها والآخر بين يديها، فقد أمسك بيد ولده الأكبر ويده الأخرى مرتفعة للدلالة على الاستسلام، بينما ((راوية)) هادئة تنتظر أمام غرفتها التي دخلها جندي يعبث بما في داخلها. كان عدد من الجنود يفتشون الفوقي. وساد صمت رهيب إلا ما كان من حوار العساكر في ما بينهم، وهم يطلبون فتح الصناديق التي لم تكن تحتوي إلا على ملابس قديمة وأدوات لا قيمة لها. وبعد أن قلبوا الأفرشة رأسا على عقب، عاد الجيران إلى وسط الدار يتداولون ويتساءلون عن سر هذا الهجوم، واستمر الحوار في ما بين الجميع، بينما انهمكت كل امرأة في ترتيب ما تم تشتيته وتوزيعه بين الأركان، وعاد أبي إلى الغرفة تحت إلحاح أمي التي خاطبته قائلة: ـ إن الله أنزل اللطف، لو رأوا العلم الذي تحت المخدة أو صورة الملك تحت آلة الخياطة، لو رأوا ذلك لأخذوك معهم. فلم أهدأ إلا بعد أن أمعنت النظر فيها طويلا ولأول مرة. وبعد حوار ساخن بين أمي وأبي حول الصورة والعلم وضرورة إخفائهما، فهمت أن الراية والصورة من الأسلحة الفتاكة التي يهابها الفرنسيون ويعاقبون أيا من كان إذا وجدت في حوزته. أني رأيت بين جموع الجيران، صورة الملك واضحة في القمر، ولا شك أن انطباع الصورة في مخيلتي هيأ لي أني أراها حقيقة وأنا أنظر إلى القمر.