‎يحسن بنا قبل بيان مفهوم الحق في الفقه القانوني الإشارة إلى معنى الحق في اللغة، ‎بالشيء والتمكن منه (٢) . وتعتبر فكرة (الحق) من الأفكار المستقرة على مستوى التشريعات القانونية الوضعية والأدبيات العلمية في العصر الحديث، ورغم ذلك فقد اختلف فلاسفة وفقهاء القانون في وضع تعريف للمصطلح، وذهبوا في تعريفه مذاهب متعددة نتيجة لاختلاف النظر في العنصر الجوهري الذي يقوم عليه مفهوم (الحق) ويؤثر فيه، ونشأت عدة نظريات تناولت تعريف الحق، حيث قامت كل منها لتصحيح الانتقادات التي وُجّهت لسابقتها، وسنعرض إليها بالتوضيح المناسب فيما يأتي وفق ظهورها التاريخي: أولا: المذهب الشخصي (نظرية الإرادة): وهو يعرف الحق من خلال صاحبه، فيراه صفة تلحق بإرادة الشخص، فيصبح بها قادرًا على الإتيان بأعمال معينة، فالحق هو: "سلطة أو قدرة يعترف بها القانون لإرادة شخص معين"، ويباشره ويحقق مصلحته من خلاله. ويند شايد، وقد تعرض هذا الاتجاه للانتقاد، ويرى البعض أن لما يلي: إمكان وجود الحق لشخص عديم الإرادة؛ إذ تنشأ لهم حقوق مالية دون اعتبار إراداتهم. أن ربط استعمال الحق بإرادة شخص معين لا حاجة إليه، فعديم الإرادة كالمجنون قد يستعمل بيتا للسكنى ولا يقتضي ذلك إرادته. أن الحق قد يثبت لصاحبه قسرًا ؛ كثبوت حق الولاية للأب (۱). كما يمكن أن يعترض على هذا الاتجاه بأن التعريف غير مانع، فكلاهما يمنح صاحبه سلطة أو قدرة، الرخصة تثبت السلطة والإباحة للكافة. وقد ناصر هذا الرأي الفقيه: اهرنج، ولكن هذا الاتجاه لم يسلم من النقد كذلك، وليست جوهره، فالمصلحة قد تتحقق للشخص دون أن يتقرر له حق في شيء معين، فقد توجد المصلحة ويتخلف الحق؛ مع أن تصرف الدولة ليس حقا للتجار. ثالثا: المذهب المختلط (نظرية الإرادة والمصلحة): وهو يجمع بين النظريتين السابقتين، أصحاب هذه النظرية في تغليب أحد هذين العنصرين: فذهب بعضهم إلى تغليب عنصر الإرادة، لتحقيق مصلحة معينة". بينما غلب الفريق الأخر دور المصلحة، فعرف الحق بأنه "مصلحة يحميها القانون وقد وجهت له الانتقادات الموجهة للمذهبين السابقين لكونه يجمع بينهما. وعند تحليل هذا هي الاختصاص الذي يعبر عنه بالاستئثار، ٢. التسلط، ويقصد به القدرة على التصرف في الشيء محل الحق كنتيجة مباشرة للاستئثار به، وهذا التصرف قد يكون تصرفًا ماديًا باستهلاك الشيء أو إتلافه، وقد يكون تصرفًا قانونيًا، بنقله إلى الغير أو ترتيب حق عليه. القضائية، وثمرة هذه الحماية هي احترام الغير للحق نتيجة سيادة القانون (۱). الحق، إن الباحث في مفهوم الحق في الفقه الإسلامي لا يجد كبير عناء في الكشف عن استعمال الفقهاء كثيرًا لهذا المصطلح في مواضع مختلفة، وفي معان عديدة ذات دلالات مختلفة - على الرغم من انتظامها في معنى عام يجمعها وهو الثبوت والوجوب- ومصطلح "الحق" كغيره من المصطلحات قد تطور مفهومه وصياغة تعريفه إلى أن وصل إلى مرحلة الاستقرار، وسيدرك القارئ بجلاء أن ما ذكره بعض الباحثين (١) من عدم محاولة الفقهاء وضع تعريف لمصطلح "الحق" أو أنهم استغنوا عن تعريفه لظهور معناه، والادعاء بأن الفقه الإسلامي لم يفرق بين أنواع الحقوق وتقسيماتها، وما زالت الجهود تتكامل وتأخذ في النضج والتجديد، وتكشف كل يوم جوانب تفوق التشريع الإسلامي وفقهه، وربما بتأثر مباشر أو غير مباشر بالتراث الإسلامي، وذلك على النحو الآتي للفقهاء المتقدمين عدة تعريفات للحق، (۱) وهذا التعريف عرف الحق بأنه اختصاص، وهذا يظهر عنصر الاستئثار والتسلط بالحق، كما أن قوله "شرعًا" نص على مصدرية الشرع للحقوق أو المصدرية الشرعية للحقوق وحمايتها (۲) ، ورغم التقدم التاريخي لهذا التعريف لكنه نفيس القيمة؛ فقد اشتمل على عناصر الحق التي انتهت إليها النظرية الحديثة في التعريف القانوني، فعرف الحق بالاختصاص والتسلط، الاختصاص والتسلط) (۳). وحاجزًا عن تصرف الغير " (٤. ولعنصر الاختصاص بقوله: حاجز عن تصرف الغير"، وأشار إلى مصدر الحق وهو الشرع. تعريف الحق عند الفقهاء المعاصرين: حاول الفقهاء المعاصرون صياغة تعريف محدد منضبط للحق يبين ماهيته ويكشف حقيقته، واتجهوا فى ذلك عدة اتجاهات وأوردوا عددًا كبيرًا من التعريفات، والواقع أن هذه الاتجاهات والمسالك ليس بينها كبير خلاف فى تصوير الحق وبيان حقيقته، ولعل السبب فيما حدث بينها من تباين هو اختلاف جهة النظر، فبعضهم عرف الحق باعتبار موضوعه، وبعضهم عرفه بالنظر إلى صاحبه، حيث تحقيقا لمصلحة معينة" (٢)، وجاء هذا التعريف توضيحا وتعديلا على تعريف الدكتور وهذان التعريفان يرجحهما كثير من الباحثين والمتخصصين لدقة صياغتهما وشمولها، فالاختصاص تعبير عن الانفراد والاستئثار، ويشمل ذلك حقوق الأشخاص وحقوق الله تعالى، الاشتراك. كما في الحقوق العينية؛ أو الحق في اقتضاء العمل ويهدف هذا الاختصاص إلى تحقيق مصلحة معينة مشروعة، وهذه هي غاية الحق ومن أبرز من تزعم ذلك الفقيه الفرنسي (دوجي)، وأساس هذا فكرة الحق تعطي صاحبها إرادة تميزه عن غيره، ويرى أن هذا يعارض جوهر القانون الذي يعامل الأشخاص على أساس إنهم إرادات متساوية، مما جعل هذا الرأي نظريا لا يترتب عليه نتائج عملية، فضلا عن أن فكرة الحق ليست هي التي تمنح الاشخاص إرادة تميزهم عن الغير، وإنما القانون هو الذي يخول ذلك لصاحب الحق، الحق، وظهورها في الشرائع المختلفة ثم تطورت العقائد الوثنية، وعلى القاضي أن يستطلع رأي الآلهة الوثنية في الصادر عن الآلهة وليس عن كل نظام يُعرض عليه عن طريق الإلهام والوحي الإلهي - على لسان أفراد متميزين، وكان هذا مصدر قوتها والإلزام بها. وتنظيم وتهذيب. وقد يُبعث بعض الرسل بشريعة جديدة، كما في المسيح عليه السلام، فقد اقتصرت نصوصه على تناول المسائل الروحية والأخلاقية فقط، وكانت تحيل إلى تشريعات الديانة اليهودية وقد بدأت المجتمعات المسيحية، في فترة انحرافها، بالأخذ من القانون الروماني، بعيدا عن الشرائع السماوية والوحي الإلهي. ومن الثابت تاريخيا في فقه تاريخ القانون السائد، أن القانون الروماني لم يكن يعرف فكرة الحق بالمفهوم المعروف الآن، ويمكن إعادة أسباب تطور فكرة الحق في القوانين ذلك من إعلانات حقوق الإنسان. تطور فكرة الحق، كغريزة التملك، تدفع إلى تنظيم العلاقات واحترام النظام الاجتماعي، وتبعا لهذه العوامل أخذت كعلم النجوم، وقد يتم الاحتكام إلى رئيس القبيلة أو شخص معروف بالرأي والحكمة، وقد لا يلتزم المحتكمون بما صدر من حكم. فقد كانت فكرة الحق حاضرة في النص القرآني، وترددت كلمة الحق في السنة النبوية، وصاغ الفقهاء تعريفات له،