تراجعتِ الشَّمسُ بأشعتها الذهبية وخبت تمكَّنَ ضَوء مصابيح الشارع الخافتُ بصعوبةٍ مِنْ أنْ يكبح الظلام والضباب اللذين غزيا كلَّ معسكر المنجم، وكانَتْ مجموعة من الرّجالِ مُكونةً من دقاقي الركائز ؛ ميكانيكيين أو عُمال وزارعي ألغام ، عائدةً إلى بيوتها، خلال رحلة بطيئة صامتة لصعوبة التنفس بسبب الهواء والفتيل؛ لأن منجم (شكيكا ماتا) كان يقع على ارتفاع أكثرَ مِنْ ألفين وخمسمئة متر فوق سطح البحر. أصبحتِ المجموعة مجاورة (لبنكروفت السكنية، وبدأت تتفرّقُ وَفْقَ اتجاهات شوارع عمال المعسكر المختلفة، وكان يمكنُ رؤية أضواء البيوت منسابة من النوافذ والأبواب نصف المفتوحة. استمر العامل (جوان لابرا)، الذي كان ميكانيكيا قويا وصديقًا مخلصًا في السير عبر واحدٍ مِنْ شَوارع عديدةٍ ضيقةٍ، ماتزال تتردّدُ فيها أصداء صفارات حادة و(سارينات مناطق العمل.وسرعان ما تلاشتِ التجعدات من وجه ( لابرا) الشَّاب الَّذِي تَعْضُنَ بتجعداتٍ عميقةٍ مثلِ عُروقِ المَعْدِنِ الْخَامِ، وَمَلَاتُ عَيْنَيْهِ دُفقةً ورقَةٌ بعد أنْ تَقَبَّلَ بحفاوة استقبالَ أَسْرَتِهِ المَحِبَةِ، فَقَدْ كَانَ جُوانُ الصِّغِيرُ يقفُ على بابِ البيت كما اعْتَادَ أَنْ يَفْعَلَ كُلَّ يَومٍ مِنْ فَتْرَةِ المُسَاءِ. عُمْرُهُ تسعُ سَنَوَاتٍ بِعَينينِ حَيَتَيْنِ فُضُولَيتَينِ، قويا تماما بالنسبةِ لِعُمْرِهِ، فقد كانَ يعرِفُ كل بوصة منه، كما كان طفلًا كثير الكلام، ولم تكُن ثرثرتُهُ تُقاطع إلا بالابتسام. وبوجهه الضاغط على بوابة الحديقة الحديدية أمريكيا شماليًا طويلًا جَدًّا يمشي وراء أبيه همس لأبيه خائفًا: "أبي، هناك (جرينجو) يتبعكَ،كانَ الشَّارِعُ مهجورًا، كلب الراعي الضخم، الذي يتبعُ سَيِّدَهُ السيد ديفيز . كانَ بلاك واحِدًا من أشياءَ قليلةٍ قُدْرَ لها أن تلج إلى مشاعرِ (ديفيز)، من فضلك، يا سيد (ديفيز)، ماذا يمكنني أن أفعل من أجلك؟ قالَ عامل المنجم (جوان لابرا ) باحترام نازعا خوذته المعدنية،سوف أكون مختصرًا، يا سيد (لابرا)، إنني أحتاج معروفًا كبيرًا منك؛ لأنني يجب أن أغادر حالًا إلى (أنتوفاجاستا)، وأن أتـــرك فـي كـــرم ضيافتك لعدة أيام صديقي العزيز (بلاك)."هذا حسن، يا سيد (ديفيز)، سيكون الكلب سعيدًا هنا، وسأتأكد دائما من أنه لا يعاني، (جوان) الصغير - هكذا وعد (لابرا) السيد، سأتركه بين يديك،آه، لقد نسيتُ سأترك هنا مخصصاته من لحوم معلبة، إنها طعامُهُ المُفَضَلُ. وانحنى (ديفيز) ليُربت على رأس الكلب بخطمه البارز، ثم غادر الدار ، لكن ذراغي (جوان) الصغير قيدتاه كسلسلتين. وهو يتنشق الهواء، وكان لسانه الأحمرُ المبتل متدليا من فمه، شاعرًا بالوحدة،حوله، واحتمالهُ الرّزين لما يحدثُ، كلها دلائل على أصل كريم؛ فاز في عددٍ من عروض الكلاب بفضل هذا الأصل.بدأ الولد يتحدث مع الكلب كأخ أصغر، ولفترة طويلة راقب كلُّ منهما الآخر، دون أن تطرف أعينهما. كانتْ حَمْلَقَةُ الكلب رزينةً، بينما انعكس وجه الولد على عينيه مثل نقاط مضيئة بالغةِ الصَّغَرِ. رَبَّتَ الوَلَدُ بِخِفَّة على ظهر الكلب الذي كان يتنشق الهواء، ومجيبًا أخيرًا بحركة ممانعة من ذيله.استمر (جوان) الصغير في حواره الذاتي مع (بلاك). بدأ كلُّ منهما يَغْرَمُ بالآخر، ثم تفتح يوم جديد حينَ جاءَ الفجر عبر الظلامِ وساعات ضباب الليل، وبزَغَ كالمعتاد من بين رابيتين ضخمتين تكونان بركاني (سان بيدرو) و (سان بابلو)، فبدا كلُّ شيءٍ مبتلا باللون الأزرق.صحا (بلاك) على صوتِ أول صافرة في فناء منزلِ العُمَالِ، وبدا كما لو أن شيئا عظيما قد استيقظ في قلبه أيضًا، في عالمه المدهش، هو أن خرج ليرى صديقه الجديد، وخلال الأيام التالية،مكان؛ كانَ هوَ الطَّريقَ إلى كالاما، مخترقين دون تعب الاتساع الهائل للهواء الضئيل. غاصا في حفرة بقايا رمادية اللون لمنجم رصاص، كتلة مهيبة من أرض معدنية. كما حاولا أن يجمعا الانعكاسات المتألقة للأخضر المزرق والأصفر التي تصنع ألوانا براقة في ضوء الشمس. وهكذا، سرعان ما أصبحت أقوى وأقوى، ياصغيري (جوان)، إن الكلب لن يكونَ لنا أبدًا، يساوي وزنه ذهبًا، إنه كلب رجل غني، كما أنهم يقدمونهم في عروض الكلاب"- أجاب العامل بابتسامة مريرة. "حين أكبر سأشتريه"، أجابَ (جوان) الصغير بإصرار ، ثم ارتفع صوته موضحًا لأبيه ما يريد: "أنا لا أريدهم أن يأخذوه! إِنَّهُ صديقي".ذات يوم، خلال عودتهما من نزهتهما، سائرين على ضفاف نهر (لوا)، بدأت تهب رياح جبلية كريهة، لقد كانَتْ لحظة حزينة.إلى اللقاء يا صديقي العزيز، وحظًّا سعيدا، تمتم الولد باكيا، عاصرًا يديه بعصبية.شكره السيد (ديفيز) بإخلاص، لكن الطفل - كرجل مهذب صغير - رفض أن يقبل أية مكافأة. بدا (بلاك) كارها المشي وراء مالكه الرسمي، وراح متلهفا يتفحص أركان الطريق، في الطريق إلى المعسكر الأمريكي. كانت قد انتهت الآن مواجهة (جوان) الأولى معَ اليَأْسِ، بعد أن تفكر مليا في حقيقة أنه لا يمكن له أبدًا أن يمتلك كلبًا ممتازًا، وفي ذات الوقت استمر (بلاك) في مسيره و كان هناك انسجام في المشاعر قد ترسخ بينهما. لكن سرعان ما جاءتْ وَحدةُ الليل، حين تفكرُ الأرواحُ في نفسها حتى آخر شظية في الحياة ذاتها، فإذا هي تكتشف عبث كل شيء، عندئذٍ انهارَتْ دفاعاتُ (جوان) الصغير وبدأ يبكي، ولعلَّ شيئًا ما أثارَ دَفْقَ الاتصال بين الولد والحيوان عبر الفضاء، لأنه في اللحظة نفسها بدأ الكلب يعوي في المعسكر الأمريكي، حين توهجت ذكريات (بلاك) عبر ذهن الولد، وكما لو كانت مدفوعة بقوة سرية، فنبح الكلب بعنفٍ ضَارِ، سائلًا الريح أن تنقل رسالته إلى الولد. بدا الأمر حفلا موسيقيا حزينا، كما يكى (جوان) الصغير طوال الليل، متوسلا بالنواح الذي سرعان ما أصبح حفلًا موسيقيا غريبا، سادَ شوارع مدينة المناجم الساكنة.كان السيد (ديفيز ) مذهولا من تصرف (بلاك). ماذا يمكن لرجل أن يفعل حين يواجه كلبا يبكي؟ تملكت عقل (الجرينجو) حقيقة جديدة مفادها أن (بلاك) لم يعد يخضُه بعد الآن؛ لقد فقد حبَّهُ. لأنه ماذا يمكن لرجل أن يفعل حين يواجه ولذا يبكي؟ أراد (الابرا) أن يرى ثانية ابتسامة ابنه الشريعة الواثقة، وأحس بضرورة أن يسترة تلك الابتسامة. يجب أن يحدث شيء غير عادي في مدينة المناجم في هذا الليل الصعبوكما لو أن الزمن قد جعل من كل الرجال إخوة رمى ( لابرا) عباءته على كتفيه، ومضى إلى المجاورة السكنية العليا؛ ليرى إذا كان ممكنا أن تتحقق معجزة. يجب أن يكون شجاعًا وجسوراء لقد كان دائما عاملا خجولا صامنا، ثم مضى صاعدًا باتجاه المعسكر الأمريكي.فجأة، توهجت على ضوء الفانوس عينان بنيتان فسفوريتان، كان السيد (ديفيز) قد خرج أيضًا كي يراه، وكان ماضيا باتجاه منطقة سكن العمال!لقد مس شيء ما قلبي الرجلين، فلم تعد للكلمات ضرورة"إنه لم يعد يخصني بعد الآن"، مقدما طوق بلاك المعدني التقبل إلى يدي العامل. وأطفأت ابتسامة سعيدة انقباضه لم تكن هناك (تشكرات) مفصلة،