المطلب الأول: التحديات الرئيسية في التعمير وإعداد التراب الوطني بالمغرب يشكل التعمير وإعداد التراب الوطني بالمغرب أحد أهم مجالات التدخل العمومي، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بتنظيم المجال، وتحقيق التوازن بين مختلف الجهات، بل يتجاوز ذلك ليشكل أداة استراتيجية لتأطير التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، واعتماد وثائق مرجعية استراتيجية مثل التصميم الوطني لإعداد التراب الوطني والتصاميم الجهوية لإعداد التراب(1). لم تنجح بشكل كامل في تجاوز الاختلالات البنيوية التي يعرفها المجال المغربي، حيث ما تزال عدة مناطق تعاني من تفاوتات مجالية صارخة، ونقص في البنيات التحتية والتجهيزات الأساسية، تواجه بدورها صعوبات متعددة تحول دون اضطلاعها الكامل باختصاصاتها العمرانية، يثور التساؤل حول أهم التحديات التي تواجه سياسة التعمير وإعداد التراب الوطني بالمغرب، ومدى تأثيرها على تحقيق تنمية مجالية متوازنة ومستدامة. سيتم تناول هذا المطلب من خلال فقرتين أساسيتين: نتناول في الفقرة الأولى أزمة المجال المغربي وتجلياتها، على أن نخصص الفقرة الثانية لإكراهات وعراقيل دور الجماعات الترابية في مجال التعمير. الفقرة الأولى: أزمة المجال المغربي وتجلياتها وبين المناطق القروية و الجبلية و الواحات التي تعاني من ضعف التجهيزات الأساسية و هشاشة البنيات الاقتصادية و الاجتماعية. حيث تسجل تفاوتات صارخة بين جهات تتمتع بنسبة كبيرة من الاستثمارات والخدمات (كالدار البيضاء والرباط)، نفس الشيء بالنسبة لمناصب الشغل والحركة المالية التي لا زالت تستقطبها المدن الساحلية الكبرى رغم كل التشجيعات التي تقدمها الدولة من خلال مواثيق الاستثمار التي تهدف إلى تشجيع وحث المستثمرين على التوجه نحو المناطق الفقيرة(5). المغرب كباقي دول العالم معرض لسلبيات الظواهر البيئية. فإضافة إلى التدهور البيئي الطبيعي الناتج عن التصحر وتراجع مساحات الغطاء الغابوي ومشاكل التعرية، فقد أدى التمدن السريع الذي عرفه المغرب في السنوات الأخيرة والهجرة القروية المتزايدة إلى جعل الأوساط الحضرية مجالا متميزا للضغط على استغلال الأرض ولتدهور البيئة الحضرية ووسط عيش السكان كما ساهم القطاع الصناعي في تدهور حالة البيئة على مستوى بعض المناطق الحساسة بفعل الاستعمال غير المعقلن للمياه والإفرازات الصناعية (السائلة والصلبة والغازية). ويشكل الاستغلال المتباين للثروة البحرية وتدهور بيئة الساحل بسبب عوامل التلوث ظواهر من شأنها إعاقة المشروع التنموي للمغرب(6). وتبقى المناطق الجبلية هي الأقل اهتماما والأكثر تهميشا خصوصا على مستوى البنيات والتجهيزات أو على مستوى الإفراط في استغلال مواردها النباتية والغابوية مما يؤدي إلى زيادة وتيرة الهجرة. ومن ثم بالإمكان أن يلعب دورا رئيسيا في التنمية الاقتصادية والاجتماعية(7). البيئة المغربية تعاني من تدهور متسارع نتيجة الزحف العمراني العشوائي على الأراضي الفلاحية، هذه العوامل تضعف التوازن البيئي وتحد من قدرة المجالات على احتضان التنمية المستدامة. ثانياً: اختلال البنية التحتية والحاجيات الاجتماعية من خصاص ملحوظ في البنيات التحتية الأساسية والتجهيزات الجماعية، أدى إلى ارتفاع الطلب على السكن والخدمات العمومية، مما ساهم في ظهور أحياء ناقصة التجهيز، وتنعكس هذه الاختلالات بشكل مباشر على التماسك الاجتماعي، إذ يؤدي ضعف الولوج إلى الخدمات الأساسية إلى تعميق الفوارق الاجتماعية والمجالية، ويحد من فعالية السياسات العمومية الرامية إلى تحقيق التنمية البشرية والاندماج الاجتماعي. فإن معالجة هذه الإشكالات تقتضي اعتماد تخطيط ترابي استباقي يربط بين التوسع العمراني وتوفير البنيات التحتية والخدمات الأساسية بشكل متوازن ومنصف(10). الفقرة الثانية: إكراهات وعراقيل دور الجماعات الترابية في مجال التعمير أولاً: تداخل الاختصاصات في مجال رخص التعمير وتعدد المتدخلين تعتبر الجماعات الترابية فاعلاً أساسياً في مجال التعمير، 14 المتعلق بالجماعات والقوانين الخاصة بالتعمير(11). غير أن ممارسة هذه الاختصاصات تصطدم بتعدد الجهات المتدخلة في مساطر الترخيص، ويترتب عن هذا التعدد بطء في معالجة الملفات، بما يؤثر سلباً على مناخ الاستثمار ويحد من نجاعة القرار الجماعي(12). ثانياً: تعثر الأوساط الحضرية وشبه الحضرية تعد المناطق الحضرية وشبه الحضرية من أكثر الأوساط عرضة للاختلالات الناتجة عن ضعف التدبير التعميري، من قبيل وثائق التعمير التي غالباً ما تكون متجاوزة زمنياً أو غير مفعلة، إن تعثر تدبير هذه الأوساط يعكس كذلك ضعف آليات التتبع والمراقبة، وغياب قاعدة بيانات موحدة ومحينة تتيح رصد التغيرات المجالية وتوقع الحاجيات المستقبلية. ويؤدي غياب التخطيط المنسجم إلى نشوء أحياء ناقصة التجهيز، والصحة)، أمام هذا الواقع، تبرز الحاجة إلى إعادة التفكير في دور الجماعات الترابية في التعمير، وتزويدها بالوسائل الكافية سواء على المستوى القانوني أو التنظيمي أو المالي،