وما أضافته الأنثروبولوجيا في مجال الثقافة يختلف ويتمايز عن إضافات العلوم الأخرى على تعدد وتنوع أقسامها ومجالاتها، فقد عكست معرفة وخبرة، وحصيلة من التراكمات والتجريبات التي عرف بها هذا الحقل، ولعل من الصعوبة حصر مثل هذه الإضافات وضبطها وتحديدها كاملة وعلى وجه الدقة، وليس هناك مبحث في الدراسات الأنثروبولوجية يُعنى بهذا الشأن في ضبط وتحديد مثل تلك الإضافات، لهذا فإن ما سوف أطرحه لا يُشكل حصراً بالتأكيد، وإنما هو محاولة للتعرف على بعض هذه الإضافات قدر الإمكان. والغاية من ذلك هو التعرف على طبيعة هذه الإضافات ونوعيتها وسماتها وحتى قيمتها وتأثيرها في مجالي الثقافة والأنثروبولوجيا. أولاً: تحرير الثقافة من البيولوجيا هذه المهمة جاءت محاولةً لإثبات أن الثقافة هي من خواص الإنسان دون غيره من الكائنات الأخرى، وعلى هذا الأساس فإن الثقافة ترتبط بعالم الإنسان، وأكثر من عُرف بالدفاع عن هذه الفكرة مالينوفيسكي الذي ظل يكرر الحديث عنها في أبحاثه وكتاباته؛ لتأكيدها وإلفات النظر إليها. وتحرير الثقافة من البيولوجيا قد تحدد في ناحيتين: ناحية الاكتساب، والمقصود بالاكتساب: أن الثقافة لا تورث عبر العناصر والجينات الطبيعية والبيولوجية، أو عبر المؤثرات الفطرية والغريزية، وإنما هي تكتسب بوسائل وطرائق التنشئة والتربية والتعليم، ومن خلال عمليات التفاعل الاجتماعي المستمر. وبالتالي فإن العلاقة بالثقافة لها خاصية الإرادة والاختيار، بعيداً عن قوانين البيولوجيا التي لها خاصية الجبرية والإكراه. والمقصود بالانتقال: أن الثقافة لا تنتقل من إنسان إلى آخر، ومن جماعة إلى أخرى، ومن جيل إلى جيل آخر، كما تنتقل إلينا الجينات والمورثات البيولوجية، وإنما عبر وسائط وطرائق لها طبيعة اجتماعية وثقافية، وبحاجة إلى اكتشاف واختراع. وقد أثبت الإنسان منذ تاريخه الموغل في القدم، أنه قادر على اكتشاف هذه الوسائط والطرق، ليس هذا فحسب بل كان مبدعاً بدرجة عالية من التفوق في اكتشاف واختراع مثل هذه الوسائط والطرق التي برهنت على مقولة الإنسان الذكي، أي أن الإنسان لم يكن ينقصه الذكاء منذ وجوده على الأرض، بخلاف ما يصوره البعض من أن الإنسان كان همجياً وبربرياً في سابق عهده القديم. وعن هاتين الناحيتين (الاكتساب والانتقال) في الثقافة يقول العالم هوبل: “إن السلوك المكتسب بصفة عامة يعتبر هاماً وضرورياً في تعريف الثقافة، وعلينا عند تحليل الثقافة أن نحذف كل ما هو بيولوجي أو موروث من مفهوم الثقافة؛ لأنها أي الثقافة حسب رأيه هي مجموع التجديدات الاجتماعية، والتي يمكن اعتبارها في النهاية بمثابة الإرث الاجتماعي الذي ينتقل عبر الأجيال المتلاحقة عن طريق التنشئة والاكتساب الثقافي المستمر”(23). وفي نطاق العلاقة بين الثقافة والبيولوجيا، واحدة لها علاقة بالإنسان، والثانية لها علاقة بالمجتمع. النظرية الأولى: منطق هذه النظرية يفيد أن الإنسان يولد بيولوجياً، وبعدها تبدأ مرحلة الثقافة التي تنقل الإنسان من المرحلة البيولوجية إلى مرحلة التخلق بالصفات المعنوية والروحية، حيث تقوم الثقافة بدور تهذيب الغرائز البيولوجية، وبهذا المعنى تكون الثقافة هي التي تكسب الإنسان جوهراً وكينونة ومعنى. ويذكر الدكتور أبو زيد أن عدداً كبيراً من الأنثروبولوجيين الثقافيين المحدثين يرون أن أية نظرية متماسكة متكاملة عن الثقافة يجب أن تحاول الكشف عن علاقة الثقافة بطبيعة الإنسان البيولوجية والنفسية، وأنه لا يكفي بالتالي دراسة الثقافة على أنها شيء مستقل ومتمايز، بمعنى أنه لا يمكن فهمها عن طريق دراستها في علاقتها بغيرها من الظواهر الثقافية مع إغفال مسألة التعرف على أصلها إغفالاً تاماً(24). النظرية الثانية: منطق هذه النظرية يفيد أن الاختلاف في مستويات التقدم والتحضر في المجتمعات الإنسانية لا يرجع إلى أسباب ذاتية وطبيعية تميز هذه المجتمعات من غيرها، فمقومات الإبداع والعبقرية كما يقول تيرجو موجودة ومنتشرة بين جميع العناصر البشرية، وأن تنمية المواهب الإنسانية تعتمد على الفرص المتاحة للتعليم، والظروف المحيطة بكل مجتمع، لذلك والكلام لتيرجو فإن التفاوت بين المجتمعات لا يرجع لأسباب وراثية، وإنما للاختلاف في التجارب والظروف المهيأة للتعليم(25). وإذا كانت فكرة تحرير الثقافة من البيولوجيا تبدو لنا اليوم فكرة سهلة وبسيطة فإنها في مقاييس ذلك الوقت تعد فكرة ناضجة ومهمة. ثانياً: إحلال فكرة الثقافة مكان فكرة السلالة في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي ومطلع القرن العشرين كانت السلالات البشرية -كما يقول كاريزرس- هي الموجودات الحقيقية في رأي علماء الأنثروبولوجيا خصوم فرانز باوس، وذهب هؤلاء إلى أن السلالات هي جذور الفوارق الخاصة بالقدرة العقلية والأخلاقية بين الجماعات. غير أن باوس وتلامذته رفضوا بشدّة فكرة السلالات، يدافع هذا البيان عن فكرة الثقافة في مقابل فكرة السلالة المرذولة حسب وصف كاريزرس. ومن المحاولات التي تُذكر في هذا الشأن ما أثبته ودافع عنه عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي الشهير كلود ليفي شترواس الذي طالب بالمحافظة على تنوع الثقافات في عالم يصفه بأنه مهدد بالرتابة والتماثل، والاعتراف لجميع الأعراق بالمساهمة في التاريخ الإنساني،