فصل 1: القول على فروق في الخبر ۱۷۹ - أول ما ينبغي أن يُعْلَم منه أنه ينقسم إلى خبر هو جزء من الجملة لا تتم الفائدة دونه ، ولكنه زيادة في خبر آخر سابق له. فالأول خبر المبتدأ، كمنطلق في قولك: "زيد منطلق"، والفعل كقولك: خرج زيد، وهو الأصل في الفائدة والثاني هو الحال: كقولك: جاءني زيد راكباً، وذاك لأن الحال خبر في الحقيقة، كما تثبت بخبر المبتدأ للمبتدأ، ألا تراك قد أثبت الركوب" في قولك: "جاءني زيد راكباً لزيد؟ إلا أنَّ الفَرْقَ أنك جنت به لتزيد معنى في إخبارك عنه بالمجيء، به، ثم وصلت به الركوب فالتبس به الإثبات على سبيل التبع للمجيء، وبشرط أن يكون في صلته. ومن غير أن تتسبب بغيره إليه، الفروق في الخبر: الاسم والفعل في الإثبات فالذي يليه من فروق الخبر، وهو الفرق بين الإثبات إذا كان بالاسم، كان بالفعل. وهو فرق لطيف تمس الحاجة في علم البلاغة إليه. الفرق بين الخبر إذا كان بالاسم، وإذا كان بالفعل، وأمثلتها: أنَّ موضوع الاسم على أن يُثبت به المعنى للشيء من غير أن يقتضي تجدده شيئاً بعد شيء. ۱۸۲ - وأما الفعل فموضوعه على أنه يقتضي تجدد المعنى المثبت به شيئاً بعد شيء ". فإذا قلت: "زيد منطلق، فقد أثبت الانطلاق فعلاً له، من غير أن تجعله يتجدد ويحدث منه شيئاً فشيئاً، بل يكون المعنى فيه كالمعنى في قولك: "زيد طويل"، و "عمرو قصير : فكما لا تقصد ههنا إلى أن تجعل الطول أو القصر يتجدد ويحدث، بل توجِبُهما وتُثبتهما فقط، وتقضي بوجودهما على الإطلاق، ۱۸۳ - وأما الفعل، فإنه يُقْصَدُ فيه إلى ذلك، فقد زَعَمْتَ أنَّ الانطلاق يقع منه جزءاً فجزءاً، ١٨٤ - وإن شئت أن تُحِس الفرق بينهما من حيثُ يَلْطُفُ، فتأمل هذا البيت: لا يألفُ الدَّرْهَمُ المَضْرُوبُ خِرقتنا، .. لكن يَمُرُّ عليها وهو منطلق؟ ولو قلته بالفعل: "لكن يمر عليها وهو ينطلق"، لم يحسن. والخبر إذا كان فعلا : ١٨٥ - وإذا أردت أن تعتبره حيث لا يخفى أنَّ أحدهما لا يصلح في موضع صاحبها، وأن قولنا: "كلبهم يبسط ذراعيه، لا يؤدي الغرض، وليس ذلك إلا لأنَّ الفعل يقتضي مزاولة وتجدد الصفة في الوقت، ويقتضي الاسم ثبوت الصفة وحصولها من غير أن يكون هناك مزاولة وتزجية فعل، ومعنى يحدث شيئاً فشيئاً. وبين أن يقول: "وكلبهم واحد مثلاً، ولم يعترضك الشك في أن أحدهما لا يَصْلحفي موضع صاحبه. فإذا قلت: "زيد طويل"، وإنما تقول: "يطول" و "يقصر"، إذا كان الحديث عن شيء يزيد وينمو كالشجر والنبات والصبي ونحو ذلك، فأما وأنتَ تُحدَّث عن هيئة ثابتة، وعن شيءٍ قد استقر طوله، ولم يكن ثم تزايد وتجدد، مسار الصفحة الحالية: فهرس الكتاب - الفروق في الخبر "تقسيمه - الفروق في الخبر الاسم والفعل في الإثبات أمثلة الفرق بين الخبر إذا كان فعلا، ١٨٦ - وإذا ثبت الفرق بين الشيء والشيء في مواضع كثيرة، وظهر الأمر، بأن ترى أحدهما لا يصلح في موضع صاحبه، وجَبَ أن تقضي بثبوت الفرق حيث ترى أحدهما قد صلح في مكان الآخر، كما هو العبرة في حمل الخفي على الجلي. وينعكس لك هذا الحكم أعني أنك كما وجدت الاسم يقع حيث لا يصلح الفعل مكانه، كذلك نجد الفِعْلَ يَقَعُ ثم لا يصلح الاسم مكانه، كان يؤديه. ۱۸۷ - فمن البين في ذلك قول الأعشى: العمري لقد لاحت عيون كثيرة . تُشَبُّ لِمَقْرورين يصطليانها . معلوم أن لو قيل: "إلى ضوء نارٍ مُتَحَرِّقة ، لنبا عنه الطبع وأنكرته النفس، الإنكار من أجل القافية وأنها تُفسد به، بل من جهة أنه لا يُشْبِهُ العَرَضَ ولا يليق بالحال. ۱۸۸ - وكذلك قوله : أو كلما وَرَدَتْ عُكاظ قبيلة . بَعثُوا إِلَى عَرِيفَهُم يَتَوَسَّمَ وذاك لأن المعنى في بيت الأعشى على أنَّ هناك موقداً يتجدد منه الإلهاب والإشعال حالاً فحالاً، وإذا قيل: متحرقة"، العمري لقد لاحت عيون كثيرة . معلوم أن لو قيل: "إلى ضوء نارٍ مُتَحَرِّقة ، ثم لا يكون ذاك النبو وذاك الإنكار من أجل القافية وأنها تُفسد به بل من جهة أنه لا يُشبه الغرض ولا يليق بالحال. أو كلما وَرَدَتْ عُكاظ قبيلة . بَعثُوا إِلَى عَرِيفَهُم يَتَوَسَّمَ وذاك لأن المعنى في بيت الأعشى على أنَّ هناك موقداً يتجدد منه الإلهاب والإشعال حالاً فحالاً، متحرقة"، كان المعنى أن هناك نارًا قد م في ديوان الأعشى. و "المحلق بتشديد اللام وكسرها وبفتحها أيضًا، لأن فرسا عضه في خده عضة كالحلقة. مسار الصفحة الحالية: ثبتت لها وفيها هذه الصفة، بعثوا إلي عريفهم بتوسم وذلك لأن المعنى على توسم وتأمل ونظر يتجدد من العريف هناك حالاً فحالاً، وتصفح منه للوجوه واحداً بعد واحد. لم يفد ذلك حق الإفادة. ۱۸۹ - ومن ذلك قوله تعالى: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [فاطر: ٢]، لو قيل: "هل من خالق غير الله رازق لكم"، لكان المعنى غير ما أريد. كما تقول، إنه في موضع "زيد قائم"، فإنَّ ذلك لا يقتضي أن يستوي المعنى فيهما استواء لا يكون من بَعْدِهِ افتراق، لم يكن أحدهما فعلاً والآخر اسماً، بل كان ينبغي أن يكون جميعا فعلين، الفروق في الخبر: التعريف والتنكير في الإثبات من فروق الخبر في الإثبات، وأمثلته: ١٩١ - ومن فروق الإثبات أنك تقول: "زيد" منطلق" و "زيد" المنطلق" و "المنطلق زيد"، فيكون لك في كل واحد من هذه الأحوال غَرضُ خاص وفائدة لا تكون في الباقي. فأنتَ تُفيده ذلك ابتداء. إلا من زيد وإما من عمرو، فأنتَ تُعلمه أنه كان من زيد دون غيره. النكتة أنك تُثبت في الأول الذي هو قولك: "زيد منطلق" فعلاً لم يعلم السامع من أصله أنه كان، وتثبت في الثاني الذي هو "زيد المنطلق" فعلاً قد عَلِمَ السامع أنه كان، ولكنه لم يَعْلَمهُ لِزَيْدٍ، فَأَفَدْتَهُ ذلك. وهو إثبات المعنى للشيء. وليس يقدح في ذلك أنك كنت قد علمت أنَّ انطلاقاً كان من أحد الرجلين، كحالك إذا لم تعلم أنه كان من أصله. ١٩٣ - وتمام التحقيق أنَّ هذا كلام يكون معك إذا كنت قد بلغت أنه كان من إنسان انطلاق مِنْ مَوْضِع كذا في وَقْتِ كذا لغرض كذا، فجوَّزْتَ أنْ يكون ذلك كان من زيد. معلوماً على جهة الوجوب. ثم إنهم إذا أرادوا تأكيد هذا الوجوب أدخلوا الضمير المسمى فضلاً" بين الجزءين فقالوا: "زيد" هو المنطلق". إذا كان الخبر نكرة، وتفصيل ذلك: ١٩٤ - ومن الفرق بين المسئلتين، أنك إذا نكَرْتَ الخبر جاز أن تأتي بمبتدأ ثان، على أن تشركه بحرف العطف في المعنى الذي أخبرت به عن الأول، وإذا عرفت لم يجز ذلك. تريد وعمرو منطلق أيضاً، ذلك لأن المعنى مع التعريف على أنك أردت أن تُثبت انطلاقاً مخصوصاً قد كان من واحد، في المطبوعة وحدها، من كان يثبته"، لفروق في الخبر القصر في التعريف الخبر معرفا بالألف واللام، نحو "زيد" هو الشجاع"، وتفصيل فروق الوجه الأول: ١٩٥ - وعلم أنك تجد الألف واللام" في الخبر على معنى الجنس، ثم ترى له في ذلك وجوهاً: أحدهما: أن تَقْصُرَ جنس المعنى على المُخْبَر عنه القَصْدِك المبالغة، وذلك قولك: "زيد هو الجواد" و"عمرو هو الشجاع"، تريد أنه الكامل إلا أنكَ تُخْرج الكلام في صورة توهم أنَّ الجود أو الشجاعة لم تُوجد إلا فيه، لقصوره عن أن يبلغ الكمال. فهذا. ثم إن كان قد كان ذلك الانطلاق من اثنين، فإنه ينبغي أن تجمع بينهما في الخبر فتقول: "زيد وعمرو هما المنطلقان"، ثم تجيء فتثبته لعمرو. ومن الواضح في تمثيل هذا النحو قولنا: "هو القائل بيت كذا"، ولَيْسَ لِسَيْفي في العِظَامِ بقية فأنت لو حاولت أن تشرك في هذا الخبر غيره، فتقول: "جرير هو القائل هذا البيت وفلان"، حاولت محالا ، لأنه قول بعينه، كالأول في امتناع العطف عليه للإشراك، فلو قلت: "زيد" هو الجواد وعمرو"، معنى الوجه الثاني: التشكيل ١٩٦ - والوجه الثاني: أن تَقْصُرَ جِنس المعنى الذي تُفيده بالخبر على المُخبر عنه، لا على معنى المبالغة وترك الاعتداد بوجوده في غير المخبر عنه، ولا يكون ذلك إلا إذا قيدت المعنى بشيء يخصصه ويجعله في حكم نوع برأسه، وذلك كنحو أن يُقيَّد بالحال والوقت كقولك: "هو الوفي حين لا تظن نفس بنفس خيراً. وهكذا إذا كان الخبر بمعنى يتعدى، ثم اشترطت له مفعولاً مخصوصا، هو الواهب المِئَةَ المُصطفاة ، .. إما مخاضاً وإمَّا عِشَاراً نوعاً خاصاً مِنَ الوفاء، وكذلك تجعل هبة المئة من الإبل نوعاً خاصاً، وكذا الباقي. ثم إنك تجعل كل هذا خبراً على معنى الاختصاص، وأنَّه للمذكور دونَ مَن عداه. ألا ترى أن المعنى في بيت الأعشى: أنه لا يَهَبُ هذه الهبة إلا الممدوح؟ وربما ظن الظان أنَّ "اللام" في "هُوَ الواهب المئة المصطفاة بمنزلتها في نحو "زيد" هو المنطلق"، كما كان القصد إلى انطلاق مخصوص وليس الأمر كذلك، لأنَّ القصد ههنا إلى جنس من الهبة مخصوص، لا إلى هبة مخصوصة بعينها. يَدُلُّكَ على ذلك أن المعنى على أنه يتكرر منه، وعلى أن يجعله يهب المئة مرة بعد أخرى، وأما المعنى في قولك: "زيد هو المنطلق، فعلى القصد إلى انطلاق كان مرة وادة، كيف؟ وأنت تقول: "جرير" هو القائل وليس لسيفي في العِظام بقية ١، تُريد أن تُثبت له قيل هذا البيت وتأليفه. فأفصل بين أن تقصد إلى نوع فعل، الوجه الثالث: ولكن على وجه ثالث، إذا قَبحَ البكاء على قتيل . رَأَيْتُ بكاءَكَ الحسن الجميلام لم ترد أن ما عدا البكاء عليه فليس بحسن ولا جميل، ولم تُقيَّد الحسن بشيء فيتصور أن يُقْصَر على البقاء، كما قصر الأعشى هبة المئة على الممدوح، ولا يشك فيه شاك. ۱۹۸ - ومثله قول حسان: وإِنَّ سَنام المَجْدِ مِنْ آلِ هاشم . بَنُو بنت مخزوم ووالدك العبد الفروق في الخبر نكت أخرى للتعريف] وأمثلته، وهو "الموهوم": يكون المتأمل عنده كما يقال: "يُعرف وينكر"، وأنت لا تقصد شيئاً مما تقدم، فلست تشير إلى معنى قد علم المخاطب أنه كان، ولم يَعْلَمْ أنه ممن كان كما مضى في قولك: "زيد هو المنطلق ولا تريد أن تقصر معنى عليه على معنى أنه لم يحصل لغيره على الكمال، كما كان في قولك: "زيد هو الشجاع ولا أن تقول: ظاهر أنه بهذه الصفة، كما كان في قوله: " ووالدك العبد" ولكنك تريد أن تقول لصاحبك: هل سمعت بالبطل المحامي؟ وهل خصلت معنى هذه الصفة؟ وكيف ينبغي أن يكون الرجل حتى يستحق أن يُقال ذلك له وفيه؟ فإن كنت قتلته علماً، فعليك صاحبك واشدد به يدك، فهو ضالتك وعنده بغيتك، وطريقه طريق قولك : هل سمعت بالأسد؟ وهل تعرف ما هو؟ فإن كنت تعرفه، فزيد هو هو بعينه". ٢٠٠ - ويزداد هذا المعنى ظهوراً بأن تكون الصفة التي تريد الإخبار بها عن المبتدأ مجراة على موصوف، كقوله ابن الرومي هو الرجل المَشْرُوك في جُلَّ مالِهِ . تقديره، كأنه يقول للسامع: فكر في رجل لا يتميز عفاته وجيرانه ومعارفه عنه في ماله وأخذ ما شاؤوا منه، فإذا حصلت صورته في نفسك، ٢٠١ - وهذا من عجيب الشأن، وله مكان من الفخامة والنبل، وهو من سحر البيان الذي تَقْصُرُ العبارة عن تأدية حقه. والمُعَوَّل فيه على مراجعة النفس واستقصاء التأمل، فإذا علمت أنه لا يريد بقوله: "الرجل المشروك في جل ماله" أن يقول: "هو الذي بلغت حديثه، والذي وهب المئة المصطفاة من الإبل ولا أن يقول إنه على معنى: "هو الكامل في هذه الصفة، حتى كأن ههنا أقواماً يُشركون في جل أموالهم، إلا أنه في ذلك أكمل وأتم، لأنَّ ذلك لا يُتَصوَّر. وذاك أن كون الرجل بحيث يُشرك في جل ماله، كما أن بَدِّلَ الرجل كل ما يملك كذلك ولو قيل: "الذي يُشْرَكُ في ماله، وإذا كان كذلك، علمت أنه معنى ثالث. ثم تأمل فلاناً، وتجده يؤديها لك نصاً، ٢٠٢ - وإن أردت أن تسمع في هذا المعنى ما تسكن النفس إليه سكون الصادي إلى برد الماء، فاسمع قوله: أن الرجل المدعو عاق فقره . وإن أردت أعجب من ذلك فقوله: أهدى إلي أبو الحسين يدا . أرجو الثواب بها لديه غدا وكذلك عادات الكريم إذا . أَوْلَى يَداً حُسِبَتْ عَلَيْهِ يدا إن كان يحسد نفسه أحد، .. فلأزعمك ذلك الأحدم فهذا كله على معنى الوهم والتقدير، ثم يجربه مجرى ما عهد وعلم. "الذي" ومجيئها في الخبر الموهوم ٢٠٣ - وليس شيء أغلب على هذا الضرب الموهوم من الذي"، ومثال ذلك قوله: أخوك الذي إن تدعه لملمة . يحبك وإن تغضب إلى السيف يغضب أخوك الذي إن ريته قال إنما . أريت وإن غائبته لان جانبه فهذا ونحوه على أنك قدَّرْتَ إنساناً هذه صفته وهذا شأنه، وأحلت السامع على من يَعِنُ في الوهم، دون أن يكون قد عرف جرلا بهذه الصفة فأعلمته أن المستحق لاسم الأخوة هو ذلك الذي عرفه، حتى كأنك قلت: أخوك زيد الذي عرفت أنك إن تدعه لملمة يحبك". ٢٠٤ - ولكون هذا الجنس معهوداً من طريق الوهم والتخيل، جرى على ما يُوصف بالاستحالة، كقولك للرجل وقد تمنَّى: "هذا هو الذي لا يكون"، وكقوله: مالا يكون فلا يكون بحيلة . أبداً وَمَا هُوَ كَائِن سَيُكُونُ ٣ ولذلك قال المأمون: "خذ منّي الخلافة وأعطني هذا الصاحب". فهذا التعريف الذي تراه في الصاحب لا يَعْرِضُ فيه شك أنه موهوم. الفرق بين المنطلق "زيد" و"زيد المنطلق والمبتدأ والخبر معرفتان ٢٠٥ - وأما قولنا: "المنطلق زيد"، والفرق بينه وبين أن تقول: "زيد" المنطلق ، فليس الأمر كذلك، بل بين الكلامين فصل ظاهر. وبيانه: أنك إذا قلت: "زيد المنطلق"، فأنت في حديث انطلاق قد كان، وعرف السامع كونه، إلا أنه لم يَعْلَم أَمِنْ زيد كان أم من عمرو؟ فإذا قلت: "زيد المنطلق"، بعد أن كان يرى ذلك على سبيل الجواز. وليس كذلك إذا قدمت "المنطلق" فقلت: "المنطلق "زيد"، فلم تثبته ، فقال لك صاحبك: المنطلق زيد"، والرجل ممن عرفته قديماً ثم بَعُدَ عَهْدُكَ به فتناسيته، أما تعرفه؟ لَشَدَّ ما نَسِيتَ ، ولا يكون ) الغرض أن يثبت له ليس الديباج، لاستحالة ذلك، فمتى رأيت اسم فاعل أو صفة من الصفات قد بدىء به، فجعل مبتدأ، وجعل الذي هو صاحب الصفة في المعنى خبراً، اختلاف معنى التقديم والتأخير في المعرفتين إذا كانتا مبتدأ وخبرا: ٢٠٦ - واعلم أنه ربما اشتبهت الصورة في بعض المسائل من هذا الباب، والآخر خبراً، كقولك: "كان زيد أخاط" و "كان أخوك زيداً"، فيُظَنُّ مِنْ ههنا أن تكافؤ الاسمين ي التعريف يقتضي أن لا يختلف المعنى بأن نبدأ بهذا وثنتنى بذاك، وحتى كان يسقط ويرتفع إذا كان الجزآن معاً معرفتين. ٢٠٧ - ومما يوهم ذلك أنك تقول: "الأمير زيد"، و "جئتك والخليفة عبد الملك"، وتقوله لمن لا يُشاهدا، ومَنْ هو غائب عن حضرة الإمارة ومعدن الخلافة. وهكذا من يتوهم في نحو قوله: أبُوكِ حباب سارقُ الضَّيفِ بُرْدَهُ . وجَدِّيَ يَا حَجَّاجُ فَارِسُ شَمَّرا أنه لا فصل بينه وبين أن يقال: حباب أبوك، وفارس شمَّر جدي"، وهو موضع غامض. والذي يُبين وجه الصواب، ويدل على وجوب الفرق بين المسئلتين: أنك إذا تأملت الكلام وجدت الا يحتمل التسوية، وما تجد الفرق قائماً فيه قياماً لا سبيل إلى دفعه، هو الأعم الأكثر؟. ٢٠٨ - وإن أردت أن تعرف ذلك، فانظر إلى ما قدمت لك من قولك: "اللابس الديباج زيد ، وأنت تشير له إلى رجل بين يديه، ثم انظر إلى قول العرب: "ليس الطيب إلا المسك ، وقول جرير : ونحو قول المتنبي: ألست ابن الألى سعدوا وسادوا وأشباه ذلك مما لا يُحصى ولا يُعد وأرد المعن على أن يَسْلَمَ لك مع قَلْبِ طَرَفي الجملة، وقُل: "ليس المسك إلا الطيب"، و "أليس خيرُ مَنْ ركب المطايا إياكم ؟ " ، و "أليس ابن الألى سعدوا وسادوا إِيَّاكَ ؟ ٢ تعلم أنَّ الأمر على المبتدأ مبتدأ لأنه مسند إليه والخبر خبر لأنه مسند تثبت به وبيان ذلك: والخبر خبراً لأنه مسند ومثبت به المعنى. تفسير ذلك: أنك إذا قلت: "زيد" منطلق " فقد أثبت الانطلاق لزيد وأسندته إليه، فَزَيد مثبت له، ومنطلق مثبت به، وأما تقديم المبتدأ على الخبر لفظاً، فحكم واجبٌ من هذه الجهة، أي من جهة أن كان المبتدأ هو الذي يُثْبَتُ له المعنى ويسند إليه، ولو كان المبتدأ مبتدأ لنه في اللفظ مقدم مبدوء به، لكان ينبغي أن يخرج عن كونه مبتدأ بأن يقال: "منطلق زيد"، ولوجب أن يكون قولهم: "إن الخبر مقدَّم في اللفظ والنية به التأخير،