لَمْ تَمَسَّهُ يَدُ الإِصْلاح مُنْذُ بَنَتْهُ وَكالة الغَوْثِ فِي أَحدٍ مُعَسْكَرَاتِ اللاجئين، بيْن والدَينِ كُتِبَ عَلَيْهِما الشقاء والعناء والمُكابَدَةُ مِنْ كَثْرَةِ العِيالِ وَتَرَاحُمِ الأَفْوَاهِ عَلَى لُقْمَةِ العَيْشِ. كانت رَجَاءُ بِكْرَ أَبَوَيْهَا، دَفَعَها مَرَضٌ أُمِّهَا إِلَى تَرْكِ الْمَدْرَسَةِ إِلَى غَيْرِ رَجْعَةٍ، وَوَجْهَ أُمِّهَا الذَّابِلَ الحَزِينَ بِوَجْهِ ‎المُدَرِّسَةِ الشَّاب المُتَفَتح للحياةِ والمُسْتَقْبَل. وَفِي غَمْرَةِ الصِّراع المادي العَنيفِ تَفَتَّقَ ذِهْنُ الوَالِدِ عَنْ مَشْرُوعِ يَزِيدُ بِهِ دَخَلَ الأُسْرَةِ، فَابْتَاعَ بَقَرَةً حلوباً نَظِيرَ التَّنازُلِ عَنْ مَصاعِ زَوجِهِ الَّذِي احتفظَتْ بِهِ مُنْذُ زواجهما . • المصاغ : الحلي أو الذهب . ‎وقد ألقى هذا المشروع الجديد مزيداً مِنَ الْمَتَاعِبِ على الفَتاةِ، فَكَانَ لزاماً عَلَيْها أَنْ تَذْهَبَ فِي رِحْلَةٍ يَوْمِيَّةٍ شَاقَّةٍ، تَحْمِلُ وِعَاءَ اللَّبْنِ عَلى رَأْسِهَا؛ لِتُوَزِّعَهُ عَلَى بِيوتِ الْمُتْرَفِينَ ‎كانَتِ الفَتاةُ تَقْطَعُ الطَّرِيقَ الترابي الطَّويل، حافِيَةَ الْقَدَمَينِ، تَسْتُرُ جِسْمَهَا النَّحِيلَ بِأَسْمَالٍ بَاهِيَةٍ قَدِيمَةٍ، تَنْظُرُ بِعَينَيْنِ يَمْلَؤُهما الْحُزْنُ والانْكِسارُ إِلَى كُلِّ مَا يُصَادِقُها : واجهات المحال التجارية . ‎الخضراوات والفواكه. كانت تَتَأمَّلُ في صَمْةٍ . وقَدْ أَكْسَبَتْها مَشاويرها اليَوْمِيَّةُ مَزِيداً مِنَ الجَلَدِ ‎والْخِبْرَةِ بِالْحَياةِ، وإحساساً مُتنامياً بِتَصَرُّفاتِ الْبَشَرِ ، أَعْجَبَهَا نِدَاءُ الْبَائِعِينَ وَأَغانيهم: (مال الشيخ عجلين يا عنب) . (حَلاوَة يا شمام). وَعُيونُهَا مُعَلَّقَةٌ بِكَوْمَةِ الْعِنَبِ الَّتِي صُفَّتْ عَناقِيدُها في شَكْلٍ هَرَمِيٌّ جَميل . ‎تَنْظُرُ إِلَى الزَّبَائِنِ الَّذِينَ يُساومون . وَيَتَذَوَّقُونَ عَناقِيدَ الْعِنَبِ؛ لِيَتَأَكَّدوا - يُسَاوِمُ : يُفاوِضُ لِلاتِّفَاقِ مِنْ نُضْجِهِ وَحَلاوَتِهِ . ‎في تِلْكَ اللَّحْظَةِ لاحَتْ في مُخَيِّلَتِها صورة والدها مُكبّاً على قَطْفِ عَناقِيدِ الْعِنَبِ مِنَ الْمَزْرَعَةِ الَّتِي يَعْمَلُ فيها هذه الأَيَّامَ، يَتَذَوَّقُها ، وَلكِنَّه لا يستطيعُ أَنْ يُحْضِرَ إلى بَيْتِهِ وَلَوْ حَبَّةً واحدةً، إِذْ إِنَّ صَاحِبَ الْعَمَلِ يُراقِبُ ) ‎العُمَالَ عِنْدَ مُغادَرَتِهِم الْمَزْرَعَة . وَيَعْتَذِرُ لَهُمْ بِأَنَّ الْعِنَبَ فِي أَوَّلِ الْمَوْسِمِ، وَهُوَ عَالِي الثَّمَنِ. تَذَكَّرَتْ ما قَالَهُ والِدُها وَقَدِ ارْتَسَمَتْ على وَجْهِهِ عَلامات الكآبة . لَقَدْ وَعَدَنَا الْمَسْؤولُ عَنِ ‎الْعُمَالِ أَنْ يُعْطِينا ما نُرِيدُ مِن الْعِنَبِ آخِرَ المَوسم". شَهِيَّتُها إلى حَبَّةِ عِنَبٍ تَزْدادُ . تَسَمَّرَتْ قَدَماها بِجَانِبِ الْبَسْطَةِ . أَيَحِلُّ لَها أَن تَخْتَلِسَ حَبَّةٌ لِتَتَذَوَّقَها ؟ نَحْتِ الْفِكْرَةَ جانباً . تَحَسَّسَتْ ما بِيَدِها من حصيلَةِ بَيْعِ الحَلِيبِ؛ ‎مُحْتَدِماً بَيْنَ الشَّهْوَةِ وَالْفِعْلِ، صَدَمَتْها يَدٌ هَوَتْ عَلَى صُدْغِهَا، وَطَيَّرَتِ الشَّرَرَ من عَيْنَيْها، ‎ابتعدي عن البسطة، ‎لم تنبِسُ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، واسْتَسْلَمَتْ لِيَوْمٍ عَميق . أَمْطَارٌ تَهْطِلُ بِغَزارة . إنَّه الطوفان . إنّه الغَرَقُ . ها هِيَ الشَّمْسُ تَتَوَسَّطُ كَبِدَ السَّمَاءِ كَبيرةً ) عَظِيمَةً . على جدرانها تَلْتَفُ الأزاهير والورود . مَلابِسُهُمْ جَمِيلَةٌ أَخَادَةٌ، الْعِنَبُ كَثِيرٌ وَالْبَاعَةُ يُمازحون