لأنه يحصر السلطة في أسرة واحدة من دون بقية أبناء البلد، لأنه يفتقر إلى آلية منتظمة لتداول السلطة، حتى بين أبناء الأسرة الواحدة، ما يؤدي إلى استمرارية التنازع على السلطة بين أفراد الأسرة الحاكمة. ولا يختلف سِجِل الأنظمة الوراثية الخليجية اليوم كثيراً من حيث الفساد والصراع على السلطة والفشل في تحقيق التنمية الذاتية عن سجل الدول الأوروبية قبل تحولها‏[84]. وبخاصة بعد أحداث الربيع العربي، وبسقوف مطالبهم السياسية والاجتماعية؛ واستخدام القوة لم يعد رادعاً كما أثبتت تجارب أنظمة بن علي في تونس ومبارك في مصر والقذافي في ليبيا. كما أننا نستبعد رحيل هذه الأنظمة كلياً واستبدالها بجمهوريات كما حصل في فرنسا مثـلاً، أو من خلال هيمنة العمالة الأجنبية على المجتمع في الدول التي أسقطتها حكوماتها في بحر من العمالة الأجنبية كالإمارات وقطر، ومع استبعاد بقاء الأوضاع الراهنة أو الرحيل الكامل، وهو خيار التحول السلمي إلى ملكيات دستورية، وتؤسس لعملية انتقال تدريجية إلى ملكيات دستورية في فترة لا تتجاوز 15 – 20 عاماً، أما ترجمة ملكية شعب الإمارات للثروة فهي تتطلب أن ينص الدستور على أن ملكية الثروة هي لشعب الإمارات وأن يوضع ما لا يقل عن 80 بالمئة من هذه الثروات الطبيعية لكل إمارة تحت سلطة المؤسسات الاتحادية الخاضعة لرقابة المجتمع والعودة إلى النموذج التنموي الاتحادي بدلاً من النماذج المحلية القائمة على الطفرات العقارية‏[89]. والتي من أهمها تنويع الهياكل الإنتاجية وتعميق دور القطاع الخاص وتوطين العمالة فيه، وإنما من خلال العمل على ثلاثة محاور رئيسية تكمل بعضها بعضاً، مع تكامل دور القطاعين العام والخاص في تنفيذها؛ والاعتماد المتزايد على القوى العاملة المواطنة. ثم بإزالة الإزدواجية الحالية في عدد المطارات الدولية وعدد شركات الطيران وغيرها، وترشيد استخدام العمالة الأجنبية وبخاصة غير العربية، ورفع تكلفة هذه العمالة وكفاءة استخدامها بفرض ضريبة مقطوعة على كل عامل أجنبي سواء في القطاع المنزلي أو القطاع الخاص؛ وتوجيه إيراداتها إلى تدريب الطاقات المحلية والخليجية والعربية. ففي سنغافورة تصل هذه الضريبة إلى نحو 100 دولار في الشهر على العامل، ولكن لا بد منها كإحدى آليات التعامل مع التركيبة السكانية. هو الذي سيساعد على تأسيس صناعات ذات إنتاجية عالية في القطاعين الخاص والعام، التي لا يمكن أن تستقطب العمالة المواطنة أو العربية نظراً إلى انخفاض إنتاجيتها وأجورها، وغيرها من الصناعات التي يمكن أن تكون بمنزلة العمود الفقري لزيادة مساهمة القطاع الصناعي في كل من الإنتاج والتوظيف وتوطين التقنية في بلدان المجلس. ويمكن أن تكون بدايات هذه الصناعات من خلال مشاريع مشتركة تقوم بها بلدان المجلس ككتلة واحدة مع الشركات الأجنبية التي تحتكر إنتاج وبيع أغلب هذه المنتجات في الوقت الحاضر. وبالتالي فلا بد من تنفيذها ضمن خطة خليجية تجعل فرص نجاحها وتطورها وتنافسيتها أكبر سواء على المستوى الإقليمي أو على المستوى العالمي. نذكر هنا أن التنمية المستدامة في الدول الصناعية ودول شرق آسيا لم تتحقق إلا من خلال تأسيس قطاعات صناعية متنوعة المنتجات وتستخدم تقنية متطورة كان لها دور في تشجيع البحث العلمي وتحفيز القطاعات الخدمية بأنواعها، كما أن نوعية هذا التعليم كما تشير إلى ذلك نتائج طلبة هذه الدول في امتحانات الرياضيات والعلوم تعتبر منخفضة مقارنة بالمتوسط العالمي في امتحانات الرياضيات والعلوم‏[94]. هناك بعض المشروعات الاستراتيجية التي تحتاج إلى العمل في إطار الدائرة العربية، وهذه كلها مشروعات تحتاج إلى تكاتف عربي يجمع بين إيرادات النفط والعقول العربية والأراضي الخصبة والموقف التفاوضي للكتلة العربية، أثبتت التجارب السابقة أن الكيانات الخليجية لن تتمكن منفردة من تحقيق أمنها حتى لو أنفقت كل إيراداتها النفطية على التسلح؛ وهذه الخطوة تعتبر مقدمة ضرورية لا بد من توافرها في كل الحكومات العربية لتوفير شروط التعاون العربي لمواجهة الأخطار الإقليمية والدولية‏[96]. تكمله على المدى القصير والمتوسط قوة عربية مشتركة أقرب إلى قوة الانتشار السريع، تتكون من كل البلدان العربية أو عدة بلدان رئيسية، وتكون لديها مرونة الحركة في الوطن العربي، وإسنادها بكل العوامل اللوجيسيتة من مطارات وقواعد ومخازن للسلاح وغيرها‏[97]. يمكن إحياء معاهدة الدفاع العربي المشترك التي وقعت في الخمسينيات وتعديل بنودها بما يتناسب مع المعطيات الجديدة في الوطن العربي التي نأمل أن تجعل فرص نجاحها أكبر مما كانت في السابق‏[98]. ولا شك في أن هذه الخطوات مجتمعة ستؤدي إلى تغيير تدريجي في موازين القوى بين البلدان الخليجية مجتمعة مؤيدة من البلدان العربية من جانب، وبين القوى الإقليمية كإسرائيل من جانب، وبينها وبين إيران من جوانب أخرى، وقد تبين لنا أن تجربة كل من الإمارات وقطر تجسد حجم الصعوبات التي تعترض الكيانات القطرية في الوطن العربي لتحقيق هدفي التنمية والاستقرار. تم تدوير جزء منها إلى أسواق المال العالمية لتتحول إلى ثروة ورقية تآكلت عبر السنوات من خلال تراجع قيمة الدولار، أما الجزء المتبقي من هذه الإيرادات فقد تم توجيهه إلى الإنفاق على البنية الأساسية والارتقاء بمستوى معيشة أبناء الدولة من خلال توفير الخدمات الأساسية، وقد أدت هذه الجهود مجتمعة إلى تحقيق مستوى مرتفع من الرفاه مقارنة بفترة ما قبل السبعينيات. ما يؤكد أن الهيكل الإنتاجي لهاتين الدولتين وغيرهما من دول المنطقة لا يزال يعتمد على النفط كمحرك، أي أن هناك إخفاقاً في تنويع مصادر الدخل. وهو ما نجم عنه تهميش المواطنين كنسبة من السكان والقوى العاملة حتى أصبحوا من بين الأقليات في أوطانهم، كما أن سيادة هذه الدول على أراضيها ستبدأ في التراجع في ظل هيمنة الأجانب الذين أصبحت إقامتهم دائمة ومطالبهم الاقتصادية وغير الاقتصادية في تزايد. وكما أن التنمية في كل من قطر والإمارات تتطلب تكامل الجهود الخليجية والعربية وتطوير المؤسسات اللازمة لذلك، فإن أمن هذه الدول وردع أطماع الدول الإقليمية، يتطلب كذلك توحيد الجهود العسكرية، بل إن إيران استولت على كامل جزيرة أبو موسى عام 1992، وليس مستبعداً أن تطمع إيران في التوسع هنا كذلك إما بافتعال خلافات حول هذا الحقل، وإما بمحاولة إثارة القلاقل الداخلية كما في حالة «خلية حزب الله» في الكويت وهي ليست المحاولة الأولى ولن تكون الأخيرة بالتأكيد، وما يؤكد عدم الثقة بين قطر وإيران هو ما أوردته تسريبات ويكيليكس من تصريحات للمسؤولين القطريين، ومن أهمها ما قاله الشيخ حمد بن خليفة، لجون كيري من أنه «على أساس خبرة ثلاثين عاماً من التعامل مع الإيرانيين فإنهم سيعطونك مئة كلمة ولا تثق إلا بكلمة واحدة منها»‏[101]. هذا يعني أن قطر وبقية دول المجلس في أمسّ الحاجة إلى اتخاذ موقف موحَّد تجاه إيران في السنوات المقبلة بدلاً من السياسات المتضاربة التي تمارسها هذه الحكومات في الوقت الحاضر. ويبقى بعد ذلك السؤال الأهم وهو: هل تدرك كل من الحكومة القطرية وحكومة الإمارات التحديات التي تحدثنا عنها في هذه الورقة وتتعامل معها طبقاً للمقترحات التي طرحناها أم أنها تستمر في مسارها الحالي؟ كما أن غياب الكتلة البشرية التي يمكن أن تشكل قوة ضاغطة على هذه الحكومات ليست موجودة.