الحمد لله الذي جعل من آياته أن خلق لنا من أنفسنا أزواجاً لنسكن إليها، وجعل بيننا مودة ورحمة، محمد بن عبد الله، الذي أوصى بالنساء خيراً فقال: "استوصوا بالنساء خيراً"، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداهم إلى يوم الدين. فإن الأسرة في الإسلام هي المحضن التربوي الأول، واللبنة الأساسية التي يقوم عليها صرح المجتمع، وقد أحاطها الشارع الحكيم بسياج من الأحكام والتشريعات التي تحفظ كرامتها وتصون استقرارها، وسماها في محكم التنزيل "ميثاقاً غليظاً" تنبيهاً على عظم شأنها وقدسية الرباط الذي يجمع بين الزوجين. إن هذا العقد ليس مجرد ترتيب مادي أو اتفاق عابر، بل هو رحلة إيمانية وقيمية تقوم على ركيزتي السكن النفسي والإحسان المتبادل، حيث قال عز وجل: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)، فالأصل في الحياة الزوجية هو التمام والوئام، قد تواجه في طريقها أمواجاً عاتية من الخلافات التي تخرج بها عن شاطئ الأمان، وتجعل من ذلك السكن اضطراباً، وهذا الخلل الذي يطرأ على العلاقة هو ما يُعرف في فقهنا الأصيل بـ "النشوز". والنشوز في حقيقته هو ترفع واستعلاء يورث الجفاء، وكسر لمنظومة التوازن الحقوقي داخل البيت الواحد. وقد ذكره الله في كتابه الكريم في حق الزوجة بقوله: (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ)، كما لم يغفل الجانب الآخر، فذكره في حق الزوج بقوله: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا). وهذا التنوع في الخطاب القرآني وبلاغته يعكس شمولية الرؤية الإسلامية، ويؤكد أن الخلل والنشوز قد يأتي من أي من الطرفين، ولا ينبغي حصر الإساءة في جانب دون آخر. إن واقعنا المعاصر اليوم يشهد تزايداً في الصراعات الأسرية التي لم تعد تقتصر على النشوز بمعناه التقليدي، بل امتدت لتشمل صوراً من الإهمال العاطفي، لذا كان من الواجب على الباحث المسلم أن يسبر أغوار هذه القضية، ليجلي الغبش عن أحكامها، ويضع الحلول المستمدة من معين الشريعة والقانون لترميم التصدعات التي قد تصيب بنيان الأسرة. تبرز تساؤلات جوهرية يسعى هذا التقرير للإجابة عليها بكل دقة وأمانة: كيف فسر الفقهاء هذا المصطلح لغة وشرعاً في بطون أمهات الكتب؟ وهل تختلف نظرة المذاهب الأربعة لمعنى خروج المرأة عن طاعة زوجها تبعاً لاختلاف الزمان والمكان؟ وما هو الحكم الشرعي والواقعي إذا كان النشوز من جانب الرجل بإهماله لبيته، وتقصيره في النفقة التي أمر الله بها في قوله: (لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ)؟ وهل يجوز للزوجة، حفظاً لكرامتها ودفعاً للضرر عنها، أن تطلب الفراق إذا ضاقت بها سبل العيش وامتنع الزوج عن الإنفاق مع قدرته؟ وكيف نعالج تلك الظاهرة المؤلمة والمسلك الخطير الذي انتشر في بيوتنا، وهو الأهم، ويهجرها الأمان،