وتكاد الدراسات النقدية تجمع على أن الكتاب الذي كان له الأثر الواضح فيما تبلور من منهج نفسي في النقد، هو كتاب "تفسير الأحلام " الصادر في عام ۱۹۰۰ لفرويد، على الرغم من إصدار فرويد لكتاب "ثلاث مقالات في نظرية تضمن كتاب تفسير الأحلام " عدداً من المبادئ التي يمكن استخدامها في دراسة الأدب ونقده، منها حديث فرويد عن الحلم وآلياته كالخلط المكاني والخلط الكلامي الذي يدخل في صميم الخلق الأدبي وحديثه عن الأمراض العصبية، ومفهوم الحلم بوصفه تحقيقاً لرغبة الحالم التي يمكن تطبيقها على الفن أيضاً، الكشوف القيمة في مجال دراسة الرمز وتحديد طبيعته وصلته بالحلم (1). ومن كتب فرويد النقدية التي طبق عليها المنهج النفسي الأخرى، ديستويفسكي وجريمة قتل الأب الروائي الروسي المعروف، دراسة عن قصة ألمانية مغمورة باسم (غراديفا) لكاتب اسمه فلهلم ينسن. يحاول فرويد في كتابه عن دافنشي الرسام الإيطالي الشهير والباحث إماطة اللثام عما أحاط طفولة هذا المبدع من ظروف وملابسات. أمضى السنوات الأولى من طفولته مع أمه دون أبيه. الذين يحيون في ظروف عادية. فمن المعروف أن الطفل الذي يواجه مشكلات إضافية عما يواجه أقرانه من الأطفال يظل يتأملها في عمقوانفعال. في فترة مبكرة من حياته، انصرف عنه في أخريات عمره، إلى البحث والابتكار في ميدان العلم (1). لقد أقام فرويد دراسته تلك إذن، استناداً إلى استقراء وتوفر على مذكراته وكتاباته المختلفة، وما كتب عنه، محاولاً الكشف عن الدوافع اللاشعورية التي كبتت في نفسه وهو طفل لم يستطع تحقيقها لمخالفتها النظم الاجتماعية لتبقى عاملة في لاشعوره. وهي العقدة التي أرجعها فرويد الحبه العميق لأمه. عقدة (٢). محللاً تقنياته الرمزية، ولا سيما فيما يتصل بمعطيات الخلط الكلامي والخلط المكاني، بعد أن رفض فرويد الكشف عن عقد المؤلف وأمراضه العصبية، (٢). ومن الجدير بالذكر القول إن غاية علماء النفس لم تكن تتجه إلى أن يكون المنهج النفسي منهجاً نقدياً، بقدر ما أريد له أن يكون ميداناً لدراسة الإنسان والنفس الإنسانية، بأسرارها وعقدها وأمراضها. لكن الذي شجع هؤلاء العلماء وعلى رأسهم فرويد أنهم رأوا في العمل الفني والفن عام صورة من صور التعبير عن النفس، ما دام هذا الأخير ترجمة لنفس صاحبه. یری فروید، صاحب مدرسة التحليل النفسي أن الإبداع الفني والأدبي تعبير مقنع عن رغبات مكبوتة في لاوعي المبدع منذ طفولته وإشباع لها. وفاته من فرص ورغبات وعلى هذا يصبح العمل الإبداعي وسيلة من وسائل مداراة الفنان أو الأديب لفشله في المجتمع الذي يحول دون تحقيق رغباته، وحماية من مختلف ألوان العصاب، عن طريق إبداع عالم خيالي. جاعلاً من كل نجاح إجهاضاً لعمل فني، وإنما يفعل ذلك الناقم المتذمر . ". ولعل هذا هو ما دفع بلزاك إلى القول: إن وليس غريباً أن يجد فرويد تشابهاً بين شخصيتي كل من الفنان يعبر عن صراعاته الداخلية ورغباته المكبوتة، أما الفنان فيعبر عن كبته بأعماله الفنية، متسامياً بها إلى عالم خيالي يحتجزه فيه قريباً من حدود العصاب. الطريق إلى العودة إلى الواقع يظل مفتوحاً أمام الفنان، خلافاً للعصابي، بحيث يستطيع العودة إلى المجتمع والاندماج من هنا يكتسب العمل الإبداعي في نظر مدرسة التحليل النفسي طبيعة تعويضية، فلا تعدو كونها تخفيفاً من حدة التوترات النفسية اللاشعورية. وذلك من واقع أن كليهما - الحلم والإبداع - انعكاس لرواسب غير قابلة للتحقق، وأن لكل منهما فحوى مضمراً وراء المعنى الظاهر لأي منهما. وإذا كان المنهج النفسي في الأدب غالباً ما يهتم بالأدب، لارتباطه بصاحبه وصدوره عنه، وأن دراسته له تأتي من واقع علاقة هذا الأثر بمنشئه، ومدى تأثيرها في المتلقي، وطبيعة أحاسيس هؤلاء المتلقين وأنماطها. ولا مراء في أن للمنهج النفسي في دراسة الأدب وتحليله أهمية غير قليلة، سواء في دراسة العقل غير الواعي، والكشف عن مظاهر الشذوذ ومركبات النقص،