في العراق وأغلب دول الوطن العربي يمارس المسلمون طقوس عدة في يوم المولد النبوي، ومن ضمنها متابعة أوبريت الليلة الكبيرة للشاعر صلاح جاهين والملحن سيد مكاوي. مضى على إنتاج الأوبريت عدة عقود وقبل أن تدخل التلفزيونات الملونة الى البيوت، لكن حتى بعد أن دخلت الألوان الى التلفاز وأصبحت جزءا من جمالية المعروض ظل أوبريت الليلة الكبيرة بلونيه الأسود والأبيض يحمل نكهة وجمالية خاصة، والتي كانت تشهد في ذلك الوقت إحياء مولد السيدة زينب، تمخضت جلسات المبدعين معا في أجواء خاصة يضفيها المولد على المكان، إلى تدوين جاهين خواطر شعرية مستوحاة من تلك البيئة، لحنها سيد مكاوي لتنتهي في صورة أغنية مدتها عشرة دقائق، ولما كانا في حاجة الى المال قررا الخروج بخواطرهما إلى النور، هنا كانت البداية الأولى للأوبريت الأشهر في مسرح العرائس المصري “الليلة الكبيرة” إخراج المخرج الراحل صلاح السقا، لكن كيف تحولت الأغنية ذات العشر دقائق إلى أوبريت مسرحي (نحو40 دقيقة) فاز خلال عرضه للمرة الأولى ضمن مهرجان بوخارست الدولي للعرائس بالمركز الثاني عام 1961؟ الإجابة عند رائد مسرح العرائس في مصر الدكتور ناجي شاكر (85 سنة) الذي لم يقتصر فضله على التصميم الخاص لعرائس “الليلة الكبيرة” والذي ثار فيه على المدرسة اليونانية الرائدة آنذاك، بل كان أول من أدخل مسرح العرائس في مصر، ليكشف للمرة الأولى عن كواليس العرض والمسرح، ويفسر الحالة الرثة التي يعانيها مسرح العرائس المصري حالياً. وتعلق بها آلاف المستمعين، فخرج متذوقاً للفن وعارفاً قيمته. كان ذلك الطالب ناجي شاكر نفسه. ويقول: “تعلقت بالأغنية وكنت في العام الأول بالكلية، لكن قرار تحويلها إلى أوبريت عرائسي جاء بعد نحو عشر سنوات، فوقتها لم تكن مصر قد عرفت مسرح العرائس بشكله ذاك بعد، وكان الأمر مقتصراً على الفنون الشعبية التي تعتمد على الدمى مثل الأراجوز وخيال الظل”. لم يكن الفيديو انتشر بصورة كبيرة، لذلك كنا نلجأ إلى السفارات الأجنبية لاستعارة شرائط لأحدث الأفلام العالمية، حضرت عرض عرائس لفرقة هندية في الأوبرا تحكي قصة حياة “غاندي”، تلك الدمى قادرة على تنوير العالم، ومن ضمن أسرارها أنها ما زالت قادرة على جذب انتباه جيل من الأطفال والكبار شبوا على التكنولوجية والأفلام ثلاثية الأبعاد”. وعندها يؤرخ إلى غرس فضوله الأول تجاه الدمى، وقتها كانت تجمعهم مراهقة ريفية لتحكي لهم القصص الشعبية، وخلال تلك الجلسات كانت الفتاة الريفية تقص عروساً من الورق، ويقول شاكر: “كانت تفعل ذلك بإيمان شديد وتركيز، تأسست الفرقة الأولى لمسرح العرائس في مصر عام 1958 قبل نحو ست سنوات من افتتاح مبنى المسرح في وسط القاهرة. ويقول شاكر: “تواصلت معي وزارة الثقافة للانضمام إلى فرقة كانوا يأسسونها تحت إشراف مدربين رومان، وقبل رحيلهم عام 1960 طلبوا مني إنتاج عرض خاص مستمد من البيئة للمشاركة به في مهرجان بوخارست، وطلبت من صلاح جاهين الذين كان شغوفاً بذلك الفن ويشاركنا تحريك العرائس إضافة إلى مشاهد أخرى حتى تتحول الى أوبريت مسرحي، لقد انتجنا الأوبريت في ثلاثة شهور فقط، ومن ثم النجاح الثاني حين عرضت جماهيرياً لدى عودتنا، ومن ثم سافرت في بعثة وعند عودتي عام 1963 فوجئت بمسرح العرائس قد بني على الصورة التي قدمناها بالضبط،