(اَلْحَضُّ عَلَى مُرَاعَاةِ الْـمَصْلَحَةِ الْعُلْيَا لِلْوَطَنِ)) الخطبة الأولى الحمد لله الذي أرسل رسله مبشرين ومنذرين، وأنزل كتبه آيات بينات لتنتظم بها حياة الناس أفرادا وجماعات، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صلى الله وسلم عليه وعلى آله الطيبين وصحابته الغر الميامين، أيها المؤمنون والمؤمنات، فإن من نعم الله تعالى علينا في هذا البلد المبارك أن جمع الله تعالى لنا من عوامل الطمأنينة والاستقرار، ودوام الأمن والازدهار ما تقر به العين، من إمارة المؤمنين الساهرة على أمن الوطن والمواطنين، والحامية لحدود الوطن وثغوره المختلفة المادية منها والمعنوية، والرافضة لكل تشويش أو تضليل أو غلو أو تعطيل. مع ما ترسخ في وطننا عبر التاريخ من القيم والمثل الكبرى التي تعتبر رأس مال معنوي كبير في تاريخ المملكة المغربية على مستوى العقيدة والفقه والتصوف والثقافة والمعاملات والسياسة الرشيدة. كل في مجاله ومسؤوليته وتخصصه. كما تجب مراعاتها عند تدافع المصالح الفردية والفئوية والانتماءات والاجتهادات، فتقدم المصلحة العليا للوطن على كل مصلحة مهما كان نوعها. وفي معنى ذلك يقول البارئ جل وعلا: ﴿إِنَّمَا اَ۬لْمُومِنُونَ اَ۬لذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُۥ عَلَيٰٓ أَمْرٖ جَامِعٖ لَّمْ يَذْهَبُواْ حَتَّيٰ يَسْتَٰذِنُوهُۖ﴾[1]. وإن كانت له فيه مصلحة خاصة. يقول الحق سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لذِينَ ءَامَنُواْ اُ۪تَّقُواْ اُ۬للَّهَ حَقَّ تُق۪اتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَۖ (102) وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اِ۬للَّهِ جَمِيعاٗ وَلَا تَفَرَّقُواْۖ﴾[2]. إذ ربط سبحانه وتعالى بين الإيمان والتقوى وتوحيد الكلمة ووحدة الصف، وعدم التعرض لها في مكة، وهي مصلحة خاصة، ولكن رسالته إليهم تعتبر خيانة للأمة وكشفا لسرها، فأنزل الله تعالى في حقه: ولم يقبل من أحد مهما كانت مسوغاته أن يخون أمته ووطنه. بارك الله لي ولكم في القرآن الكريم، وغفر لي ولكم ولسائر المسلمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. إذا عرفنا أن المصلحة العليا للوطن هي مصلحتنا جميعا، وأن المستفيد منها هو الوطن والمواطنون جميعا، أن يقوم كل واحد منا بمراعاة هذه المصلحة العليا في موقعه الذي هو فيه، استجابة لقول النبي ﷺ: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته»[4]. فتراعى مصلحة الوطن في حماية الثغور، وفي تعليم أبناء الأمة القيم الدينية والوطنية ومصالحه العليا حتى يتربوا عليها، ويعرفوها ويحرصوا على المحافظة عليها، وعلى حبهم لوطنهم وتطلعهم لخدمته، الوحدة الترابية للوطن والثوابت الدينية والوطنية، والصحة والاقتصاد والتجارة وسائر الأمور المؤثرة من قريب أو من بعيد، خدمة للصالح العام. وقد صح في الحديث النبوي الشريف عن النُّعْمَان بْن بَشِيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا »[5]. فهذا الحديث يرسّخ فكرة المسؤولية الجماعية، وأننا جميعا نعيش في سفينة واحدة، ونفتخر بها بكامل الاعتزاز، ولا نسمح لأحد أن ينال منها بالقول أو بالفعل. عباد الله، كما تحب وترضى، بما هو أهل عندك، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن باقي الصحابة أجمعين. وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين يا رب العالمين. وانصر اللهم من قلدته أمر عبادك، وبسطت يده في أرضك وبلادك، مولانا أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمدا السادس نصرا تعز به الدين، وأقر عين جلالته بولي عهده المحبوب صاحب السمو الملكي، الأمير الجليل مولاي الحسن، ومولانا الحسن الثاني، اللهم طيب ثراهما، اللهم اجعل بلدنا هذا بلدا آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين، اللهم بارك لنا في أرزاقنا، من تجارة وزراعة وصناعة وغير ذلك من أسباب الرزق الذي ضمنته لعبادك، وارفع اللهم عنا القحط والبلواء والأمراض وسائر الفتن، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين. كتاب الأحكام،