فيا أيها الناس: اتقوا الله -عز وجل- وراقبوه، وانظروا نهْيَه فانزجروا عنه، وأمره فبادروا إليه، فإن عذاب الله شديد. معاشر المسلمين: ها نحن نختم سنتنا بموسم عظيم تهفو إليه أفئدة الصالحين، وتحِنُّ إليه قلوب المذنبين، إنه موسم الحج الذي يُعَدُّ حقًّا من أعظم منن الله على خلقه، كيف لا؛ وهو يمحو عنهم -بإذن الله- جميع ذنوبهم فيعودون منها كما ولدتهم أمهاتهم؟! فيا فوز من أدرك هذا الموسم، ورزق فيه الحج، وأداه كما أمره ربه، وسنّه له نبيه -صلى الله عليه وسلم-. معاشر المؤمنين: سنتطرق -بإذن الله- لفضل الحج، ووجوبه على الناس، فمن سمع فضل الحج فما أظنه يتردد عن الوفود مع الحجيج إلى رب الأرباب والعبيد. فمِن فضل الحج أن الحاج مِن وفدِ الرحمن، وحقه الكرمُ والضيافة، وإعطاؤه سؤله، أخرج البزار في مسنده من حديث جابرٍ، قال -صلى الله عليه وسلم-: "الحجاج والعُمَّارُ وفد الله، دَعَاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم". فلْتَنْعَمْ نفسُك، ولتقر عينك يا من أزمعت على الحج هذا العام. ومن فضل الحج أنه من أفضل الأعمال؛ كما أخرج البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سئل النبي -صلى الله عليه وسلم-: أيُّ الأعمال أفضل؟! قال: "إيمانٌ بالله ورسوله". قيل: ثم ماذا؟! قال: "جهادٌ في سبيل الله"، قيل: ثم ماذا؟! قال: "حجٌّ مبرورٌ". وأخرج الإمام أحمد في مسنده من حديث عمرو بن عبسة -رضي الله عنه- قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "عملانِ هما أفضل الأعمال، إلا من عمل بمثلهما: حجة مبرورة، أو عمرة مبرورة"، قال المنذري: إسناده صحيح، ورواته محتج بهم في الصحيح. ومن فضل الحج كذلك أنه مكفر للذنوب، وماحٍ للعيوب، أخرج مسلم في صحيحه من حديث عمرو بن العاص -رضي الله عنه-: لما أراد أن يُسلم واشترط المغفرة، قال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أما علِمْتَ أنّ الإسلام يهدم ما كان قبله؟! وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها؟! وأن الحج يهدم ما كان قبله؟!". وأخرج البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة، قال -صلى الله عليه وسلم-: "مَن حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه". ولقد اختلف أهل العلم: هل الحج يكفرُ صغائرَ الذنوب فقط أم أنه يكفرُ الصغائرَ والكبائر كلَّها؟! والذي يرجحه شيخ الإسلام ابن تيمية أن الحج يكفر الصغائر والكبائر، وبه قال ابن حجر -رحمه الله-، وهو ظاهر صريح الأحاديث الواردة. ومن فضل الحج أنه ليس له جزاء يجزى به الحاج إلا الجنة، كما أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة". ومن فضل الحج أنه ينفي الفقر والذنوب عن العبد، كما أخرج ابن ماجه في سننه من حديث عمر، قال -صلى الله عليه وسلم-: "تابعوا بين الحج والعمرة؛ فإن متابعةً بينهما تنفي الفقر والذنوب كما ينفي الكيرُ خبثَ الحديد".