حيث رأوا أنّ حبّ والدهم ليوسف -عليه السلام- وأخيه وتفضيلهما عنهم خطأ وليس من الرشد في شيئ؛ فتشاوروا بينهم على الطريقة الأفضل للتخلّص من يوسف -عليه السلام- دون أن يلومهم والدهم أو يعلم بفعلتهم؛ وطلبوا من والدهم أن يسمح لهم باصطحاب يوسف معهم ليلعب؛ فرفض يعقوب -عليه السلام- ذلك بداية الأمر خوفاً من أن يأكله الذئب وهم ساهون عنه، ثم عادوا إلى أبيهم ليلاً يمثّلون له الحزن والبكاء على ما حصل ليوسف، إلّا أنّ يعقوب -عليه السلام- لم يصدقهم وقال لهم: (بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ). ٣][٤] التقاط القافلة ليوسف تستمر أحداث قصّة يوسف في القرآن؛ جلس يوسف -عليه السلام- هناك منتظراً رحمة الله -تعالى- وفرجه؛ فألقوا دلوهم في البئر ليشربوا وحين أخرجوه خرج لهم يوسف -عليه السلام-، وحين علم أخوة يوسف بأنّ هناك أناساً أخذوه، لحقوا بهم وبيّنوا لهم أنّ الغلام يعود إليهم؛ ٦] وبذلك نزلت رحمة الله -تعالى- ولطفه على يوسف -يوسف عليه السلام- ومُكّن له في الأرض. ٧] بيت العزيز فتنة امرأة العزيز ترعرع يوسف -عليه السلام- وكبر في بيت العزيز وزوجته، ٨] فقد اعتبر يوسف -عليه السلام- فعل ذلك خيانةً وظلماً لنفسه وظلماً للعزيز الذي أكرمه وآواه في بيته، واستعاذ بالله -تعالى- من هذه الفتنة ولجأ إليه ليحصّنه منها، فاشتكت يوسف -عليه السلام- إليه واتّهمته بأنّه يحاول أن يغويها. ١٠] امرأة العزيز ومكر النسوة وصل خبر إغواء امرأة العزيز ليوسف -عليه السلام- إلى نسوة المدينة، وبدأ الحديث يدور بينهن عمّا فعلت، وحين سمعت بما يدور بينهنّ أرادت أن تبيّن لهنّ سبب فعلتها تلك؛ وحين جلسن أعطت كلّ واحدة منهنّ سكيناً لاستخدامها في الأكل، ثم طلبت من يوسف -عليه السلام- أن يخرج عليهنّ، ١١] ووقفت متعذرةً عمّا فعلته من مراودة يوسف -عليه السلام- عن نفسه، وبيّنت لهنّ أن جماله هو سبب فتنتها، ١٢][١٣] يوسف في السجن قرر العزيز وبعض أهله أن يضعوا يوسف -عليه السلام- في السجن على الرغم من علمهم ببراءته، وعزموا على أن يضعوه في السجن مدّة من الزمن بنيّة رد التهمة عن امرأة العزيز وتجنباً لغوايتها به مرّة أخرى. ١٤] رؤيا صاحبي السجن وتعبيرها دخل يوسف -عليه السلام- السجن ظلماً، وأتيا إلى يوسف -عليه السلام- وقصّ كل منهما خبره عليه وطلبا منه تأويل ذلك، وكان الله -سبحانه وتعالى- قد علّم يوسف التفسير، ولأن يوسف -عليه السلام- نبيّ فقد استغل هذه الفرصة ليدعوا إلى الله -تعالى-، ١٥][١٦] وقد أخبر يوسف -عليه السلام- بعد ذلك كلّ واحد منهما تفسير منامه، فكانت بشارته أنّه سيخرج من السجن ويعود إلى عمله، فقد أخبره بأنّه سوف يصلب عقاباً له ويبقى مصلوباً إلى أن تأكل رأسه الطيور، ثم طلب يوسف -عليه السلام- ممّن سيخرج أن يذكره عند الملك وأن يذكر بأنّه بريء من التهمة ليخرج من السجن، إلّا أنّ الفتى نسي الأمر وبقي يوسف -عليه السلام- في سجنه بضعة سنوات. ١٦] رؤيا الملك وتعبيرها يستمر القرآن في سورة يوسف بسرد تفاصيل هذه القصّة؛ فبعد أن لبث يوسف -عليه السلام- سنوات أخريات في السجن، وسمع الفتى الذي كان مع يوسف -عليه السلام- في السجن ذلك وأشار عليهم بمن يفسّر لهم تلك الرؤيا، وأخبرهم أنّ يوسف قادر على تأويلها، ١٧][١٨] وقد فسرّ يوسف -عليه السلام- حلم العزيز وأخبرهم بأنّهم ستمّر عليهم سبع سنين فيهنّ رزق وبركة بسبب الخصب والأمطار، ١٩] براءة يوسف وخروجه من السجن طلب الملك من حاشيته أن يأتوه بيوسف -عليه السلام- بعد أن فسّر له رؤياه، إلّا أن يوسف -عليه السلام- رفض ذلك حتى تظهر براءته للناس ويعلموا أنّه عفيف ولم يقترف شيئاً، وحتّى لا يبقى في نفس الملك على يوسف شيئاً، فقال لرسول الملك: (ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيدِهِنَّ عَلِيمٌ)، ٢٠] وحين سألهن الملك اعترفن بأنّ يوسف -عليه السلام- كان بريئاً واعترفت امرأة العزيز أنّها هي من رادوته عن نفسه، ولمّا ظهرت للملك براءة يوسف أمر بإخراجه من السجن، ٢١] تولية يوسف على خزائن الأرض طلب يوسف -عليه السلام- من الملك بعد أن أخرجه من السجن وأكرمه بأن يجعله وزيراً للخزينة، وهذا من رحمة الله -تعالى- وتمكينه ليوسف -عليه السلام- وفضله عليه. ٢٣] لقاء يوسف بإخوته قدّر الله سبحانه أن يكون لقاء يوسف بأخوته في سنين الجدب، فخرج أهل فلسطين وفيهم أخوة يوسف إلى مصر لعلهم يجدون هناك مؤونة يرجعون بها إلى أهلهم، وحين دخلوا على أخيهم يوسف -عليه السلام- وكان حينها وزيراً لم يعرفوه، فرجعوا إلى أبيهم ليقنعوه وأخبروه أنّ الوزير طلب جلب أخيهم؛ وطلبوا من أبيهم أن يأخذوا معهم بينامين لكنّه رفض بدايةً عندما تذكّر ما فعلوه بيوسف -عليه السلام- قبلاً، فأخبروا أباهم بذلك وبيّنوا أنّ أخذهم لأخيهم سيزيد من المؤن التي سيحصلون عليها؛ فقبل بعد ذلك وقال لهم: (لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَن يُحَاطَ بِكُمْ ۖ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ). ٢٤][٢٥] رجع أخوة يوسف إلى مصر ودخلوا عليه ومعهم أخوه بنيامين، فأمر الذين عنده أن يضعوا كأس الملك الذي يشرب به في متاع أخيه بينامين، نادى عليهم وكيل يوسف -عليه السلام- متهماً إياهم بالسرقة، فأبقاه يوسف -عليه السلام- عنده جزاء سرقته. ٢٦] ورجع أخوة يوسف إلى أبيهم وأخبروه بما حصل، فلم يصدّقهم وقال لهم: (بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)، وقد لامه أولاده على كثرة ذكره ليوسف -عليه السلام-، ثم أمر أولاده بأن يعودوا إلى مصر ويبحثوا عن إخوانهم يوسف وبينامين وأخبرهم ألّا ييأسوا من رحمة الله -تعالى-؛ ٢٨] تعارف الإخوة والتقاء الأسرة رجع أخوة يوسف إليه كما أمرهم أبوهم وحين دخلوا عليه قالوا: (يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ)، ٢٩] فرجوه أن يتصدّق عليهم ويرحم ضعف أبيهم الذي فقد بصر عينيه من فراق أبنائه، ٣٠] وقد أرجع يوسف -عليه السلام- فعلهم إلى جهلهم وظلمهم لأنفسهم، ٣١] ثم أعطاهم قميصه وطلب منهم أن يرجعوا إلى أبيهم ويلقوا القميص على وجهه وبشّرهم أنّه سيعود له بصره، وحين رجعوا أحسّ أبوهم بريح يوسف، وألقى البشير القميص على وجه يعقوب -عليه السلام- فعاد له بصره، وخرجوا جميعهم إلى مصر ليلتقوا بيوسف -عليه السلام-، وبأن أصلح الله -تعالى- بينه وبين إخوته. ٣٢] عظات وعبر من قصة يوسف عليه السلام امتلأت قصّة يوسف بالعبر والمعاني التي ترفع من المستوى الإيمانيّ والأخلاقيّ والسلوكيّ للمؤمن، وهو في ذلك كلّه صابر محتسب متوكل على الله -تعالى- مستسلم لقضائه وقدره، ٣٣] سورة يوسف عليه السلام في القرآن الكريم تُعَدّ سورة يوسف السورة الثالثة من حيث نزولها بعد سورة الإسراء، وقد نزلت في وقتٍ كان النبيّ -عليه الصلاة والسلام- يعاني فيه من الحزن والألم بسبب موت عمَه أبي طالب وزوجته خديجة -رضي الله عنها-، وهذه السورة كغيرها من السور التي تحتوي على القصص القرآني الذي يعدّ طريقة بيان للأسلوب الدعويّ الذي اتّبعه الأنبياء -عليهم السلام-، وبهذه المعرفة تستقيم حال العبد،