يقتضي التدوين توافر عنصرين لا غنى عنهما، بينا في المحاضرة السابقة معرفة العرب بالكتابة، وتحدثنا عن حركة التدوين عند العرب منذ مراحلها المبكرة في العصر الجاهلي، وفي تطورها ونموها في إبان القرن الأول من الهجرة، استخدام نظام التنقيط للتمييز بين حروفها المتطابقة في الشكل. وبدون نظام التنقيط الذي يميز كل حرف عن غيره من الحروف، إن شيوع اللحن بين الناس أدى إلى قيام أبي الأسود الدولي - بتوجيه من زياد بن أبيه والي العراق في خلافة معاوية بن أبي سفيان - بوضع ضوابط للكتابة تعصم من اللحن، وكان يكتبها نقطة فوق الحرف بمداد يختلف لونه عن لون مداد الكتابة نفسها، فجعلها نقطة تحت الحرف وإلى الضمة ، فجعلها نقطة بين يدي الحرف على خط استواء الكتابة، لأن ما صنعه أبو الأسود من ضبط لحركات الحروف لم يكن يحول دون الوقوع في خطأ التصحيف. وتروي الكتب أن الحجاج بن يوسف الثقفي قد هرع إلى كتابه وسألهم أن يضعوا لهذه الحروف المتشابهة فيقال إن نصر بن عاصم قام بذلك، فوضع النقط أفراداً وأزواجاً، ويُعزى إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 170 هـ ) اختراع الشكل الجديد - الذي نعرفه اليوم - في بواكير القرن الثاني الهجري. ومنذ ذلك التاريخ شاع النقط والشكل بطريقة المحدثين. وإن تعرفنا على مدى توافر الوسائل لدى العرب قديماً يساعدنا على - المهارق تتفق المصادر القديمة على أن المهارق - ومفردها مهرق - قماش من الحرير ، كان يُطلى أو يُسقى بالصمغ ثم يصقل بالخرزة، ثم يستخدم في الكتابة عليه،