ماكانت اللغة العربية تتمتع به من في مصر منذ نصف قرن إلا أن يشعر بالأسى الشديد عندما يتأمل حالها الآن. فقد كان لنا مدرسون للغة العربية يجيدون العربية، أن يكون قادرا على الكتابة أو الكلام بلغة عربية صحيحة، وكان الوزراء والسياسيون إذا ألقوا خطبهم ألقوها بلغة عربية جميلة ، وكان أحد معايير الحكم على هذا السياسي أو ذاك قوة بيانه وجمال لغته . وكان مجمع اللغة العربية الذي كان يضم أئمة الأدب والعلم والفكر في مصر يتمتع بالاحترام الشديد والمهابة التي كان جديرا بها. 4A لم تعد إجادة العربية شرطا لتعيين المذيع أو المذيعة، وأصبح الصحفى يكتب أن الاجتماع سيعقد مساء) (بالألف) أو أن نجاح الحكومة في تنفيذ سياستها الاقتصادية كان نجاحا ( مضطردا) (إذ إنه لا يعرف الفرق بين الاضطراد والاطراد). وعلى العموم فقـ فقد أصبحت كفاءة الصحفى أو فشله لا علاقة لهما بمعرفته أو جهله باللغة العربية. قادرا على ملاحقة هذا التيار الكاسح لغزو المصطلحات والتعبيرات الأجنبية لحياتنا . وقد لقد أصبحت المذيعة التليفزيونية مثلا تبدو وكأنها تفخر بأنها لا تستطيع أن تنطق الكلمات كما يجب، إذ إنهم للأسف لا يجدون المقابل العربى لهذه المصطلحات الأجنبية الصعبة، وهم في الحقيقة يريدون التفاخر والتشدق بمعرفتهم ببعض الكلمات الأجنبية. ينتهز أية فرصة ليضع المقابل الأجنبى للمصطلح العربي أو الكلمة العربية بمناسبة وغير مناسبة، حتى ولو كان المقابل العربي كافيا تماما وواضحا تمام الوضوح، كأن يكتب الاقتصادى بجوار كلمة رخاء كلمة (Prosperity) أو بجوار كلمة ثروة (Wealth)، اللغة العربية للإيحاء للطالب بأن هذا الكلام صعب وخطير ، وهو لم يفعل في الواقع إلا أن أضاع وقته ووقت طلبته فيما لا ينفع، وأرهق عامل المطبعة دون أي داع . فيقوم بترجمة ما يقرأه بالعربية إلى تلك اللغة في ذهنه، الأمر مدعاة للسخرية والرثاء حقا أن يكون فهمك لكلام مكتوب بالعربية متوقفا، لا على مدى اتساع معرفتك بمفردات العربية وقواعدها، ، فسألت نفسى من هو ياترى هذا الكاتب الحالى ؟ ثم تبينت أنه لا يقصد إلا نفسه، والتعبير هو ترجمة للتعبير الإنجليزي الذى بدأ يشيع في العقود الأخيرة (ولم يكن شائعا ولا حتى مستخدما فى حدود علمی منذ نصف قرن ولا في اللغة الإنجليزية نفسها ) وهو (The Present Writer) وهو تعبير تقيل سقيم يستخدمه بعض المؤلفين للإشارة إلى أنفسهم، مراعاة لعادة أن يتجنب الكاتب الإشارة إلى نفسه باللفظ المألوف وهو «أنا»، كما ترى سخيف ولا ماذا حدث للمصريين؟ ولكن حتى إذا فضله الإنجليز أو الأمريكيون، ذلك أن لكلمة (Literature) في الإنجليزية معنيين: أحدهما هو الأدب بمعنى العمل الأدبي، ومن ثم يجوز أن نقول بالإنجليزية (economic literature) بمعنى الكتابات الاقتصادية. ولكننا للأسف نقلنا الكلمة وترجمناها بمعناها الأول (الأدب) للتعبير عن المعنى الثاني (وهو الكتابات)، اللهم إلا إذا افترضنا أن كثيرا الكتاب يتعمدون استخدام تعبيرات غامضة وغير مفهومة (وهي كثيرا ما تكون غير مفهومة لأنها خاطئة لإيهام القارئ بأن وراء ما يقولونه أو يكتبونه معاني خطيرة وعميقة لا تسعها عقول أمثالنا وقل مثل ذلك عن انتشار كلمات ثقيلة وغريبة مثل إلخ . بل وكثيرا ما يعرف طريقة لتجنبه، أو مستمعين سلبيين للإذاعة والتليفزيون لا يستطيعون استيضاح الأمر منه . الأمر محزن كما ترى، قد يتبادر إلى الذهن أولا هذا التوسع المذهل فى التعليم الذى حدث خلال نصف القرن الماضى، وأدى إلى اللغة العربية 1.1 الذين لم يزد عدد المؤهلين منهم لهذا العمل الخطير بنفس نسبة الزيادة في عدد التلاميذ هذا طبعا صحيح، ولا الجامعة. وهذه الأدوات أو الوسائل الأخيرة لها سمات معينة تختلف عن المدرسة والجامعة، فقراء الصحيفة وجمهور المستمعين إلى الإذاعة ومشاهد و التليفزيون جماهير واسعة، ومن ثم يغفر الكاتب في الصحيفة لنفسه، أو لا يستطيع أن يستوعب أكثر من ذلك. وسرعة إعداد المادة الصحفية والإذاعية والتليفزيونية، وأن المهم «المضمون». ذلك أن العلة التي أصابت اللغة العربية لا تتعلق فقط ولا أساسا بعدم القدرة بل بعدم الرغبة . بعبارة أخرى المرض الحقيقى لا يكمن في أن عددا متزايدا من الناس لم تعد لديه القدرة على التعبير السليم بالعربية بسبب عدم عدم معرفته بقواعد هذا التعبير السليم، بل إن عددا متزايدا من الناس لم تعد لديه الرغبة في ذلك، وإذا كان هذا صحيحا، ۱۰۲ ماذا حدث للمصريين؟ التفسير الأساسي في رأيي يتعلق هنا أيضا بالحراك الاجتماعي الذي خبرته مصر في الخمسين سنة الماضية، فقلب التركيب الطبقى للمجتمع المصري رأسا على عقب، ذلك أني أريد أن أميز بين ثلاثة أجيال من المتعلمين فى مصر من حيث انتمائهم الطبقي، ومن ثم موقفهم من اللغة العربية جيل الثلاثينات والأربعينات، وجيل الخمسينات والستينات، بمعنى أن النسبة الغالبة منهم لم يكونوا قريبي العهد بالإنتماء إلى الطبقات الدنيا، وفي نفس الوقت كانوا أقل تطلعا إلى الصعود الاجتماعي، كانت طبقة يشعر أفرادها باطمئنان نسبى إلى مرکز هم ليس وراءهم ماض قريب يحتقرونه ويريدون نسيانه، ولا يشعرون بالتوتر الناتج من اللهفة على الصعود إلى أعلى، إذ لم يكن هذا ليبدو ممكنا في ظل الظروف الاقتصادية والسياسية السائدة، انعكس هذا الاطمئنان النسبي في موقف معين من التراث وفي موقف معين من الغرب. لأنه لم يكن لديها سبب نفسى يدفعها للنفور منه والتنكر له، يرجع تاريخه إلى أول اتصال لنا بالغرب الحديث مع قدوم الحملة الفرنسية، وما اتخذته من إجراءات اقتصادية، بما في ذلك اللغة العربية ١٠٣ بمعنى أنها كانت أقرب عهدا بالطبقات الدنيا (إذا قورنت بالجيل السابق من المتعلمين) ومن ثم أقل اطمئنانا إلى مركزها، فضلا عن أنها بدأت تظهر درجة أقوى من التطلع إلى الصعود اجتماعيا نتيجة الفراغ الذي أحدثته الثورة في الدرجات العليا من السلم الاجتماعي . قد يرجع ذلك إلى أن الثورة رفعت شعار النمو الاقتصادي والتقدم، على الرغم من كل ما يقال عن انغلاقها على نفسها وانكبابها على الذات، كما رأينا، وقد انعكس كل هذا فى موقف أقل ولاء للتراث بصفة عامة، يستهين قد يساعدنا في تصور هذا التغير الذي حدث للموقف من اللغة العربية في الخمسينات والستينات بالمقارنة بالثلاثينات والأربعينات،