المطلب الأول تباين التكييف القانوني للنزاعات المسلحة غير الدولية عبر مراحل تطورها لا شك أن النزاعات المسلحة غير الدولية متعددة الصور الشيء الذي يصعب حصرها ووضع تعريف جامع ومانع لها يسهل عملية تكييفها، سيما في ظل التطورات السريعة التي تعرفها الساحة الدولية والتي أصبحت تعج بمختلف أشكال النزاعات من إضطرابات وتوترات وحتى حروب أهلية، الأمر الذي يضع المجموعة الدولية في حالة تأهب دائم لاستيعاب كل جديد يطرأ عليها، وهو الشيء الذي كرسه القانون الإتفاقي سواء بعد إعتماد المادة الثالثة المشتركة من إتفاقيات جنيف الأربعة لسنة 1949 (الفرع الأول، أو بعد اعتماد البروتوكول الإضافي الثاني لعام 1977 (الفرع الثاني)، الفرع الأول إعتماد المادة 03 المشتركة من إتفاقيات جنيف الأربعة لسنة 1949 جاء قانون جنيف متأثرا بشكل كبير بالنزاعات المسلحة التي كانت معروفة وسائدة آنذاك عند وضعه والتي كانت في الغالب نزاعات دولية، وذلك من خلال وضع قواعد قانونية للتعامل معها وكذا التخفيف من ويلاتها سيما على الفئات الأكثر تأثرا بها، غير أن تلك الفترة عرفت نوعا آخر من النزاعات تميز بالطابع الداخلي متخذا صورا متعددة كالتمرد والثورة، إلا أنه لم يكن محل تنظيم من قبل هذا النص إلا في مادة وحيدة أصطلح عليها المادة الثالثة المشتركة بين الإتفاقيات الأربعة المشكلة لقانون جنيف، والتي سبقتها أعمال تحضيرية لإعدادها (أولا)، وجاءت بمضمون غير واضح لنوع النزاعات الذي جاءت لتنظيمه (ثانيا)، الأمر الذي يصعب معه مهمة تفسير مضمونها (ثالثا). أولا: الأعمال التحضيرية للمادة 03 المشتركة اعتمد المؤتمر الدبلوماسي لقوانين الحزب الحديثة المنعقد في جنيف سنة 1949، التمييز في الإشارة إلى النزاعات المسلحة الدولية لتحل محل المفهوم القديم للحروب فيما بين الدول والنزاعات المسلحة الداخلية لتكون بديلا للمفهوم القديم للحروب الأهلية. وقد شهدت المراحل التمهيدية لإعداد مشروع إتفاقيات جنيف لحماية ضحايا الحرب العام 1949 إتجاها إستهدف تطبيق المبادئ الواردة في الإتفاقيات في جميع حالات النزاعات المسلحة أي حتى في تلك الحالات التي لا يتوفر فيها الطابع الدولي أو تلك النزاعات التي تدور داخل أراضي إحدى الدول بين القوات الحكومية والمتمردين، إلا أن هذا الإتجاه لقي معارضة شديدة من قبل معظم الوفود المشاركة مما أدى إلى المناداة بالتطبيق المحدود المبادئ الإتفاقيات". وفي نهاية المطاف وكنتيجة قانونية للمؤتمر الدبلوماسي في جنيف جاء تنظيم النزاعات المسلحة الداخلية في صك دولي بنص المادة الثالثة المشتركة بين الإتفاقيات الأربع، والتي تنطبق على حالات النزاعات الداخلية أي الحروب الأهلية وما تولده من استخدام العنف فيما بين المتحاربين. ثانيا مضمون المادة 03 المشتركة كان من شأن إبرام اتفاقيات جنيف الأربعة في 12 أوت 1949، إخضاع النزاعات المسلحة غير الدولية لأول مرة للحد الأدنى من مقتضيات الإنسانية وذلك بقوة القانون، وبمقتضى أحكام المادة الثالثة المشتركة من إتفاقيات جنيف بعيدا عن نظام الإعتراف بالمحاربين ، وهذا ما إرتأته محكمة العدل الدولية في حكمها الصادر في 27 جوان 1986 في قضية الأنشطة العسكرية وشبه العسكرية في نيكاراغوا ، فقد شكل المؤتمر الدبلوماسي لعام 1949 الخطوة الأولى للدول في مجال معالجة مشكلة النزاعات المسلحة غير الدولية من خلال وضع تشريع دولي قابل للتطبيق على هذه النزاعات . غير أن المادة 03 المشتركة قد تجاوزت كل المصطلحات التي كان إستخدامها شائعا في ظل القانون الدولي التقليدي كمصطلح الحرب الأهلية ومصطلح المتمردين، غير أنها لم تبين صراحة المقصود بالنزاعات المسلحة غير الدولية لكي تنطبق عليها أحكامها، وإنما إكتفت بذكر صفته غير الدولية والدائرة في أراضي أحد الأطراف السامية المتعاقدة، ما يعني أن الاتفاقية المصغرة تفترض أولا وجود نزاع مسلح الأمر الذي أخرج من نطاقه حالات العنف التي لا تصل إلى مرتبة النزاع المسلح، ثانيا تقوم بتحديد أطراف النزاع المسلح والذي لا يمكن أن يكون بين دولتين الأمر الذي يخرج من نطاقه النزاعات المسلحة الدولية. ثالثا : تفسير المادة 03 المشتركة