الفصل الأول: إسهامات العلماء المسلمين في العلوم المختلفة الطب أُسست المستشفيات (البيمارستانات) الكبيرة في المدن الإسلامية، فكان بها تخصصات متعددة للأطباء والصيادلة. ولم يقتصر الأطباء المسلمون على حفظ ما كان مقدَّمًا من كتب الطب القديمة، بل أجروا تجارب عملية ووصفوا الأدوية بدقة، الرازي (القرن التاسع): كتب «الحاوي في الطب» و«المنصوري في الطب»، الزهراوي (القرن العاشر): وُصف بأنه عالم الجراحة، فقد صنّف أدوات طبية وجراحية كثيرة في كتاب «التصريف لمن عجز عن التأليف»، ابن النفيس (القرن الثالث عشر): توصَّف بأنه أول من وصف الدورة الدموية الصغرى (دورة الدم بين القلب والرئتين) قبل علماء أوروبا بقرون. ساهم المسلمون في تطوير العقاقير والطب التجريبي، مثل استخدام التقطير والتعقيم وغيرها من التقنيات الكيميائية في تحضير الأدوية. الفلك فكانوا من أوائل من بنى المراصد الفلكية وأنشأ الحسابات الرصدية. طوروا أدوات فلكية متقدمة مثل الإسطرلاب والسدس، وقد استفاد هؤلاء العلماء من نتائج أرشميدس وبطليموس وأضافوا عليها تجاربهم الخاصة، أبو العباس البتاني (القرن التاسع): أجرى قياسات فلكية دقيقة، فأحسن حساب طول السنة الشمسية ووضَّح حركة اقتران الشمس والنجوم. كما وضعوا وسائل لحساب كسوف الشمس وخسوف القمر. المراصد: شُيِّد مرصد مراغة بقيادة الخوارزميين وغيرهم، وضمَّ أدوات دقيقة لتسجيل حركة النجوم، وقد برع علماء الحضارة الإسلامية في علم الرياضيات وقدموا أسسًا جديدة لمختلف فروعه. كما نشروا الأرقام الهندية (التي تُعرف اليوم بالأرقام العربية 0–9) في العالم، الخوارزمي (القرن التاسع): ألف كتابًا في علم الجبر والمقابلة ووضع أسسًا لحل المعادلات الجبرية، وساهم في نشر النظام العددي العشري. ويُنسب إليه مصطلح «الخوارزمية» (Algoritmi) في الحوسبة الحديثة. مما ساعد على تحسين دقة القياسات الفلكية والملاحية. الكيمياء والفيزياء ساهم المسلمون بشكل كبير في نشأة الكيمياء الحديثة وعلوم الفيزياء العملية. ممهدين لما أصبح لاحقًا علم الكيمياء. يعتبر جابر بن حيان (القرن الثامن) أحد أهم رواد الكيمياء؛ إذ وضع قواعد لتحليل المواد وصنع أحماضًا مثل الكبريتيك والنيتريك. إذ شرح كيفية انكسار الضوء وعمل العين، علماء الفيزياء المسلمون: درسوا خصائص الضوء والصوت، يحتوي «كتاب الحيل» لإخوان بن موسى (القرن التاسع) على رسومات لابتكارات آلية معقدة، الجغرافيا والهندسة وابتكروا طرقًا لحساب مساحة الأرض ومحيطها. على سبيل المثال، قاس البيروني في القرن الحادي عشر محيط الأرض بشكل دقيق جدًا باستخدام الحسابات الهندسية الفلكية، وحسب نصف قطرها بقيمة قريبة من الصحيح. فكتبوا عن مسالك التجارة والطرق والسكان والأقاليم التي زاروها. الإدريسي: رسم خريطة عالمية ووضع كتاب «نزهة المشتاق» في القرن الثاني عشر، وكان من أوائل من ربطوا خطوط العرض ببيانات ميدانية ورحلات فعلية. ونظموا المدن والطرق والجسور والسدود، الفصل الثاني: إسهاماتهم في الآداب والفنون الأدب العربي (الشعر والنثر) في النثر، وكتب ابن خلدون (العصر العثماني المبكر) في التاريخ والاجتماع (مقدمة ابن خلدون)، مما رفع مستوى النقد والدراسة اللغوية في الأدب العربي. مثل قصائد مدح الرسول والأناشيد الروحية. ما جعله وسيلة تعليمية وترفيهية معًا. وكان له دور كبير في التأثير على الأدب العالمي (ترجم إلى لغات عدة). كتب النثر: ظهر النثر العلمي والثقافي في الكتب، ومنها أعمال في البلاغة والفلسفة والتصوف (كأعمال ابن عربي والفارابي وأدباء آخرين) التي أثرت الأدب الإسلامي. الفلسفة ساهم الفلاسفة المسلمون في نقل تراث الفلسفة اليونانية وترجمته، ثم أضافوا إليه مناقشات وأفكار جديدة تتناسب مع العقائد الإسلامية. وكتبوا تعليقات على آرائهما مع الحفاظ على المنظومة العقائدية الإسلامية. وفي المقابل، برز الغزالي بكتاب «تهافت الفلاسفة»، مؤكّدًا توافق الفلسفة مع الإسلام. قام الفلاسفة بترجمة شروح أرسطو وأفلاطون إلى العربية، مما أتاح لعقول المسلمين دراسة المنطق والفلسفة اليونانية. وقدم شروحًا أرسطية لدعم العقل، مما ساهم في نقل الفكر الفلسفي إلى الغرب. العمارة والفنون الإسلامية فتفنّن المعماريون في تصميم المساجد والقصور والمدارس بأساليب جديدة. بنى المسلمون قببًا ومآذن عالية وأقواسًا معقّدة، واستخدموا الزخارف الهندسية (الأرابيسك) والنقوش النباتية لتزيين جدرانها وسقوفها. مثال على ذلك قصر الحمراء في الأندلس بجدرانه المزخرفة وقاعة الصالة الزرقاء ذات القبة المرصعة، تصميم المساجد الكبرى: مثل مسجد قرطبة ومسجد الأزهر، تمت هندستها بحيث تتسع لجماعات كبيرة مع الحفاظ على الجمال والزخرفة. العمارة الزخرفية: سيطرت النقوش الهندسية والخطوط والأرابيسك على جدران المساجد والقباب، التطوير التقني: استُخدمت الأقواس المدببة ونظام القصور البازليكية في بناء القباب، وابتكر المسلمون أنظمة متقدمة للري والهندسة المائية (كالنوافير والأحواض) في الحدائق العامة والخاصة. تناغم الوظيفة والفن: جمعت المباني الإسلامية بين الإبداع الفني وفكرة العبادة والتعلم، فصار المسجد والمدرسة مكانًا يضم شتى عناصر العلم والعمارة الفنية. الخط العربي والموسيقى تميزت الحضارة الإسلامية بفن الخط العربي وزخرفته العريقة. وضع الخطاطون قواعد دقيقة لكتابة الحروف، وانتشرت الأناشيد الدينية والأغاني الشعبية في البلاط والفلكلور، الخطاطون المسلمون طوروا فنًّا خاصًا في رسم المصاحف وقواعد الحروف، فعملوا على إبداع أنماط زخرفية وأسلوب خاص للخط العربي. من أنواع الخط: الكوفي (المربع)، والثلث، والنسخ، والرقعة، وكلها صُممت لتناسب النصوص المختلفة (مساجد، الموسيقى: ألف الفارابي وعماد الدين خفاجي كتبًا عن الأصوات والمقامات، وحددوا نغمات دقيقة تُستخدم في الموسيقى العربية. زرياب وغيره من الموسيقيين (في الأندلس والشرق) نقلوا الموسيقى الفارسية والرومية وأدخلوا آلات جديدة (كالكمان والقانون) إلى المنظومة الموسيقية الإسلامية. الفصل الثالث: نماذج من العلماء المسلمين الجزائريين عبد الحميد بن باديس الإمام عبد الحميد بن مصطفى بن باديس (1889–1940) هو أحد أعلام الجزائر المشهود لهم بالعلم والدعوة. ثم عاد إلى الجزائر ليبدأ رسالته الإصلاحية. اشتهر بنشاطه في نشر الوعي الديني والثقافي؛ وأصدر صحفًا ومجلات باللغة العربية (مثل «المنتقد» و«الشهاب») لتوعية المجتمع. فأصبح رمزًا لنهضة البلاد. حفظ القرآن الكريم وآلاف الأبيات والنصوص العلمية منذ صغره، ثم سافر لطلب العلم إلى الحجاز ومصر وسوريا. شارك الإبراهيمي في تأسيس الجمعية عام 1931 وأصبح رئيسها بعد وفاة ابن باديس عام 1940. فافتتح عشرات المدارس والكُتاتيب وساهم في إقامة العديد من المعاهد لتخريج معلمين.