محاضرات في تاريخ النظم القانونية: نظم بلاد الرافدين تمهيد: تعاقبت على بلاد الرافدين حضارات عديدة نتيجة لاختلاف الشعوب التي حكمت البلاد وأسست إمبراطوريات سُميت كل منها باسم الشعب المؤسس. 01 . الحضارة السومارية (3200 - 2400 ق.م): لم يتفق المؤرخون على أصلهم، لكن المتفق عليه أنهم أول من سكن جنوب بلاد الرافدين، وأسسوا مدناً رئيسية كأور، ليكش، وأرسى. 02 . الحضارة الأكادية السومارية (2400-2000 ق.م): يرى المؤرخون أن أصل الأكاديين سامي، جاؤوا من سوريا واستولوا على الحكم بقيادة الملك سارجون الأكادي. لم يدم حكمهم طويلاً (2350-2150 ق.م) بسبب ثورات سكان المدن السومارية كـ "أور" و "ليكيش"، مما أدى لاستعادة أمجاد الحضارة السومارية حتى 1930 ق.م. 03 . الحضارة البابلية: أصلهم سامي من سوريا، استقروا في مدينة بابل التي اتخذوها عاصمة لهم. تم توحيد بلاد الرافدين تحت حكم بابل في عهد الملك السادس "حمورابي"، الذي دام حكمه حوالي 40 عاماً. بعد وفاته، دب الضعف في الدولة وتعرضت لهجومات من شعوب أخرى استولت على بابل وممالك جديدة. 04 . الحضارة الآشورية (1100-700 ق.م): وهم سكان شمال بلاد الرافدين وينتسبون إلى منطقة آشور. 05 . الحضارة الكلدانية (626-539 ق.م): وهم قبائل سامية نزحوا من سوريا، لم يدم حكمهم أكثر من قرن، ثم انتقلت السيادة على البلاد إلى مملكة فارس سنة 539 ق.م. النظم السومارية الأكادية: إن أقدم مجموعة قانونية هي مجموعة الملك السوماري أورنامو في مدينة أور، التي وضعت حوالي 2100 ق.م. لا يعرف الكثير عنها، لكنها تُعتبر حالياً أقدم نص تشريعي معروف، رغم وجود آثار لنصوص أقدم كآثار مجموعة "شلقي" في أور، ومجموعة "أوركاجينا" في "لاجاش" الصادرة حوالي 3377 ق.م. نصوص مجموعة "أورنامو" مستوحاة من نماذج أقدم ومكتوبة على لوحة بمتحف اسطنبول. نصوصها غير مكتملة، وقسم العلماء الجزء المكتشف منها إلى سبعة أقسام تتعلق بنظام الزراعة (المواد 1-2)، الرق (المادة 04)، والجرائم والعقوبات (المواد 3، 5، 7). مجموعة مدينة أشنونا: اكتُشفت بين 1935 و 1947 بحالة سيئة في تل حرمل جنوب بغداد، مكتوبة على لوحتين، وضعت حوالي 1930 ق.م. تحتوي على 60 مادة تتعلق بالأحوال الشخصية والمدنية، البيع والشراء، الإيجار والقرض، النظام الاقتصادي، والجرائم والعقوبات. مجموعة الملك لبيت عشتار ملك مدينة "إيسين": وضعت حوالي 1930 ق.م، وكانت أكثر شمولاً من سابقاتها. تتكون من 38 مادة تشمل تمهيداً، نص القوانين، وخاتمة تتعلق بنظام الأسرة، الملكية، والرق، وهي محفوظة بمتحف فيلادلفيا بالولايات المتحدة الأمريكية. المجموعة البابلية: تشكل قوانين حمورابي ملك بابل (1792-1750 ق.م) أول مجموعة شاملة من النصوص القانونية الواصلة من الشرق الأدنى القديم، وتُعد أهم أثر قانوني لبلاد الرافدين. اكتُشفت في أنقاض مدينة سوس بإيران سنة 1902. نصوصها منقوشة على مسلة حجرية، يعلوها صورة لـ "شمش" إله الشمس والعدل يتلقى الولاء من "حمورابي". قسمت الأحكام إلى 283 مادة أو فقرة تتناول حلولاً قانونية لمسائل كثيرة، معترفة بالملكية وحاميتها، مقررة حرية التعاقد، وتتميز بالقسوة الشديدة. المجموعات الآشورية: عُثر عليها بين 1903 و 1914، حُررت في عهود مختلفة (بعضها للقرن 11 ق.م، وأخرى للقرن 15 ق.م). هذه القوانين أقل كمالاً من قانون حمورابي ويُعتقد أنها معدلة منه. قانون الحيثيين: اكتُشفت نصوصه بين 1906 و 1912، منقوشة على عدد من الألواح، ويُعتقد أنها وضعت حوالي القرن 14 ق.م. لا تختلف نصوص هذا القانون كثيراً عن قانون حمورابي، إلا من حيث المصدر التشريعي وهو الملك بدلاً من الآلهة. جميع النصوص التشريعية المذكورة مكتوبة بلغة أكادية (بابلية أو آشورية) بالخط المسماري، حتى أطلق عليها الباحثون تعبير الشرائع المسمارية. نظام الحكم في بلاد الرافدين: أولاً: الأوضاع السياسية: تكونت في بلاد الرافدين عدة مدن وإمارات صغيرة مستقلة منذ الألف الرابعة قبل الميلاد. لم تتوحد البلاد بشكل كامل إلا في بداية القرن التاسع عشر قبل الميلاد على يد الملك البابلي حمورابي، حيث تكونت إمبراطورية حكمت المنطقة حتى انهارت أمام الحيثيين حوالي 1550 ق.م. ثم حكمت المنطقة الكاشانيون، ثم الآشوريون، ثم الكلدانيون بين 662-539 ق.م، لتسقط بعدها تحت حكم الفرس ثم الإغريق منذ عام 333 ق.م، ثم الرومان منذ القرن الأول ق.م. ثانياً: نظام الحكم في عهد الإمارات: تميز نظام الحكم في بلاد الرافدين في جميع العصور بالحكم الإلهي المطلق، حيث السيادة والسلطة للإله، والملك يتولاها بصفته ممثلاً له ونائباً عنه. ترتب على اعتبار الملك وسيطاً بين الآلهة والناس عدة نتائج: 01. الملك مستودع كل السلطات الدينية والمدنية. 02. سلطات الملك مطلقة لا يشاركه فيها أحد ولا يحاسب على أعماله. 03. الآلهة هي التي تختار الملك، ويُظهر ذلك علامات معينة معروفة للكهنة، مما جعل شرعية تولي الملك للسلطة مردها اعتراف الكهنة به، وهذا أدى لاعتلائهم مكانة هامة في المجتمع. ثالثاً: نظام الحكم في عهد توحيد الدولة: بعد توحيد الدولة، خاصة في عهد حمورابي، ظل الملك وسيطاً بين الآلهة والشعب يتمتع بسلطات مطلقة. لكن حدث تطور هام حيث تم الفصل بين السلطة الدينية والزمنية. جرد ملوك بابل أمراء المدن من السلطات المدنية وأحلوا محلهم موظفين يعينهم الملك. كما لم يعد الكهنة يتولون السلطات المدنية فلا يشتركون في القضاء ولا في وضع القوانين، فالملك هو من يتولى القضاء وينيب عنه موظفين مدنيين يفصلون في الخصومات. التنظيم الإداري في بلاد الرافدين: قبل توحيد بلاد الرافدين في العهد البابلي، كانت إدارة مرافق المدن والإمارات واستغلال أراضيها تخضع للمعابد. لكن بعد توحيد البلاد، تم إخضاع كل المرافق لسلطة الملك. تشير الوثائق إلى أن الملوك عينوا موظفين مدنيين يشرفون على مرافق البلاد تحت إشراف وزير الملك الذي تسميه النصوص "إيشاكو" (ishaku). كما تشير الوثائق إلى أن رسائل الملوك وتعليماتهم للموظفين كانت تتعرض لتنظيم أدق. التنظيم القضائي في بلاد الرافدين: كانت ولاية القضاء قبل توحيد البلاد من اختصاص الكهنة، والحكم القضائي يصدر في المعابد. وبجانب هذا القضاء الديني، كان هناك قضاء مدني يتولاه مجلس الشيوخ الذي يتكون من أعيان المدينة أو الإمارة. بعد توحيد البلاد في العهد البابلي، أصبحت ولاية القضاء من اختصاص الملك بصفته صاحب الأمر والنهي لا بصفته كاهناً. تم إبعاد الكهنة عن القضاء، وترتب على ذلك ظهور محاكم مدنية يتولى القضاء فيها موظفون مدنيون يعينون من قبل الملك صاحب ولاية القضاء، ويجلسون في دار المحكمة للفصل في الخصومات باسم الملك. أما القضاء الذي كان يتولاه مجلس الشيوخ في العهود السابقة، فلم يتبق منه إلا الفصل في بعض الخصومات القليلة الأهمية أو الصلح بين الناس، وكانت أحكامه تصدر باسم الملك. أما القضاء الديني، فاندثر ولم يبق للكهنة منه إلا ما تحيله المحكمة المدنية من توجيه اليمين إلى أحد الخصوم بأدائه أمام الكهنة في المعبد. كان القضاء المدني في عهد حمورابي يتميز بوحدته بالنسبة لجميع المواطنين وتعدد درجاته. محاكم أول درجة كانت توجد في القرى والمدن وتتكون من 4 إلى 8 قضاة يعاونهم عدد من الكتاب والمحققين ورجال الشرطة، وعند توليهم السلطة يحرر محضر بحضور شهود يثبت فيه بدء ممارستهم سلطاتهم. بالنسبة لاستئناف أحكام المحاكم، فقد كان يتم أمام محكمة عليا مقرها عاصمة الإقليم، تنعقد تحت رئاسة الوالي، وتدل النصوص على أنه لم يكن هناك فصل بين ولاية القضاء وغيرها من الاختصاصات التنفيذية للموظفين. وتشير النصوص إلى وجود محكمة عليا وهي الملك، تُعرض عليها بعض القضايا. تؤكد نصوص قانون حمورابي على نزاهة القضاة وحيادهم، وتقضي ببطلان الأحكام التي يتحيز فيها القاضي إلى أحد الخصوم، كما تقضي بعزل القاضي المرتشي فضلاً عن معاقبته، وهو ما تنص عليه المادة الخامسة من قانون حمورابي حيث جاء فيها: "إذا نظر قاض في دعوى وأصدر حكماً ... ثم غير بعد ذلك حكمه، يُدان ذلك القاضي لتغيير حكمه وعليه أن يدفع عشرة أمثال للمدعي ويُزاح من منصبه..." بالنسبة للإثبات: فقد وصل إلى درجة متقدمة من التطور، حيث كان للكتابة الدور الرئيسي في الإثبات إلى جانب شهادة الشهود واليمين. فمثلاً نجد المادة الأولى من قانون حمورابي تؤكد على أنه: "إذا اتهم رجل رجلاً آخر بجريمة قتل ثم لم يثبت ذلك ضده، يُحكم على المتهم بالموت." وفي مجال السرقة، تنص المادة 23 من قانون حمورابي على أنه: "إذا لم يُقبض على اللص، فعلى المسروق أن يصرح (رسمياً) أمام إله، وعلى المدينة أو العمدة في المنطقة أو الإقليم الذي اقترفت فيه السرقة أن يعوض له خسارته." النظام الاجتماعي في بلاد الرافدين: كان المجتمع في بلاد الرافدين قائماً على أساس الطبقات الاجتماعية (النظام الطبقي) ذات المراكز القانونية المختلفة، ولم يكن هذا الانقسام مجرد تقسيم اجتماعي بل كان ذا أثر قانوني، فحالة الشخص ومدى ما يتمتع به من حقوق وواجبات يختلف تبعاً للطبقة التي ينتمي إليها. وإذا استثنينا الأسرة المالكة ورجال الدين الذين كان لهم وضع خاص يتمتعون فيه بكل الامتيازات، نجد أن مجتمع بلاد الرافدين يتكون من ثلاث طبقات رئيسية: الأحرار، والأرقاء، وبينهما طبقة وسطى. وهذه الطبقات وراثية، وقد ظل هذا التقسيم قائماً حتى سيطرة الفرس على البلاد. 01 . المواطنون الأحرار (الأويلو): هم أكثر السكان عدداً ولهم مركز ممتاز في المجتمع، منهم التجار، الحرفيون، الملاك، والعمال. يتمتعون بحرية شخصية تامة وتثبت لهم الشخصية القانونية منذ ولادتهم حتى وفاتهم. من حقوقهم نجد: حق التملك، تكوين أسرة شرعية، والمساهمة في الحياة العامة. أما واجباتهم فتتمثل في احترام القواعد العامة الصادرة عن الملك والكهنة. 02 . المساكين (المشكنو): طبقة وسطى بين الأحرار والعبيد، لكنهم يعتبرون في مركز أدنى من الأحرار الأصلاء. يتمتعون بالشخصية القانونية وعليه لهم ذمة مالية ويتملكون الأموال ويتصرفون فيها بسائر التصرفات. يمتلكون الأرقاء ويزاولون سائر المهن، إلا أن مركزهم القانوني يختلف عن المواطنين الأحرار فهم يخضعون لتنظيم قانوني خاص يجعلهم في درجة أدنى. ففي المسائل الجنائية يظهر بوضوح أنهم أقل منزلة من المواطنين الأحرار، فالعقوبة تتدرج تبعاً لحالة المجني عليه، فهي شديدة كلما كان المجني عليه حراً وتكون أقل شدة إذا كان المجني عليه مسكيناً، فمثلاً كسر أحد أعضاء الجسم عقوبتها القصاص إذا كان المجني عليه حراً، لكنها تكون غرامة مالية فقط إذا كان المجني عليه مسكيناً. أما الالتزامات فتبين الوثائق أن بعض التزامات المساكين أقل من الأحرار، فمثلاً أجر علاج المسكين الذي يتقاضاه الطبيب المعالج أقل من الذي يدفعه المواطن الحر عن نفس المرض. 03 . الرقيق (الوارْد - WARDU): أصلهم يتأتى من الأسر في الحرب، والوراثة (الولادة من أبوين من الرقيق)، والبيع من طرف الآباء في حالة الفقر، وارتكاب الجرائم، والرهن الذي يقوم به رب الأسرة المعسر وهذا الأخير يكون موقوتاً لمدة ثلاث سنوات فقط يسترد الشخص بعدها حريته. يتمتع الرقيق في بابل بشخصية قانونية مقيدة، ومن مظاهر ذلك أن للرقيق ذمة مالية مستقلة عن السيد في حدود معينة، وهذه الأموال تتكون من ناتج عمله والهبات التي تقدم له. يستطيع أن يجري التصرفات القانونية بالنسبة لهذه الأموال، ويرفع باسمه الدعاوى أمام القضاء وترفع ضده. لقد أباح قانون حمورابي صراحة للرقيق أن يبرم عقود البيع والوديعة، واشترط لصحة هذه التصرفات أن تتم كتابة وبحضور شهود. كما كان للرقيق حسب الوثائق حق الزواج وتكوين أسرة شرعية وينسب الأولاد إليه، وزواجه يكون من أمة مثله أو امرأة حرة وفي الحالة الأخيرة يولد الأولاد أحراراً. كما تشير النصوص إلى أن الرقيق كانوا يمارسون البيع والشراء وامتهان بعض المهن. ويُعتق الرقيق بقوة القانون في بعض الحالات، ومن ذلك العتق بسبب الدين بعد 3 سنوات (المادة 117)، وعتق الأسير البابلي الذي يعود به سيده إلى بابل (المادة 280). كما يتم العتق بإرادة السيد سواء بمقابل أو من دونه. ويتم العتق بقرار يصدر من القاضي بطلب من السيد. كما يتم العتق بطريق الحيلة حيث يتبنى السيد رقيقه، وفي هذه الحالة يكتسب المعتق صفة المواطن الحر. كما يتم العتق بطريق الوصية حيث يكتسب الرقيق حريته بعد وفاة السيد. نظام الأسرة: اهتمت تشريعات بلاد الرافدين بالأسرة وحمايتها، ويتضح ذلك جلياً في قانون حمورابي الذي خصص حوالي الربع من نصوصه للأسرة. 01 - نظام الزواج: ترتكز الأسرة على نظام الزواج، والسائد هو نظام الزوجة الواحدة. لكن العادات السامية سمحت بتعدد الزوجات في بعض الحالات كمرض الزوجة أو عدم الإنجاب، هذا الأخير الذي يظهر في قانون حمورابي كغاية أساسية للزواج. أ - انعقاد الزواج: يتبين من نصوص قانون حمورابي أن الزواج ينعقد بتراضي أولياء الزوجين، مما يدل على أن رضاء أولياء الزوجين شرط لانعقاد العقد. لكن النصوص تشير، سواء في قانون حمورابي أو أشنونا، أن للمرأة الثيب أن تعقد زواجها بإرادتها ودون حاجة لموافقة أوليائها. وبعض الوثائق تشير إلى أن للابن أن يعقد زواجه بإرادته ودون الحاجة لتدخل أوليائه. لكن لا يكفي التراضي لانعقاد الزواج بل لا بد من الكتابة أيضاً، حيث تشترط المادة 128 من قانون حمورابي لصحة الزواج تحريره في سند خطي (عقد الزواج كتابة) بحضور شهود يضعون ختمهم عليه. يتضمن هذا العقد اسم الزوجين بالكامل، وتوضح فيه شروط الزواج وانعقاده، وينص فيه على الهبات المالية التي صاحبت الزواج ومصيرها، وعقوبة خيانة أحد الزوجين، وشروط حدوث الطلاق من أي منهما، ويحرر تاريخ انعقاد الزواج. إن عدم تحرير العقد يجعل العلاقة بين الزوجين غير شرعية ولا يرتب عليها القانون أي أثر، وإن كان لا يعاقب عليها جنائياً. ب - موانع الزواج: تؤكد النصوص على تحريم الزواج بين الأصول والفروع وينصرف هذا التحريم حتى إلى زوجة الأب. أما بالنسبة لاختلاف المركز الاجتماعي فلم يكن مانعاً للزواج. ج - المهر: جرت العادة على أن يدفع الزوج لأولياء زوجته مهراً هو عبارة عن مبلغ قليل من المال أو منقول قليل القيمة يدفع وقت الخطبة. وقد ثار التساؤل حول التكييف القانوني لدفع المهر هل هو شرط لانعقاد العقد أو شرط لصحته أو أنه عديم الأثر بالنسبة لانعقاد الزواج. والنظرية السائدة الآن ترى أن المهر هو هبة من الزوج إلى والد الزوجة تصاحب عقد الزواج، لكنها لا ترتب أي أثر على انعقاده، ذلك أن الزواج الخالي من المهر صحيح وينتج آثاره القانونية. والهبات المالية التي تصاحب الزواج في بلاد الرافدين تتمثل في: . الترهاتو: هبة مالية تدفع من والد الخطيب لوالد الخطيبة، وقبولها يمنع الأسرة من الرجوع عن وعدها بالزواج. لكن هذه الهبة لا تعتبر حقاً مكتسباً للزوجة أو لأسرتها إلا في حالة الإنجاب أو حالة انحلال الزواج من طرف الزوج. أما إن كانت الزوجة عاقر أو انحل الزواج من طرفها دون أن تنجب، فيجب عليها إرجاع الترهاتو للزوج. فإن توفي أحد الزوجين قبل الدخول بالزوجة استرد الزوج أو ورثته المهر. أما إذا فسخ والد المخطوبة الخطبة أوجب عليه القانون أداء ضعف ما أخذ من المهر (م160). . البيبلو: عبارة عن هدايا منقولة يقدمها الخطيب لخطيبته قبل انعقاد الزواج. وفي حالة رجوع الخطيب تبقى هذه الهدايا حقاً مكتسباً للخطيبة، فإن رجعت هي عن الزواج يلزم القانون والدها برد ضعف ما قبض من هدايا. . الشركتو: مساهمة من والد الزوجة في تجهيز ابنته حيث نصت المادة 162 على أن يقدم لها أموالاً وعقارات حسب إمكاناته المادية، وهو بمثابة مساعدة للأسرة الجديدة ويقوم مقام نصيبها في الإرث. وفي حال وفاتها دون أن تنجب يرجع لأسرتها الأصلية. . النودونو: هدية من الزوج لزوجته أثناء الزواج هدفها تأمين وسائل العيش لها في حال وفاته، ويكون محل تحرير كتابي لإثبات حق الزوجة في الأموال. لا يمكنها التصرف فيه إلا في حالة وفاة زوجها، كما يشترط القانون بقاءها في بيت الزوجية حتى تستفيد منه، فإن تركته للتزوج فقدت حقها فيه. د . انحلال الزواج: تنحل الرابطة الزوجية بوفاة أحد الزوجين أو بالطلاق. . الوفاة: تنحل الرابطة الزوجية بوفاة أحد الزوجين. وقد قرر قانون حمورابي أنه لا يجوز لمن توفي عنها زوجها ولها أطفال أن تتزوج ثانية إلا بإذن المحكمة. أما أموال المتوفى فتبقى تديرها دون أن تتصرف فيها لأنها مخصصة لتربية أولاد الزوج المتوفى. . الطلاق: تدل النصوص التشريعية على أن للزوج حق تطليق زوجته وهو حق مطلق لا قيود عليه، ويتم الطلاق بمجرد تسليم رسالة يضع عليها الزوج ختمه. أما أسباب الطلاق فالنصوص تشير إلى طلاق الزوجة العاقر والخائنة والمهملة لبيتها، ومثال ذلك المادة 141 التي تنص على طلاق الزوجة المهملة لبيتها دون أن يترتب على الزوج أي نفقات مالية، بل وتشير المادة 143 إلى أن المرأة التي تهمل بيتها وتحط من زوجها تُرمى في النهر. وتشير المادة 138 إلى طلاق الزوجة العاقر، لكن على الزوج في هذه الحالة أن يعطيها مالاً بقيمة هدية زواجها ويرد لها المهر الذي أحضرته من بيت أبيها. وتشير المواد 147-148 إلى إمكانية زواج الرجل بامرأة ثانية بسبب مرض زوجته الأولى، لكن يمنع على الزوج طلاقها ويجب عليه رعايتها وإبقاءها في بيت الزوجية، إلا أن رغبت هي شخصياً في تركه فيعوضها عن مهرها الذي جاءت به من بيت أبيها. أما الزوجة فلا يجوز لها طلب الطلاق إلا في حالات محدودة، نص قانون حمورابي على ثلاث منها هي: غيبة الزوج دون أن يترك في بيته نفقة، واتخاذ زوجة ثانية نتيجة مرض الأولى مرضاً مزمناً، والخطأ الجسيم من جانب الزوج كأن يسيء معاملتها (المادة 142). والفرقة هنا تقع بحكم القاضي. وخارج هذه الحالات لا يجوز للزوجة هجر زوجها وإلا عوقبت بالإعدام شنقاً أو أن تُرمى من أعلى الحصون. ومن خلال نصوص حمورابي يمكن استخلاص نوعين من انحلال الزواج: أ . انحلال وقتي: حيث تنص المواد 134-135 على أن لزوجة أسير الحرب التي ليس لها طعام في بيتها أن تتزوج من آخر شرط الرجوع إلى زوجها الأول في حالة عودته. أما التي تملك قوتها فلا يمكنها الزواج من شخص آخر وإلا اعتبرت مرتكبة لجريمة الزنا وتعاقب بالموت غرقاً. ب . الانحلال الدائم: تنص المادة 136 على أن للزوجة التي تخلى عنها زوجها بسبب كرهه لبلده أن تتزوج من جديد دون أن تعود لزوجها إن عاد. 02 . نظام الإرث: كان الإرث في بابل حقاً مشروعاً للذكور دون الإناث، وهو مفروض على الأب بشرط أن يكون الأبناء من زوجة شرعية. أما أبناء الأمة فلا يرثون إلا إذا قام أبوهم بنسبتهم إليه حسب المادة 170 و 171 فقرة أ. وفي حالة عدم وجود الأولاد الذكور، فإن التركة تنتقل إلى أخ المتوفى. أما حق البنات في الإرث فلا ينص عليه قانون حمورابي سواء بالنسبة للبنت أو الزوجة، فالبنت محرومة في الأصل من الإرث على أساس تعويضها بالشركتو. لكن كان يمكن للبنت حق الإرث في حالات خاصة ربما في حالة عدم وجود الذكر، كما كانت الكاهنة ترث أباها لكنها لا تتملك الأموال بل لها حق الانتفاع فقط. أما الأرملة فلا إرث لها وليس لها إلا حق البقاء في البيت والعيش فيه من الشريكتو والنودونو، وهذه الأموال كما بينا سابقاً لا يجوز لها التصرف فيها فهي للانتفاع فقط تساعدها في تأمين عيشها. 03 . نظام التبني: كان التبني منتشراً في بابل حيث أنشئ من أجل ضمان استمرارية الأسرة خاصة في حالة عدم وجود الابن الحقيقي. وقد كان له نظام خاص حيث يتم بموجب عقد لا بد أن تتوافر فيه شروط معينة ومخالفته تترتب عليها جزاءات صارمة. . شروط عقد التبني: يتم في صورة عقد كتابي بين المتبني ومن له الولاية على الشخص المتبنى أو المتبنى نفسه. . آثار عقد التبني: بمجرد كتابة العقد، يصبح المتبنى ولداً شرعياً للمتبني ويكسب نفس حقوق الولد الشرعي ويفقد كل ارتباط بعائلته الأصلية وحتى حقوقه في الإرث فيها. ولا يمكن للأبوين الحقيقيين الرجوع في عقد التبني حسب المواد 185-186 من قانون حمورابي إلا إذا تم أخذ الطفل بالقوة. أما المادة 190 فتسمح لهما باسترجاع ابنهما في حالة عدم معاملته كابن شرعي من طرف المتبني أو في حالة تخلي المتبني الحرفي عن واجباته بتعليم الطفل المتبنى حرفته وذلك حسب المادة 189. . الجزاءات المترتبة على مخالفة مضمون عقد التبني: إذا أنكر أحد الأطراف مضمون العقد، توقع عليه جزاءات تتمثل في: . الأب المتبني: تنص بعض العقود على أنه يجرد من بيته وأمواله. . الطفل المتبنى: إذا أنكر أمه وأباه الذي تبناه يتعرض لعقوبة قاسية، ففي حالة التبني عند الأسر الشريفة تكون العقوبات بقطع لسانه أو فقأ عينيه. أما في حالة التبني العادي، فقد يُنزل منزلة العبيد. نظام الجرائم والعقوبات: اتسمت العقوبات في قوانين بلاد الرافدين بالقسوة الشديدة وعدم المساواة، حيث كانت العقوبات تراعي الوضع الاجتماعي للأفراد. أولاً . الجرائم ضد الأشخاص: قرر قانون حمورابي مبدأ القصاص أصلاً على الجرائم ضد الأشخاص، وهو بذلك يختلف عن القوانين التي سبقته والتي يقوم نظام العقوبات فيها على أساس العقوبات المالية مثل قانون أورنامو وقانون أشنونا، هذا الأخير الذي يلزم الدية بمجرد وقوع الجرح حسب المواد 44 و 45 منه. . القتل أو المساس بأحد الأعضاء: فرق قانون حمورابي بين طبقات المجتمع في توقيع العقوبة. ففيما يتعلق بالأحرار (المواد 200-195)، كان القصاص هو المطبق إذا كانت الجريمة عمدية، حيث يقتل الحر بالحر أو يعاقب بمثل فعله ومثال ذلك: فقأ العين أو كسر عضو من الأعضاء. أما إذا كانت الجريمة غير عمدية، فتكون العقوبة دية تدفع إلى المجني عليه أو أهله. ... أما إذا كان المجني عليه مسكيناً أو عبداً، فلا يلتزم الجاني إلا بقيمة الضحية في القتل أو قيمة ما نقص من أعضائه، وتقدر قيمة العبد بنصف قيمة المسكين. يعاقب القانون الشخص الذي يضرب من هو أعلى منه درجة بـ 60 جلدة، وإن ضرب الحر من قبل العبد يعاقب العبد بقطع أذنه. وإذا ضربت امرأة حامل (المواد 209 و 214) وأدى ذلك إلى سقوط حملها، يعاقب الجاني بالغرامة. فإن ماتت المرأة، تُقتل ابنة الضارب (المادة 210). أما إذا كانت أمة، فسواء سقط حملها أم ماتت، يلتزم الجاني بدفع الغرامة. 02 . الجرائم ضد... : تعاقب بالموت على السرقة، ومن ذلك أن من يسرق حاجة من أملاك المعبد. . العقوبات المقررة عند الإهمال المسبب للأضرار: لم يفرق قانون حمورابي بين المسؤولية الجنائية والمدنية. فبالنسبة للبناء مثلاً، ذكرت النصوص عدة احتمالات في سقوط البناء وعرضت البناء لعقوبات متعددة. ففضلاً عن التزامه بإعادة البناء على نفقته، كان البناء يُقتل إذا سقط البناء على صاحب المنزل فقتله، ويقتل ابن البناء إذا سقط البناء على ابن صاحب البيت فقتله، ويدفع تعويضاً بقيمة العبد إذا سقط البناء عليه فقتله، أو يدفع قيمة ما تلف من حاجات صاحب البيت. أما الطبيب الذي أدى إهماله في علاج المريض إلى تلف أحد أعضائه أو موته، فينص القانون على قطع يد الطبيب إذا كان المجني عليه حراً، ويلتزم الطبيب بالتعويض إذا كان المجني عليه عبداً. . خصائص قانون حمورابي: . قسوة العقوبات مع اختلافها تبعاً لمركز الجاني والمجني عليه. . الاعتماد على القصد الجنائي، فبينما تقضي القوانين السابقة بتطبيق غرامة مالية واحدة في حالة الضرب والجرح دون تفرقة بين حالات العمد وغيرها، فإن قانون حمورابي يفرق بين الجرائم العمدية وغير العمدية ويقرر عقوبات مختلفة حسب حالات القصد. . حلول العقوبات البدنية محل العقوبات المالية، حيث استبدل قانون حمورابي العقوبات المالية بعقوبات الإعدام والقطع في كثير من الحالات.