ابتداءً من المباني الاستدلالية التي يعتمدانها، وصولاً إلى النتائج المختلفة المترتِّبة على أدلّتهما؛ حيث قام السيد الروحاني بنفي وإبطال هذه القاعدة طبقاً لبعض الاستدلالات، دون أن يبدي رأياً على المستوى الإثباتيّ؛ في حين أن السيد الشهيد الصدر ـ بالإضافة إلى ردّ قاعدة قبح العقاب بلا بيانٍ ـ ذهب من خلال الاستدلال إلى القول بتنجُّز التكليف، إن كلّ علمٍ من العلوم يشتمل على سلسلةٍ من المقدمات والمبادئ التي يُصطلح عليها بمبادئ ذلك العلم. وتظهر ثمار ذلك في مباحث الألفاظ. إن أحد هذه المبادئ الكلاميّة، هو اتجاه المكلَّف في مقابل الشريعة، واحتمال التكليف مع عدم تحقُّق القطع بالتكليف أو الظنّ المعتبر بالنسبة إليه. وفي مثل هذه الحالة ذهب الكثير من المحقِّقين إلى الإذعان بأن أمّ القضايا ـ العقليّة بحكم العقل العمليّ ـ عبارةٌ عن الترخيص والإباحة. وبعبارةٍ أدقّ: عدم استحقاق العقاب الأخرويّ عند مخالفة الحكم الواقعيّ، بل احتمل مجرَّد الإلزام، لا يكون المكلَّف في مقام ثبوت التكليف ـ بحكم الأدلّة المتعدِّدة عند العقل ـ مستوجباً لاستحقاق العقوبة. وهو ما يُعبَّر عنه في لسان المحقِّقين بـ «قاعدة قبح العقاب بلا بيان». وهو القول المنسوب لمشهور الأصوليّين. وفي مقابل هذا القول هناك نظريّتان أخريان، النظرية الأولى: وهي للسيد محمد الروحاني في منتقى الأصول. وهي أن قاعدة قبح العقاب بلا بيان ـ التي تسعى إلى إثبات عدم استحقاق العبد في ظرف فقدان الدليل للعقوبة الأخرويّة ـ لا تشتمل على توجيهٍ بالنسبة إلى العقوبة الأخروية، ولا يمكن العثور لها على مبنىً صحيح. وخلاصة كلامه: إن نسبة العقوبة الأخروية إلى أفعال البشر بحيث لا يمكن لعقول البشر أن تستوعبها وتفهمها؛ ولا يمكن تصوُّرهما، لا شَكَّ في أن ملاك وعد الله تعالى بالعقوبة (في ظرف المخالفة) ليس بأيدينا، هي نظريّة الشهيد محمد باقر الصدر؛ دون الترخيص والإباحة، أي إن الشهيد الصدر ـ على أساس التحليل العقلي ـ يرى أن المنجِّز هو مجرَّد احتمال التكليف، سواءٌ في مرحلة احتمال ثبوت التكليف أو في مرحلة احتمال سقوط التكليف وتحصيل فراغ الذمّة. يكتفي السيد الروحاني في نظريّته بمجرّد السعي إلى نفي قاعدة قبح العقاب بلا بيانٍ، دون أن يبيِّن رأياً من الناحية الإثباتية؛ وأما السيد الشهيد الصدر فإنه، بالإضافة إلى ردّ هذه القاعدة في ضوء المباني الكلامية ـ الاختلاف بين الموالي العرفيّين وذاتيّة دائرة الطاعة لهم بالنسبة إلى حقوقهم المتعلِّقة في ذمم وأعناق العبيد ـ، أي إنه حتّى في ظرف احتمال التكليف يجب العمل بمضمون ما يثبته الاحتمال أيضاً. بشكلٍ مستقلٍّ، وبذلك سيتّضح بطلان تصوُّر بعضٍ، وفي استخلاص النتائج والثمار أيضاً. لقد أشار السيد الروحاني ـ قبل بيان رأيه في صحّة أو عدم صحّة قاعدة «قبح العقاب بلا بيانٍ» ـ إلى مسلكَين في مفهوم الحُسْن والقُبْح، على سبيل المقدّمة. قال: هناك مسلكان في الحُسْن والقُبْح، وهما: فإن الأحكام العقلية تعود إلى الأحكام العقلائيّة، التي أجمع عليها العقلاء، وأن الشارع؛ المسلك الثاني: يعمل القائلون بالمسلك الثاني على تحليل حكم العقل بالحُسْن والقُبْح من طريق ملاءمته وتنافره مع القوّة العاقلة، ببيان قولهم: إن المراد من حكم العقل بالحُسْن والقُبْح هو ملاءمة الشيء مع القوّة العاقلة، ونفرته من القوّة العاقلة أيضاً، والذائقة، وما إلى ذلك، وعليه، فكلّ ما يتلائم مع القوّة العاقلة حَسَنٌ، وكلُّ ما يتنافر معها قبيحٌ. أي حين يكون العقاب على مخالفة أمرٍ لم تقُمْ عليه الحجّة يكون هذا العقاب متنافراً مع القوّة العاقلة، والآن يظهر الاختلاف بين هذين المسلكين، وليس هناك من طريقٍ آخر، وعلى هذا الأساس حيث يقع الفرد في مقام الشكّ، ولا يوجد حكمٌ له في البين، وبعد ذكر هذه المقدّمة، ليبيِّن أنه إذا بقي المكلَّف في ظرف الشكّ فهل يكون العقاب على مخالفة التكليف صحيحاً أم لا؟ لقد قام سماحته بدراسة هذا البحث ضمن ثلاثة مقامات. الذي هو في مورد صحّة أو عدم صحّة عقاب المولى الشرعيّ في الآخرة في ظرف الشكّ؛ وثانياً: إن المطروح في هذه القاعدة هو العقاب الأخروي، وليس الدنيوي. ولكنْ في إطار تكميل نظريته، وكذلك الفهم الأدقّ للتفاوت والتمايز بين الحالات الثلاثة المطروحة في نظريّته، 1ـ صحّة مؤاخذة المولى العُرْفي أـ أن تكون مخالفة العبد للتكليف مقرونةً بالعلم: في هذه الحالة لا يكون العقاب على المخالفة ـ بناءً على كلا المسلكَين المذكورين في باب حكم العقل ـ قبيحاً؛ وذلك لأن المخالفة قد اقترنَتْ هنا بالعلم والعَمْد. ب ـ أن تكون مخالفة العبد بسبب الغفلة أو الجهل المركَّب: في مثل هذه الحالة إذا لم يكن الجاهل مقصِّراً يكون العقاب على المخالفة قبيحاً. ج ـ أن تكون مخالفة العبد في ظرف الشكّ في التكليف: فيُقال في هذا القسم: أما في مورد العقاب في حالة الشكّ فلا يمكن إبداء الرأي، على كلا المسلكين. بل تكون هذه المسألة مسكوتاً عنها؛ وبالتالي لا يمكن القول بالقُبْح أو الحُسْن؛ حيث يكون بناء العقلاء على عدم العقاب؛ كذلك لا يكون لدينا علمٌ في البين؛ وليس لدينا أيّ طريقٍ لإحراز هذه المسألة. 2ـ صحّة مؤاخذة المولى الشرعيّ في الدنيا لو سلَّمنا القول بقُبْح العقاب من المولى العُرْفي؛ بسبب مخالفة العبد في حالة الشكّ، نقول: هل يصحّ عقاب العبد على المخالفة في ظرف الشكّ، من قِبَل المولى الشرعيّ في الحياة الدنيا، أم لا؟ إذ يحصل كثيراً أن يُبْتَلى المؤمنون والمطيعون بالأمراض الدنيوية، ناهيك عن أن يكون ذلك في حقّ المخالف. إن الوجه الرئيس في نفي حكم العقل بقبح العقاب في هذا المقام هو أن الحُسْن والقُبْح، وإن أساس الظلم والعدل يقوم على فرض الحقوق والحدود بين طرفين، بحيث يُعَدّ تجاوزه ظلماً، وعدم تجاوزه عدلاً. وهذه المسألة موجودةٌ بين العبد والمولى العُرْفي، وبين الأب والولد، وتدبَّرنا في ماهيّة هذه العلاقة، سوف ندرك أن العبد ليس له من حقٍّ خاصّ على مولاه الحقيقي؛ وذلك لأن المولى الحقيقي هو مالكٌ وخالق للعبد، ولذلك يحقّ له القيام بكلّ فعلٍ وتصرُّفٍ تجاه هذا العبد، كأنْ يبتليه بالمرض أو الفقر وما إلى ذلك، 3ـ صحّة العقاب في الآخرة على مخالفة العبد في ظرف الشكّ قال سماحته بوجود ثلاثة اتجاهات في ماهية الثواب والعقاب الأخروي: ولذلك نتعرَّض للعقاب. كما أن حقيقة العمل الصالح هو الجنّة والسعادة والثواب؛ وفي الحقيقة فإننا سوف نواجه أعمالنا وأفعالنا. أن المعصية سوف تظهر لنا في مقام التجسُّم على شكل عقربٍ، وتظهر الطاعة في مقام التجسُّم على هيئة شجرةٍ طيّبة. 2ـ نظرية الأثر الوضعيّ: يُعَدّ الثواب والعقاب في هذه النظريّة من قبيل: الأثر الوضعيّ للفعل، وفي ما نحن فيه نقول كذلك: إن الأثر الوضعيّ للمعصية هو العقاب. في ضوء هذه الاتّجاهات الثلاثة: أما بناءً على المسلكين الأوّل والثاني فلا يكون القول بقبح العقاب بلا بيان صحيحاً؛ وذلك لأن العقاب في هذين المسلكَين ليس فعلاً اختياريّاً، ليتّصف بالحُسْن والقُبْح، سواءٌ أكان ذلك من باب تجسُّم الأعمال أو بوصفه أثراً وضعيّاً. كما هو الحال في بقية موارد الآثار الوضعيّة لتجسُّم الأعمال أيضاً([5])؛ إذ بمجرَّد أن يصدر عنه العمل تظهر نتيجته وأثره، من قبيل: الشخص الذي يتناول السمّ، فإنه بمجرّد تناول السمّ يظهر عليه تأثيره، المتمثِّل بالموت، وبناءً على مسلك تجسُّم الأعمال؛ حيث لا يكون هناك اختلافٌ ماهوّي بين العمل والثواب والعقاب، ولا تأثير في هذه المسألة للعلم والجهل أيضاً. وعلى هذا الأساس عندما نفترض أن ذات الفعل عندما تتحقَّق ـ سواء في حالة العلم أو الجهل ـ يترتَّب على ذلك لازمه، لا يكون ترتُّب العقاب هنا قبيحاً. وعليه لا يكون هناك وجهٌ للقول بقُبْح العقاب في هذه الحالة. أي إنه لا يمكن القول بقُبْحه، وذلك لعدم علمنا بالملاك الذي بموجبه يقوم الشارع بالتوعُّد على العقاب؛ وحيث لا نعلم ملاك الشارع في ترتُّب العقاب لا نستطيع القول هنا بأن العقاب قبيحٌ أم لا. وتوضيح ذلك: إن سماحته يقول: إن الملاك في مورد العقاب والثواب الأخروي واضحٌ ومعلوم، فهو لا يخرج من إحدى حالتين؛ أو من باب تأديب الآخرين وردعهم؛ كي لا يرتكبوا هذه المعصية. إن هذا الملاك إنما يمكن بيانه وتفسيره بلحاظ عالم الدنيا، إذ إن عالم الآخرة ليس عالمَ تكليفٍ وفعلٍ؛ لتكون هذه الموارد مطروحةً في ذلك العالم. وحيث لا يكون لدينا طريقٌ إلى معرفة هذا الملاك، لا نستطيع القول بقُبْح العقاب، والبحث عنه في موضعٍ دون موضعٍ آخر([6]). إذ لا علمَ لدينا بملاك الترتُّب أبداً. وحيث لا يكون لدينا علم بملاك الترتُّب لا نستطيع القول بأن العقاب في ظرف الشكّ قبيحٌ أو غيرُ قبيحٍ؛ إذ قد يكون ملاك العقاب ثابتاً في ظرف الشكّ والجهل. وعليه، وتحديد مساحته وحدوده. وعلى هذا الأساس يمكن القول، كنتيجةٍ عامّة: إن العقل ليس له طريقٌ إلى الحكم بقبح العقاب بلا بيان. ومن هنا، ولكنّه ليس بصدد إثبات ما يقابلها، وإنما هو يكتفي بمجرّد نفي هذه القاعدة، أي إنه يقول: إن قاعدة قبح العقاب بلا بيانٍ ليست صحيحةً، ولا يمكن القول بقبح العقاب في محلّ البحث، ولا القول بحُسْن العقاب. وليس لدينا طريقٌ إلى معرفة كُنْهها. وفي ختام بيان هذه النظريّة لا بُدَّ من التذكير بأن هذه النظرية قد تواجه الكثير من الإشكالات. ولكنْ حيث إننا لسنا في هذه المقالة بصدد بحث صحّة وسقم هذه النظريّة، وكلُّ الذي نرومه في هذه المقالة هو إيضاح هذه النظرية، وبيان نتيجتها النهائية، وبعد الانتهاء من بيان نظريّة السيد الروحاني ننتقل إلى بيان نظريّة السيد الشهيد الصدر، ثانياً: نظريّة السيد الشهيد محمد باقر الصدر إن السيد الشهيد الصدر؛ بالالتفات إلى عدم فصله بين الحجِّية والمولوية، عمد في بيانٍ له ـ بعد ذكر خصيصتين ذاتيّتين للقطع، وهما عبارةٌ عن: الكاشفية؛ والمحرِّكية ـ إلى التأمُّل في خصيصةٍ ثالثة للقطع ـ والتي هي عبارةٌ عن الحجِّية ـ من حيث ذاتيّة أو عدم ذاتيّة هذه الخصيصة بالنسبة إلى القطع. وعليه، حيث إنهم قالوا بأن الحجِّية من اللوازم الذاتيّة للقطع، وهي القطع بأمر أيّ شخصٍ يكون هو المنجِّز؟ فهل القطع بأمر كلّ شخصٍ هو المنجِّز أم أن المنجِّز هو القطع بخصوص أمر المولى؟ من الواضح جدّاً أن المنجِّز ليس هو القطع بأمر كلّ شخصٍ، بل القطع المنجِّز هو القطع بأمر المولى. فحيث تكون المنجِّزية دائرةً مدار حكم العقل فإن العقل لا يرى المنجِّزية لأمر كلّ شخصٍ، بل إن العقل إنما يحكم بتنجيز ووجوب أمثال أمر الشخص الذي أثبت له المولويّة، وأوجب له حقّ الطاعة. فتكون النتيجة هي أن المنجِّزية إنما تكون تابعةً للقطع بأمر المولى، وليس مطلق القطع. فإذا قلنا ذلك ستكون النتيجة أن الحجّية والمنجِّزية تدور مدار المولويّة، وبعبارةٍ أخرى: إن الحجِّية والمنجِّزية من شؤون المولويّة، وليست من شؤون القطع. وأضاف سماحته بعد ذلك، وبعبارةٍ أخرى: الحجِّية والمنجِّزية، منحصرٌ بظرف القطع بأمر المولى أو يشمل حالات الظنّ والشكّ أيضاً؟ فإن البحث هنا يقع حول دائرة مولويّة المولى([10]). يقول السيد الشهيد الصدر: نحن نرى أن العقل في هذه المسألة يذهب إلى القول بالتوسعة؛ بمعنى أن مقتضى حكم العقل هو ثبوت حقّ الطاعة لله تبارك وتعالى في كلّ أوامره المنكشفة للمكلَّفين، ولكنْ هذا إنما يكون ـ بطبيعة الحال ـ ما لم يصدر إذنٌ من المولى نفسه بالترك. وأما القطع بما هو قطعٌ فلا تأثير له في هذه المسألة، غاية ما هنالك أن لهذا الانكشاف مراتب، وهي ـ بشكلٍ عامّ ـ عبارةٌ عن القطع والاحتمال (بمعنى الظنّ والشكّ والوَهْم). وإن العقل يثبت حقّ الطاعة للمولى في جميع مراتب الانكشاف، 1ـ الدليل والمستند قد يَرِدُ هذا السؤال القائل: ما هو برهان ودليل السيد الشهيد الصدر على هذه المسألة؟ ببيان أن أساس المشكلة قد نشأ من قياس المولى الحقيقيّ إلى الموالي العرفيّين، فلو تمّ الالتفات إلى المولى الحقيقي بما له من الخصائص والأوصاف فإن العقل في ما يتعلَّق بهذا المولى سيحكم قطعاً بتنجُّز التكليف، بيان المسألة: إن المشهور في استناده إلى قاعدة قُبْح العقاب بلا بيانٍ ـ والتي تقتضي في الحقيقة تضييق دائرة المولويّة وحقّ الطاعة([13]) ـ يستشهد بعُرْف العقلاء([14])، أي إن العبد إذا كان جاهلاً بأمر مولاه، بسبب جهله، لن يكون العبد في مثل هذه الحالة مستحقّاً للعقاب، يساوي بين المولويات، ويرى لها معنى واحداً، ولا يرى فَرْقاً بين المولى الحقيقيّ والمولى العُرْفي. في حين أن مولوية الله تعالى، تختلف عن المولوية المجعولة بجعل جاعلٍ، وعليه، وأما المولوية غير المجعولة فيتمّ تعريفها على أساس اختلاف حدود ودائرة حقّ المولى تجاه العبد، وعلى هذا الأساس، فإن تحديد وضيق مولويّةٍ هنا لا يؤدّي بالضرورة إلى تحديد وتضييق مولويّةٍ هناك([16]). وللمزيد من التوضيح لا بُدَّ هنا من بيان أقسام المولويّة، والاختلافات فيما بينها. وهي: فهي في الحقيقة أمرٌ واقعي، وهذا النوع من المولوية ـ بحكم مالكيّة الله لجميع العالم، مالك لجميع العالم تكون مولويّته على العالم مولويّة ذاتية. وهذا الأمر يثبت، ويمكن إدراكه، دون أخذ ملاك شكر المنعم ـ الذي هو أحد الملاكات، وذلك لأن ملاك الخالقية والمالكيّة مبنى، وثبوت حقّ الطاعة لله بملاك شكر المنعم مبنىً آخر، وحيث تكون منعميّة الله تعالى مطلقةً، تكون مولويّته الناشئة من هذه المنعميّة بدَوْرها مطلقةً، وليس لها حدٌّ. وعليه يجب على الإنسان في ظرف الشكّ أن يحرز قبول مالكه الحقيقيّ، أي بملاك مالكيّة وخالقيّة الله تعالى. ولا حاجة إلى الملاك الأوّل في إثبات ذلك. 2ـ المولوية الجَعْليّة: وهذا النوع من المولويّة ينقسم بدَوْره إلى قسمين: وهذا النوع من المولوية تابعٌ ـ في سعة وضيق دائرة المولويّة وحقّ الطاعة ـ للجَعْل المجعول من قِبَل المولى الحقيقي. من قبيل: المولوية للحكّام والموالي الاجتماعيّين. وعليه، وكذلك لو بدأنا تحليلنا في مورد ما يقتضيه حكم العقل في الشبهات البَدْوية، دون النظر إلى هذا البُعْد، فسوف نصل إلى نتائج خاطئةٍ؛ وذلك لأننا لو دقَّقنا النظر فسوف ندرك أن البحث عن الحجِّية والمنجِّزية يعود إلى دائرة حقّ الطاعة، وإن ما هو الحجّة والمنجِّز يرتبط ارتباطاً مباشراً بدائرة المولوية وحقّ الطاعة للمولى. وقُبْح مخالفته، وأما إذا افترضنا المورد خارجاً عن دائرة المولويّة وحقّ الطاعة فإن العقل لا يحكم هنا بالتنجُّز. وعليه لو لم يكن هناك وجودٌ لهذه المولوية يكون موضوع حكم العقل بالتنجُّز منتفياً، وبالتالي يكون الحكم بالتنجيز منتفياً أيضاً. وعليه تكون خلاصة المدَّعى إلى هنا هي أن مولوية المولى تشمل حتّى موارد عدم حصول القطع بالتكليف. وعليه، ومن هنا فإن جميع هذه الحالات تكون مشمولةً للتنجُّز العقلي، باستثناء حالة القطع بعدم التكليف. ولذلك يتمّ على هذا الأساس إنكار قاعدة قُبْح العقاب بلا بيان. فإنه طبقاً لما تقدَّم من بيان آراء السيد الشهيد الصدر ضمن هذه المقدّمات الثلاثة، وهي: أوّلاً: إن الحجِّية والمنجِّزية من شؤون المولوية ـ دون القطع ـ، على ما تقدَّم إثباته. ثانياً: لا موضوعية للقطع بما هو قطعٌ، ثالثاً: التفكيك بين دائرة الطاعة للموالي العُرْفيين ودائرة الطاعة للمولى الحقيقي؛ حيث لكلتا الدائرتين مقتضياتٌ مختلفة، حتّى في ظرف الشكّ بالحكم الشرعي. وعليه، لا يبقى هناك موضعٌ لجريان البراءة، التي تستند إلى قاعدة قُبْح العقاب بلا بيانٍ. وأرى أنه، بعد الالتفات إلى ما تقدَّم من الأبحاث، لا يبقى هناك شخصٌ لا يقول بسعة دائرة المولويّة بالنسبة إلى المولى الحقيقي، النتيجة إلاّ أن الطريق الذي سلكاه في إنكار هذه القاعدة كان مختلفاً تمام الاختلاف، وبالتالي فإن النتائج التي توصَّلا إليها من خلال ذلك كانت مختلفةً أيضاً.