د.رقية العلواني حلقة ١ من ٤ مقدمة عن سورة لقمان السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بين أيدينا اليوم صورة من صور القرآن العظيم، نزلت على الحبيب صلى الله عليه وسلم بعد الإسراء وقبيل الهجرة إلى المدينة، ما تركوا وسيلة إلا سلكوها لإيقاف هذه الدعوة المباركة. حاولوا أن يتحدوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم من خلال أسئلة يتعلمونها ويلتقطونها من هنا ومن هناك، لاجل أن يحاولوا إظهار عجزه عن الإجابة، أو إدخاله في متاهات لا يمكن أبداً أن ينساق إليها صلى الله عليه وسلم، فهو يشهد وهم يعلمون ويوقنون أن هذا الكتاب من عند الله وليس من عند نفسه. فما كان لهم أنه أن يجيب إجابة من تلقاء نفسه دون أن يوحى إليه الله سبحانه وتعالى. وأنها مصدقة بنبوته، من هنا نزلت هذه الآية، وكان واحد من أسباب نزولها أن قريشاً سألت نبينا صلى الله عليه وسلم عن شخص يدعى لقمان. ما أرادت بذلك أن تعلم أو تتعرف عن شخصيته قدر ما أرادت أن تعجز هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم. نزلت هذه السورة العظيمة في هذه الظروف، في ظروف وجد فيها من يحاول حتى أن يشتري ويقتني من المغنيات ومن الجواري ما يصل به عن سبيل الله، ويريد الناس عن الاستماع إلى هذا القرآن العظيم. هذه الظروف التي نزلت فيها هذه الصورة المباركة هي ظروف قد تحدث في كثير من المجتمعات، بما في ذلك مجتمعاتنا المعاصرة، حين يواجه الدعاة والمصلحون بأساليب تحاول أن تصرفهم عن الحكمة في الخطاب والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. ولكن هذا القرآن في كل سورة يؤكد مرة بعد مرة أن الدعوة لا يمكن ولا ينبغي أن تخرج عن الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن. العلاقة بين سورة لقمان وسورة الروم ثمة فارق زمني وتاريخي بين نزول سورة لقمان التي بين أيدينا اليوم وبين سورة الروم، ولكن في ترتيب المصحف جاءت سورة الروم وقبلها سورة لقمان. سورة الروم كما ذكرنا في محورها ومقاصدها أنها جاءت تعلم المؤمنين برسالة القرآن، كيف يخاطب به أمم الأرض ويجادلهم بالتي هي أحسن، مؤكدة عالمية هذا الخطاب القرآني. مقدمه أشكال وأساليب لكيفية مخاطبة أمم الأرض، وواحد من أبرزها العين والتفوق في العين، والتفوق في الاكتشافات والإنجازات العلمية التي أشارت إليها السورة العظيمة. وجاءت محملة بتلك الإشارة من الحديث عن الرياح إلى الحديث عن المطر إلى الحديث عن أشكال مختلفة من الإعجازات التي يمكن أن يحققها المؤمنون بهذا الكتاب إذا انطلقوا من هذا الكتاب في قراءة لهذا العالم والكون المحيط من حولهم. كما حولت السورة العظيمة صورته سنن وقوانين تحكم حركة الفرد والمجتمع والأمم والدول. أوضحت على الإنسان المسؤولية الكاملة في إشكالية الفساد وظهوره وانتشاره في البر وفي البحر. وختمت السورة العظيمة سورة الروم بقوله عز وجل: "وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ". لتبين أن الأمثال والقصص الموجودة في القرآن والشخصيات التي تذكر في القرآن إنما هي لاجل أن يتعلم الذين يقرأون القرآن كيف يربطون بين هذه الأمثال والشخصيات وما يأتي فيها من ذكر في كتاب الله وبين الواقع الذي يعيشون ويعانون. وبكل آية، لا يرون الحق حقاً، يرون الحق باطلاً. وشخص القرآن العظيم في نهاية سورة الروم السبب وراء ذلك قال: "كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ". هؤلاء طبع على قلوبهم شكل من أشكال الختم على القلوب، وراء ذلك، لأن ما في قلبها من إعراض واستكبار وعناد وأمراض نفسية أخرى جعلت ثمة سدود بينها وبين الحق، فلا ينفذ نور العلم ولا نور الكتاب العظيم إلى داخل هذه النفوس الضعيفة التي قد صدت وصدت عن سبيل الله استكباراً وإعراضاً أو عناداً. من هنا جاء آخر أمر في سورة الروم العظيمة: "فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ". قبلها قال: "الذين لا يعلمون"، وبعد ذلك نفى عنهم اليقين قال: "الذين لا يوقنون". شيء طبيعي أن ثمة تلازم واضح بين عدم العلم وعدم اليقين. والعلم النافع السليم الصحيح بكل أشكاله وفروعه المختلفة لا يمكن إلا أن يوصل إلى حقيقة اليقين بالله سبحانه وتعالى والإيمان بصدق هذا الكتاب الكريم. الإيمان بما جاء به هذا الكتاب العظيم من أركان ومبادئ وقيم باقية إلى أن يشاء الله. آخر ما ختمت به سورة الروم: "وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ". وتدبروا معي في التناسب بين ختام سورة وبين مفتتح سورة لقمان. سورة لقمان قال الفنانين الحروف المقطعة التي افتتحت بها كثير من صور القرآن العظيم، مؤلفة من ذات الكلام الذي يتكلم به الناس، إلا أن كلام القرآن كلام الله سبحانه وتعالى يغير كل كلام ويختلف عن كل كلام، وموجز في كل حرف وكلمة في تحدي. قال: "تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ". الحكمة هنا لها عدد من المعاني. الحكمة أنها تعلمك الحكمة، ومتى يقول، ومتى تخرج الكلمات من فيه، ومتى يتوقف ويسكت ولا يتكلم، وأي شكل مناسب يستعملها. الحكمة التي أمر الله سبحانه عباده فقال: "ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ". لا ينبغي أن تدعو إلى سبيل الله بشيء غير الحكمة، لماذا؟ لأن الحكمة تعلمك ماذا تقول وكيف تقول ولمن تتخاطب وتقول، وبأي أسلوب ينبغي أن تقول. لقمان، "وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ". وما جاء عن الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي لا يكون إلا في سياق الحكمة. هذه الآيات التي تعلم الإنسان الحكمة، في تعاملك مع الأشياء، حكمة. هدى ورحمة للمحسنين، ولا شيء يمكن أن يكون فيه من تدبروا في الربط مع ختام الصورة: "وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ"، وهنا وصف عباد الله المؤمنين قال: "وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ". إذن في مقارنة بين الأمرين، عملهم الاستهزاء، أملهم أن يصدوا عن سبيل الله. "فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ". مواصفات الأعمال التي يقومون بها. يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، وهم بالآخرة هم يوقنون. وذكر أعظم عبادتين في الإسلام وفي شريعة الإسلام التي تجعل الإنسان شيئاً فشيئاً، الإحسان ليس حالة طارئة تطرأ على الإنسان المؤمن، الإحسان عمل متواصل، مجاهدة نفس حتى تترقى في مرتبة الإحسان، البعض الآخر بدرجة التسعين، يتفاوتون. ولكن المبدا العام الذي قامت عليه الزكاة، مقصد الزكاة العام، بل المال للآخرين في أعمال الخير ومساعدة الآخرين. هذه كلها كانت موجودة في التشريع المكي، ولكن التشريع الخاص بالزكاة وتفاصيلها جاء لاحقاً في المرحلة المدنية. الجزاء، بمعنى آخر، أنه لا شيء يوصل الإنسان المؤمن إلى مرحلة الهدى، هدى ورحمة وإحسان والجزاء الفلاح، إلا تلك الصلة بآيات الكتاب الحكيم. تريد سبيل الإحسان، تريد اليقين، تريد أن تمشي في الدنيا على هدى، وتصل في الآخرة وفي الدنيا كذلك الفلاح والفوز، لا سبيل لك بعيداً عن آيات الكتاب الحكيم. مررت بينها وبين ختام سورة الروم. في ذات الوقت فيها بيان واضح، في نفس الوقت، "وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ". لديك صنف آخر من البشر، اصبر وأنت بحاجة إلى المصادرة معهم، الصبر عليها. رافقهم، هذه من ناحية الآيات في الختام وفي المفتاح. أما من ناحية المقاصد، نقول كذلك هذه السورة العظيمة جاءت تبين كيف أن الإنسان ولو كان فرداً مثل لقمان الحكيم يستطيع بدوره أن يخاطب أمم الأرض. بمعنى آخر، هذا هو الخير. ربما لانتشار ذلك الفساد، ربما لغيبوبة هذه الأمة عن دورها، رسالته في الحياة. واحد منها على سبيل المثال كما ذكرت كثير من كتب التفاسير أن هذا الرجل كان في واقع الأمر عبداً مملوكاً، أما كان حراً، ولكن هذا الوضع الذي عاشه لم يمنع أبداً عن القيام بدوره وأداء رسالته في الدعوة إلى الله بالحكمة. فإذاً أنا وأنت نستطيع أن نقول، "لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا". تدبروا معي في هذه المعاني العظيمة، شكل آخر من أشكال التناسب. سورة الروم من مقاصدها أنها تعلم كيف تجادل بالتي هي أحسن. سورة القصص أمرت قالت: "وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ". صورة علمت وأكدت أنك مكلف بمخاطبة وجدان أمم الأرض بالتي هي أحسن. وسورة لقمان امتداد لتلك المجادلة وبيان لأشكال هذه المجادلة وأساليبها، سورة لقمان جاءت في الحكمة، ونموذج لإنسان حكيم عاش حياته حكيماً، وتضمنت رسالته كل الحكمة. وإلا من يمتلك من الحكمة الشيء العظيم. مفرقاً لا مجمعاً، ولا مؤلفاً، شاغلاً عن صف وحدة الكلمة، لا جامعاً للقلوب ومؤسساً للإصلاح ووحدة الكلمة والأمة. لماذا؟ لأنه تنقصه الحكمة. الحكمة هي التي تجعل الإنسان يصل إلى هذه الأهداف العظيمة السابقة التي يعلمنا القرآن العظيم طرفاً منها في هذه السورة المباركة. الترابط في سورة لقمان وتدبروا معي في التناسب بين أول السورة: "تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ". قال في آخر السورة: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ". في ترابط: "وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا". يقينك بالآخرة جاء الأمر به في نهاية السورة: "واتقوا يوماً"، ما هي؟ ما زال يخشى يوماً. يقينك بالآخرة يزيد في تقواك، ويرفع مقامات التقوى. "فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ". هذه من اليقين، ويعلم ما في الأرحام، مفاتيح الغيب التي لا يعلمها إلا الله. هذا جزء من يقينك، ويقينك بالآخرة يقتضي كذلك أن توقن بها. تدبروا في هذا الترابط العجيب. واحدة من مواصفات هذا الكتاب وأوصافه أنه كما ذكرنا مشحون حكمة. ثم تلك الحكمة التي في كل آياته وحروفه ومفرداته. حتى كأنك أمام كتاب يعلمك كيف تبني بناءً متكاملاً لحياة الإنسان الفرد، ولحياة المجتمع. هذه كلها من الحكمة التي جاءت بها هذه السورة العظيمة التي ما تجاوزت آياتها إلا الثلاثين بقليل، ولكنها حملت من الحكمة والحِكَم ما يجعل الإنسان يعيش حياته وهو مدرك أنه بالحكمة يصل إلى الفلاح وإلى الفوز. وتدبروا معي في شكل آخر من أشكال الترابط. يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، على نهج فيه هدى من ربه، هذا لا يمكن أن يصل إليه إلا وقد بلغ درجة من الحكمة. مرحلة الحياة، الابتلاء. ويعرف كيف ينبغي أن يؤمن بالآخرة لأنه إن لم يؤمن بالآخرة سيكون من الخاسرين. وحكماً تعلمه من حِكَم من خلال تعلم آيات الكتاب الحكيم أوصلته إلى الفلاح والفوز في الدنيا وفي الآخرة. تدبروا كذلك في شكل من أشكال التناسب بين نهاية سورة الروم العظيمة حيث قال فيها الله سبحانه: "فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يَسْتَعْتَبُونَ". لماذا؟ لأنهم يوم قامت الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة. هم لو كانوا فيهم شيء من الحكمة لَا وصلت بهم تلك الحكمة إلى إدراك أن يوم القيامة ليس يوم معذرة ولا عتاب، لا تنفعهم. غداً دار الجزاء، لا تعتذر غداً. تعتذر بعد فوات الأوان. إذاً واحدة من أكبر إشكاليات الظالمين والكفار خلو عقولهم وقلوبهم من الحكمة. ويهتم فيه، يتعلم كيف يمارسه لأنها هي ميران وتدريب صحيح. هي عطاء من الله سبحانه، وأن يسأله الحكمة، وأن يجتهد، وأعظم أسباب اكتساب الحكمة الصلة القوية بآيات الكتاب الحكيم. تدبروا معي في هذا التناسب العظيم. إذن نهاية سورة الروم التي اختتمت ببيان مواصفات أولئك الذين خلت عقولهم من الحكمة تناسبت مع هذه السورة العظيمة التي جاءت تتكلم عن الحكمة،