ومن أهم ما يكشف عن عناية التابعين على ضبط سنة النبي ، ظهور العناية الكبيرة بشأن الإسناد ومعرفة أحوال الرواة، وفي ذلك قال محمد بن سيرين: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم (1). وكان يقول: إن هذا العلم دین فانظروا عمن تأخذون دينكم (٢). وقد كان محمد بن سيرين نفسه شديد الحرص والعناية بشأن الإسناد والتفتيش في أحوال الرواة، قال علي ابن المديني كان ممن ينظر في الحديث ويفتش عن الإسناد، ثم كان يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن (۳). حفظ السنة في زمن أتباع التابعين استمرت العناية برواية حديث النبي ﷺ قائماً، ورحم الله ابن المبارك الذي قال: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من فمع وجود الكتابة في زمن النبي ، إنما كان يكتب للحفظ والمراجعة فقط، أما في هذه الطبقة فصار الاهتمام بالتصنيف المرتب والمبوب، ويدفع توهمات من يظن أن الأمر ابتدأ بالبخاري أو مسلم، فممن صنف من أئمة الحديث ابن جريج، والأوزاعي، وسعيد بن أبي عروبة، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وابن المبارك ومالك بن أنس، وسفيان الثوري، وحماد بن سلمة، وغيرهم رحمهم الله جميعاً (۱). وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل، وأبو داود والترمذي، والنسائي، وأبو حاتم الرازي، وجماعة كبيرة جداً من المحدثين. فالبخاري مثلاً سعى إلى جمع الأحاديث التي هي في الذروة العليا من الصحة، ليتبعه غيره كالإمام مسلم عليه رحمة الله، والتي قصد أصحابها جمع الأحاديث وفق تبويبات لها منهجيتها الخاصة. والحقيقة التي ينبغي إدراكها هنا أن الأحاديث المضمنة في هذه الكتب لم تظهر في هذه الحقبة فجأة كما قد يتوهمه بعض الناس، يعتمد فيه المتأخر جهد المتقدم ويبني عليه، بل إن كثيراً من الأحاديث الموجودة في هذه الكتب هي في الحقيقة انتخاب من كتب من فوقهم، حيث وقعت هذه الكتب لهم متصلة الإسناد مشافهة، فسمعوا أحاديثها حديثاً حديثاً ممن حدثهم بهذا الكتاب، والذي بدوره سمعها ممن فوقه، فوقعت لهم هذه الكتب سماعاً وكتابة، تضاعف اطمئناننا إلى عظيم الدقة العلمية التي أحكمها أئمة الإسلام في الرواية، فهذا الإمام البخاري مثلاً يروي بإسناده حديثاً فيقول : حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن عمر، أنه كان يقول: إن ناساً يقولون إذا قعدت على حاجتك فلا تستقبل القبلة ولا بيت المقدس. فقال عبد الله بن عمر : لقد ارتقيت يوماً على ظهر بيت لنا، فرأيت رسول الله ﷺ على لبنتين، وقال: لعلك من الذين يصلون على أوراكهم ؟ فقلت: لا أدري والله. قال مالك: يعني الذي يصلي ولا يرتفع عن الأرض، وهو الواقع بمراجعة الموطأ، فيظهر لنا الحديث بالتعليق حرفاً بحرف. وإنما هي انتخاب دقيق من مدونات حديثية فانتشر التأليف في تواريخ الرجال، ورواة الحديث، والجرح والتعديل، وعلوم المصطلح، إضافة إلى غريب الحديث، والتخريج، والمستخرجات، والمستدركات، وغير ذلك. ودون أصحاب الإمام أحمد وابن معين وابن المديني كلام أئمتهم في الرجال والعلل والتصحيح والتضعيف في كتب متعددة سميت بالمسائل. ومسلم كتاب التمييز ومقدمة الصحيح، والترمذي العلل، رسالة إلى أهل مكة، وبلغ علم الحديث غاية نضجه، وتمام استوائه. فمن أعظم جوانب العبقرية في تاريخ هذه الأمة العلمي تلك العلوم الكثيرة التي أسست لضبط شأن الرواية والتحقق منها والتمكن من فرز صحيح السنة من ضعيفها. ولتتأكد بنفسك على عبقرية هذا المنهج واتكائه على معطيات عقلانية تحقق أكبر قدر من الضمانة الممكنة لحفظ سنة النبي ، وتدرك كمية الجهل والعبثية في دعاوى الطاعنين في هذه المنهجية، لا عن شبهات تشكيكية حقيقية ناشئة من بحث وتدقيق وتحر. وإذا تدبرت ما سبق استعراضه من تاريخ علمي مختصر يكشف عن عناية الأمة بسنة النبي ، وجدت أنه لم يقم على ركيزة واحدة وهو النقل المكتوب، وإنما تعاضد معه الأخذ من أفواه الرجال،